الخميس 5 مارس 2026
ترعرعت في الخرطوم، وكان منزلنا يبعد أربعة كيلو مترات عن القصر الواقع على النيل الأزرق. في 1884، كان المُحاصَر تشارلز غوردون يقف على سطح هذا القصر وهو ينظر بمنظاره مترقبًا وصول بعثة الإغاثة البريطانية. فقد كانت جيوش المهدي تحاصر الخرطوم، ولطالما أسرتني هذه القصة المشوقة رغم نهايتها المأساوية. كانت معرفتي الجيدة بالمكان ودراستي لتاريخه في المدرسة والمستوى الجامعي خلفية مألوفة تمكنت من بناء روايتي عليها. كانت الفكرة الأولى لرواية "روح النهر" هي شابٌ، ترجع أصوله إلى أدنبرة، يُفتَتن بالعمارة العامية للسودان الكولونيالي، حيث يبدأ في رسم لوحة للنيل وارتداء ملابس السكان المحليين. وعندما يقوم برسم زوجة زعيم قبلي، يُكشَف الأمر وتصبح مسيرته المهنية وحياته في خطر. انتهى بي الأمر بالانحراف بعيدًا عن الفكرة الأصلية. وأصبحت المرأة في الرسمة، مع استمراري في الكتابة، مركز السرد، ولم يعد الرسام هو الشخصية الرئيسية.
وجدتُ في أرشيفات السودان في جامعة دورهام فاتورة بيع فتاة تُدعى زمزم، وصُدمت بهذا الاكتشاف. فقد كنت أعلم أن الرق موجود في سودان القرن التاسع عشر، إلا أن إمساكي بفاتورة بيع بها رقمٌ نقديٌّ وأسماء الأشخاص المعنيين أدهشني للغاية. عثرتُ على عريضة كذلك تحتوى على معلومات بشأن هروب امرأة مستعبَدة أخذت معها قطعة ملابس من سيدتها. ذهبت هذه الهاربة إلى سيدها السابق، إذ رُفعت العريضة ضد هذا الأخير. كان هذا الوضع معقدًا ومثيرًا للفضول بما فيه الكفاية بالنسبة لي حتى أفكر في ملئ هذه الفراغات بالخيال. بدأت البحث في الرق في شرق أفريقيا ونطاق انتشاره، إلى جانب مدى اختلافه عن الرق في الساحل الغربي عبر المحيط الأطلسي، وكيف كان سودان القرن التاسع عشر بوابة لأسواق القاهرة واسطنبول المُربحة.
إن النساء مجرد حواشي في سجلات التاريخ للأسف، حيث كان على البحث في الموضوع هنا وهناك. بالطبع، لم أجد البتة رواية من وجهة نظر امرأة. رافقت النساء الجيش طيلة حروب المهدية، وكن يطبخن ويداوين وينصبن أكشاك التسوق على طول الطريق، كما لعبن دورًا في التجسس وجمع المعلومات وتمريرها، وهو ما ألهمني الدور الذي لعبته والدة ياسين في الرواية. كنت متشوقة أيضًا حين علمت أن المهدي قد أرسل امرأة بمثابة سفير إلى قصر الخرطوم، واستخدمت ذلك أيضًا في الرواية.
لقد كُتب التاريخ السائد من قِبل المستعمر، وهو الحقيقة بالنسبة لهم، وقد حان دورنا لسرد حقيقتنا. فعندما يكتب الأفارقة التاريخ، لا يعني ذلك بالضرورة أننا نقول شيئًا عن عالم اليوم، فكثير مما يدفعنا إلى الأمر هو الرغبة في في سرد روايتنا. أنا أتشوق للروايات التاريخية الأفريقية أكثر من الأصناف الأخرى. إن المواجهة بين إفريقيا وأوروبا، في اللحظة الراهنة، هي حجر أساس الكثير من الرواية الأفريقية. ربما سوف ينتقل الكُتّاب في المستقبل بعيدًا عن ذلك إلى التعمق في الماضي الأبعد قبل الكولونيالية الأوروبية. فثمة تاريخ ثريّ وآسر يجب أن يُروى.
لا توجد شخصيات بديلة في الرواية، والشخصيات التاريخية الفعلية هي المهدي وغردون وشيخ أمين الضرير وربيحة. كُتِب الكثير عن المهدي وأكثر من ذلك عن غردون، وتوجد مذكرات للأخير. لذا إلى جانب استحضار صوت غردون، هنالك مواد ضخمة للعمل بها، ما كان تحديًا أيضًا، إذ كان لا بد لي أن أكون انتقائية. على عكس ذلك، لم يكن هناك الكثير عن الضرير، رئيس علماء الخرطوم، واعتمدت بذلك على مخيلتي. تظهر ربيحة في السجلات التاريخية في الحواشي، بوصفها المرأة التي سمعت بالصدفة حديثًا بينما كانت ترعى الأغنام، وهرولت على إثر ذلك لتحذير الثوار من نية الحكومة في الهجوم. فهي تُذكرُ تارة تلو الأخرى في كل السجلات، لكن دون كثير تفصيل. لقد استمتعت بتجسيدها ورفع مكانتها بمخيلتي.
لا يذكر القرآن المهدي، لكنه موصوف بدقة في العديد من أحاديث النبي محمد. يُوصف المهدي باعتباره المُخلِّص المنتظَر، المهتدِي بالحق، الذي سيقوم، بنهاية الزمان، بنشر العدل والرخاء بعد سنين من الطغيان والاضطهاد. سيكون اسمه محمد عبدالله، وسيحكم لمدة سبع إلى ثمان سنوات مزدهر ة ستظهر فيها العديد من علامات الساعة الكبرى. اعلى مر التاريخ الإسلامي ادعى حوالي ثلاثون رجلًا أنهم المهدي المنتظر.
كان جدي الأول مهاجرًا من جنوب مصر، وعمل موظفًا في الحكومة الاستعمارية. وكان معارضًا شديدًا للمهدي. وعندما دخل المهدي وجيشه أم درمان، قام بحفر تجويف في باحة منزله وأخفى بناته الخمس فيها، لخشيته من اغتصابهن. استخدمت فكرة التجويف في الرواية، لكن لإخفاء رجلٍ، عوضًا عن بنات صغيرات.
كوني أتحدث اللغتين لم أحتج إلى التعويل على الأرشيفات الموجودة في بريطانيا فحسب. فقد اعتمد نصف بحثي على سجلات مكتوبة بالعربية. وبالرغم من أن بعض هذه المصادر الأساسية تُرجمَت إلى الإنجليزية، بجانب مقدرتي على القراءة بسرعة أكبر بالإنجليزية، إلا أنني قرأتُ النصوص الأصلية العربية. إنها رائعة لأنها تكشف حياة الناس العاديين اليومية خلال هذه الحروب. تعرّفتُ عبرها على نسيج الحياة وقتها، وطريقة أكل الناس وترحالهم وتواصلهم، بالإضافة إلى توقعاتهم وهمومهم. إجابة على سؤالك، أعتقد أنه من المهم توسيع الوصول إلى تلك الأراشيف، وأن حملة الاسترداد مبرّرة. أود أيضًا التشديد على مسألة السجلات المكتوبة باللغات الأم وترجماتها، لأنه تكمن في هذه اللغات المحلية وجة النظر الأفريقية الأساسية. إنه لأمر صادم، على سبيل المثال، أن أحد مصادري الأساسية القيمة للغاية، "مذكرات بابكر بدري"، الذي وُلد في 1861، المكتوبة بالعربية والتي نُشرت على نطاق واسع في السودان، لم يعد يُطبع بترجمته الإنجليزية. يمكن تجديد هذه الترجمة أيضًا، التي أُجريت في بدايات الستينيات، والاعتماد عليها. هذا نص إفريقي مهم، لكنه ليس متاحًا على نطاق واسع بسبب مسألة الترجمة. أنا متأكدة أن هنالك نصوص أخرى كذلك مكتوبة بلغات إفريقية بحاجة إلى الترجمة والنشر.
ما أدهشني أنني لم أجد مصادرًا وفيرة عن الرق في الساحل الشرقي. يحتاج هذا المكان بالتأكيد إلي المزيد من البحث. للمفارقة، بعد عقود من الانخراط النشط في الرق عبر المحيط الأطلسي، شنت بريطانيا حملة متحمسة على تجارة الرق من قبل العثمانيين والمصريين والعرب. وأصبح منع هذه التجارة سببًا للتوسع البريطاني واستعمار السودان فيما بعد. ونتيجة لذلك، امتلأ الكثير مما كُتب عن تجارة الرق العثمانية بالسخط الأوروبي المبرر والذي كان هدفه تبرير ضرورة التوسع الاستعماري لمنع تجارة الرق الوحشية في الساحل الشرقي. عندما يفكر الناس في الرق، يدور في بالهم في الغالب المسار الطويل عبر الأطلسي وثقافة المَزارع التي يصاحبها نظام العنصرية المتجذر. لكن تجربة رقيق الساحل الشرقي مختلفة، لأن الرأسمالية لم تكن القوة الدافعة لما فعله العرب والعثمانيون، فخلافًا لذلك، استعبدوا الرجال في الغالب للخدمات العسكرية والنساء للعمل المنزلي. بالنسبة للإرث الذي ذكرته، عندما أقرأ عن الجنود من الأطفال الذين تجندهم المملكة العربية السعودية لحربها في اليمن، والخادمات الأثيوبات الاتي يُساء معاملتهن في لبنان، يتجمد دمي.