تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 يوليو 2024

سياسة

الأزمة الكينية.. انتفاضة ضرائب أم ديمقراطية متوقدة

29 يونيو, 2024
الصورة
نيروبي، كينيا
نيروبي، كينيا - 25 يونيو: اشتبك الناس مع الشرطة خلال احتجاج على زيادة الضرائب في "مشروع قانون المالية 2024" المخطط له. (تصوير جيرالد أندرسون/ الأناضول
Share

 اهتزت كينيا مجددا على وقع مظاهرات شعبية، منذ 18 يونيو/ حزيران الجاري، أشعل فتليها مشروع قانون المالية، الذي يقضي بزيادة الرسوم الضريبية على مجموعة من المنتجات والخدمات اليومية، بما في ذلك الإنترنيت والوقود والتحويلات المصرفية والسيارات الخاصة وحتى الخبز، ما يعني ارتفاعا غير مسبوق في تكاليف المعيشة، وتراجعا في القدرة الشرائية لدى الكينيين.

زادت موافقة البرلمان الذي يتمتع فيه حزب الرئيس "التحالف الديمقراطي المتحد" بالأغلبية، يوم الثلاثاء الماضي (25 يونيو) من تأجيج الوضع، ما دفع آلاف المتظاهرين المجتمعين أمام مبنى البرلمان، حاملين لافتات "لا تفرضوا علينا الضرائب" و "لا للديكتاتورية الاقتصادية"، إلى اقتحامه، وإضراب النار في جزء منه، ما فرض إجلاء النواب عبر نفق تحت أرضي، في سابقة من نوعها في تاريخ الدولة، منذ الاستقلال عام 1963.

أطلقت الشرطة الكينية النار على المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل 22 شخصا، والمئات من المصابين والمعتقلين، بحسب اللجنة الكينية لحقوق الإنسان، التي أدانت التدخل العنيف لقوات الأمن بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، رغم الطابع السلمي للاحتجاجات التي تجاوزت حدود العاصمة نيروبي، نحو 30 مقاطعة من إجمالي 47 مقاطعة في البلاد. 

الضرائب.. متلازمة الاحتجاج السنوي

انتفض الكينيون، صيف العام الماضي، في وجه وليام روتو؛ الرئيس الجديد حينها، تولى المنصب في 13 سبتمبر/ أيلول 2022، عقب تصريحات تفيد حاجة حكومته إلى مزيد من الأموال لمواجهة التضخم المرتفع (8٪ على أساس سنوي)، وتحفيز النمو الذي تراجع إلى 4,8٪ (2022) بعدما كان عند حدود 7,6٪ (2021)، وتسديد الديون المتراكمة عن فترة حكم الرئيس الأسبق أوهورو كينياتا (2013-2022) التي وصلت إلى 69 مليار دولار.

اتخذ الرئيس جملة من الإجراءات في قانون المالية، أبرزها الرفع من الضرائب قصد تعزيز الموارد المالية للدولة. ونجح بفضل مناورات سياسية، تخلل الاحتجاج الذي قادته المعارضة، في تمرير القانون، وإن كانت بعض الضرائب الواردة فيه، مثل ضريبة الإسكان، لا تزال قيد الطعن في المحكمة.

ذات السيناريو تتكرر هذا الصيف، على خلفية مشروع قانون مالية 2024، الذي عزمت حكومة روتو إقراره، بهدف تحصيل موارد ضريبية تقدر، بحسب وزير المالية الكيني؛ نجوجونا ندونغو، بحوالي 346 مليار شلن كيني (2,71 مليار دولار)، لتخفيف العبء على عجز الموازنة، فديون البلاد بلغت 82 مليار دولار، ما يعادل 68٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من نسبة 55٪ الموصى بها دوليا. وانخفضت قيمة العملة المحلية 22٪ مقابل الدولار الأمريكي، منذ عام 2022.

دافعت الحكومة بشدة عن اختياراتها، معتبرة على لسان نديندي نيورو؛ رئيس لجنة الميزانية في البرلمان، معتبرة أن إلغاء هذه الزيادات الضريبية المقترحة، يعني عجزا في الموارد قيمته 200 مليار شلن (1,6 مليار دولار)، ما يحتم على الحكومة بالضرورة القيام بتخفيضات في الإنفاق.

       روتو.. رئيس الفقراء "يخذلهم"

انتخب الرئيس وليام روتو الذي شغل منصب نائب الرئيس (2013-2022)، قبل عامين تقريبا، على أساس برنامج يستهدف مساعدة الطبقات الفقيرة في كينيا. وبلغ الأمر بالصحافة المحلية والدولية حد وصفه بمرشح الفقراء وطبقات المجتمع الدنيا، لكونه أحد القادمين من قاع المجتمع الفقير.

أمام قوة الاحتجاجات، وحجم العنف الذي تخللها، اضطر الرئيس إلى التجاوب مع مطالب المنتفضين، متعدها في خطاب، في 26 يونيو/ حزيران، بعدم التوقيع على المشروع التي أثار الاحتجاجات رغم إقراره في البرلمان بعد قراءة ثالثة، "أنصت باهتمام إلى الشعب الكيني الذي رفض مشروع القانون بوضوح، سأتراجع أمام مطالبه. وبناء عليه لم أوقع مشروع القانون وسيجري سحبه لاحقا".

أضاف الرئيس، دون الكشف عن الكثير من التفاصيل، عزمه إطلاق حوار مع الشباب الكيني، "بما أننا تخلينا عن مشروع قانون المالية لعام 2024، فمن الضروري إجراء مشاورات كدولة مستقبلا... كيف يمكننا إدارة ديوننا معا.. سأقترح التواصل مع شباب بلدنا، مع أبنائنا وبناتنا".

يكشف روتو بهذه الخطوة عن مخاوف من ارتداد أسلوب التخوين والاتهام الذي نهجه ضد المتظاهرين في البداية، إذ سبق له التصريح بأن "ليس مناسبا ولا منطقيا أن يتمكن مجرمون يتظاهرون بأنهم سليمون من ممارسة الإرهاب ضد الناس وممثليهم المنتخبين والمؤسسات القائمة بموجب دستورنا، وأن يتوقعوا الإفلات من العقاب".

لا سيما أن مطالب الشباب الكيني بدأت ترتفع تدريجيا، فبعدما كانت مقتصرة على إسقاط الضرائب في قانون المالية، باتت تتجه نحو مواصلة التظاهر رغم سحب القانون. فالنشطاء في الحراك دعوا للتظاهر السلمي إحياء لذكرى من سقط من الضحايا، "لقد تم سحب مشروع القانون، ولكن هل يمكنكم إحياء كل من ماتوا؟ ... لا تنسوا، لات تغفروا". 

كينيا.. ديمقراطية تبحث عن مجد

استرعت الأحداث في كينيا أنظار العالم، مع تزايد الاهتمام بنيروبي، فالحديث كثر مؤخرا عن تحول مساعي كينية للتحول إلى زعامة إقليمية في القرن الإفريقي، مستثمرة الظروف الإقليمية المواتية نتيجة تراجع الدور الإثيوبي، بسبب التوتر المتزايد بين الحكومة المركزية وعدد من الأقاليم، وناهيك عن فتح جبهات للصراع إقليميا.

فدخلت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وكبرى العواصم العالمية (12 دولة أوروبية) على خط الأحداث منددة بأعمال العنف هناك. إقليميا، أعرب زعيم المعارضة الأوغندية والمرشح الرئاسي الأسبق؛ بوبي واين عن دعم المحتجين. ذات التأييد جاء من جنوب افريقيا، على لسان جوليوس ماليما؛ رئيس حزب "مناضلون من أجل الحرية الاقتصادية".

يبقى المثير في انتفاضة الشباب الكيني، بحسب عدد من المراقبين، وخلافا لمعظم الاحتجاجات السياسة في تاريخ البلاد، أنه حراك شبابي "غير مسيس"، ظهرت بواكيره على الأنترنيت، ضد قرار الزيادة في الضرائب، ثم ما لبث أن تحول إلى مظاهرات حاشدة في غياب تام لأي هيكل قيادي رسمي للاحتجاجات، ما جعل الحكومة الكينية حائرة في تحديد المخاطب.

تزول الإثارة عند قراءة الأمر في سياقه المحلي، فكينيا من الدول ذات التاريخ الحافل بالاحتجاج السياسي، منذ عهد الرئيس المؤسس جومو كينياتا (1964-1978)، ناهيك عن تزايد الاهتمام بالعلبة السياسية، لدرجة امتزج فيها الكوني بالمحلي، فأنتج ما عرف في التاريخ السياسي الكيني ب"عرقنة الانتخابات"؛ أي الولاء العرقي والقبلي بدل الإيديولوجي والحزبي.

تأكيدا لذلك، لا ضير من التذكر بأن كينيا كانت أول دولة افريقية تلغي، فيها المحكمة العليا، نتائج الانتخابات الرئاسية، التي جرت في 8 أغسطس/ آب 2017، وأمرت بإجراء انتخابات جديدة خلال 60 يوما، لأنها وفق قضاة المحكمة "لم تلتزم بالدستور". زد على ذلك، أن آخر استحقاق انتخابي فاز بموجبه الرئيس الحالي وليام روتو، كانت نتيجته 50,49٪ مقابل 48,85٪ لصالح منافسه.