السبت 18 أبريل 2026
أصدرت الأكاديمية والإعلامية البريطانية (من أصول سودانية) زينب بدوي، رئيس مدرسة الدراسات الأفريقية والشرقية بجامعة لندن، أولى كتبها تحت عنوان ملفت "تاريخ أفريقي لأفريقيا: من فجر الإنسانية إلى الاستقلال"، وبدا تناقضًا أوليًا في مقاربة العنوان، بشقيه البارزين، بين مشروع أكاديمي صارم يستهدف طرح "رؤية" أفريقية لتاريخ القارة، وأسلوب دعائي سطحي للغاية، على الأقل من الوهلة الأولى، بإشارة العنوان إلى أن الفترة الزمنية التي سيتناولها الكتاب (الذي يتجاوز حجمه 500 صفحة) تمتد من فجر البشرية إلى استقلال القارة؛ وما يعنيه ذلك من ضرورة تأهب القارئ لمواجهة نص معقد وشامل وممتد زمنيًا.
جاء الكتاب، بصياغته "الخبرية" بشكل واضح، في 17 فصلًا تتناول محطات متفرقة من تاريخ القارة، بدءًا من ظهور "الإنسان الأول" بعد أسلافه المباشرة، مرورًا بفصول عن مصر وكوش وعيزانا أكسوم، والتنافس المسيحي- الإسلامي، وأفريقية والأمازيغ، وشمال أفريقيا تحت الحكم الإسلامي، ومنسى موسى وتيبو وتيبوتيب والمستشرقين الأوائل، وممالك أفريقيا الجنوبية، وفصلان عن الأشانتي، والرق والخلاص، ثم التكالب على موارد القارة، ومملكة الكونغو و(التكالب) على أفريقيا، ثم المقاومة والتحرر.
قدمت هذه الفصول قراءات متعجلة للغاية، واستندت إلى مادة علمية محددة للغاية (مثل الرجوع المتكرر لدراسات كتاب "تاريخ أفريقيا العام" لاسيما في النصف الثاني من الكتاب)، وهو ما لمحت له بدوي في مقدمة العمل من أنه موجه "لجميع القراء ممن يسعون لتبديد قصور التعليم ما بعد الإمبريالي، ولاسيما الطلاب الشباب الذين لديهم خلفية أفريقية ورغبة في تعلم المزيد"، قبل إضافتها الاستباقية بأن الكتاب "ليس أكاديميًا، كما أنه ليس حول "تاريخ مختلف عليه"، وأنها تحاول "موازنة العديد من التصورات السلبية للقارة وأهلها، وتحسين فهمنا الجمعي لتاريخها عبر مناقشة الإنتاج العلمي الأفريقي... ومن ثم كشف تاريخ أفريقي مختلف وأكثر أمانة".
يبدو من التقديم الوجيز الذي طرحته بدوي لكتابها أنه نواة لعمل آخر، لم يكتمل، أو تم إنجازه في الصورة الحالية على عجل. إضافة إلى إشارتها أنه "مجرد طرح يستهدف فئة بعينها"، مما يفقد العمل من الوهلة الأولى سمة شموله وجدية طرحه، وربما عمقه بشكل واضح، كما يتضح من قراءة فصول الكتاب بالغة القصر (بالنظر أيضًا إلى شكل طباعة الكتاب بحجم خط كبير للغاية، وبتنسيق "شبابي" متحرر من شكل الكتب الأكاديمية التقليدية).
لكن بدوي أوضحت في مقابلات أخرى ومراجعات وقت صدور الكتاب، أنه (أقرب لـ) صيغة مقرؤة من سلسلة وثائقية من تسعة أجزاء بُثت عبر هيئة الإذاعة البريطانية BBC World News، ربما على غرار حلقات شهيرة سبق أعدها البروفيسور علي مزروعي لنفس الجهة (1986) بعنوان "الأفارقة: إرث ثلاثي"، ونشرت في كتاب في العام نفسه.
أن الاختزال في السرد في نص بدوي يقود إلى فجوات تفسيرية واضحة، لاسيما أن فئة القراء المستهدفة لا تملك -حسب بدوي- معرفة تاريخية معمقة
تشي هذه الملاحظة بضرورة الأخذ في الاعتبار أن الكتاب منقول من وسيط إعلامي مرئي، وما يعنيه ذلك من تعدد الأصوات به، والمعبرة عن رؤى وتصورات من قابلتهم بدوي خلال إنتاج السلسلة، التي قد تتناقض في موضع ما أو أكثر.
على غرار مزروعي في أولى حلقات سلسلته الشهيرة حول مراحل تشكل أفريقيا جغرافيًا وبشريًا، استهلت بدوي كتابها بفصل افتتاحي عن الإنسان الأول في أفريقيا التي وصفتها بأنها "حيث بدأ كل ما يتعلق بنا كبشر في العصر الحديث"، ورأت، بلغة معولمة وربما سطحية، أنه "علينا أن نتحد ببدايتنا المشتركة على نحو يمكننا من النظر إلى ما يتجاوز العرق، إلى وقت لم تكن فيها هذه الاختلافات (الحالية) موجودة". وتنقل عن الكيني ريتشارد ليكي (R. Leakey)، عالم دراسة إنسان قبل التاريخ، قوله إن البعض لا يزال يتحفظ في التقبل التام لفكرة أن البشر، سواء في ذلك الأوروبيون ذوو العيون الزرقاء والآسيويون ذوو البشرة الصفراء، قد انحدروا جميعًا من أفريقيا".
كما مالت بدوي من البداية، في جهد مقدر وذكي للغاية، لاستخدام المسميات الأفريقية للاكتشافات والأحداث المختلفة، مثل تفضيلها استخدام تسمية "دينكينيش" (الأمهرية التي تعني "كم أنت رائع") للهيكل العظمي لامرأة (عمره نحو 4 مليون سنة) تم كشفه في إقليم هرر، بدلًا من تسمية "لوسي" التي أطلقها عليه علماء آثاريون كشفوا الهيكل عام 1974 تيمنًا بأغنية فريق البيتلز (Lucy in the Sky with Diamonds) التي كانوا يسمعونها في المعسكر خلال الاكتشاف.
كما تتقاطع بدوي مع مزروعي، شكلًا ومضمونًا في العملين المذكورين، في المنهجية ومراعاة الذائقة الغربية بشكل غير مباشر. وعلى سبيل المثال قدم مزروعي اهتمامًا موسعًا بموضوع هامشي في تاريخ القارة، حسب قراءة تشارلز آمبلر بدورية "African Affairs" (يناير 1987)، وهو "تأثير اليهود" في تاريخ أفريقيا، مقابل تجاهل تام لقضايا هامة مثل الإثنية، وتبنيه تعميمات "غير علمية" بالضرورة، مثل فكرة أن البرد هو الحافز الأول للتكنولوجيا أو هو "والدها" حسب نص مزروعي، وأن تعاقب الفصول هو "جد" التخطيط، في سياق تفسيره لتخلف أفريقيا "تاريخيًا".
إضافة إلى ملاحظة أولية وهي عدم التزام مزروعي الدقيق بتاريخ القارة الأفريقية وربطه بدلًا من ذلك برؤية مركزية أوروبية واضحة، كما يتبين في عرضه للإرث الثلاثي (أفريقيا التقليدية والإسلام والمسيحية) بترتيب "أوروبي" يتجاهل تمدد المسيحية في بقاع أفريقية منذ القرن الأول للميلاد، ويربط انتشار المسيحية بالاستعمار الأوروبي الحديث بدلًا من ذلك.
تمضي بدوي اقتفاء لأثر مزروعي، الواعي أم غير الوعي (في الفصل الخامس الذي يحمل عنوان الصليب والهلال، وتتصدره خريطة لجزء من القرن الأفريقي المطل على البحر الأحمر) في تقصي الجذور اليهودية لمملكة أكسوم في القرن العاشر للميلاد، باستعراض حياة الملكة اليهودية يوديت (Yodit) مؤكدة أن "أثر اليهودية على المسيحية في إثيوبيا يمتد حتى الوقت الحالي".
تورد بدوي دون نقد تاريخي حقيقي أن "بعض المؤرخين يؤمنون أن يوديت شخصية مُؤَلَفة تمثل عدة أفراد ربما وجدوا على مدار قرنين أو ثلاثة، مثل الملكة تيردا جاباز آخر ملكات أكسوم، أو جاوا (Ga'wa) الملكة في القرن السادس عشر" في تناقض واضح بين فرضيتها بأن يوديت شخصية مؤلفة (أو لقب يطلق على الملكات) لشخصيات وجدوا على مدار ثلاثة قرون بأكبر تقدير (بينما المثال الذي تذكره يمتد بهذه الفرضية لنحو سبعة قرون).
كما لم تبين بدوي أن الملكة المذكورة كانت ملكة مسلمة امتدت رقعة مملكتها من المتمة (على الحدود السودانية الإثيوبية الحالية) إلى جنوب إقليم التيجراي الحالي في إثيوبيا، وأنه قد ورد ذكر قصتها مع أحمد بن إبراهيم الغازي (ت. 1543) في كتاب "فتوح الحبشة"، وأنها شهدت وصول العثمانيين إلى المنطقة وحروبهم بها. والشاهد هنا أن الاختزال في السرد في نص بدوي يقود إلى فجوات تفسيرية واضحة، لاسيما أن فئة القراء المستهدفة لا تملك -حسب بدوي- معرفة تاريخية معمقة، قد تتصور أن الملكة "جاوا" هي ملكة يهودية تمثل امتدادًا لحكم الملكة يوديت.
كشف تناول بدوي في الفصل السابع، الذي جاء بعنوان "الإسلام والأسر الحاكمة في شمال أفريقيا"، عن ثنائية مثيرة للجدل، في سياقنا الحالي لقراءة مؤلفها. فقد أكدت مرارًا على أن هدفها هو تقديم تاريخ أفريقي لأفريقيا، لكن التناول في الفصل المشار له يكشف منذ السطور الأولى عن تمكن الرؤية "الأوروبية" من عقل بدوي تمامًا؛ إذ تتبنى فهمًا إثنيًا جامدًا لفكرة عدم عروبة الشمال الأفريقي "عرقيًا" بتأكيدها أن "نسبة كبيرة من الشمال أفارقة اليوم يشيرون لأنفسهم بأنهم عربًا... بأي حال فإن الأسر الحاكمة بالإقليم، والتي استمرت لسبعة قرون بدءًا من القرن الحادي عشر(تقصد بداية حكم المرابطين ثم الموحدين وبني مرين)، والتي حكمت في أوقات متفرقة (مناطق مثل) صقلية ومالطا وكورسيكا وأجزاء كبيرة من البرتغال وإسبانيا، يمكن وصفهم بشكل أكثر دقة بأنهم أمازيغ أو مزيج من الأمازيغ والعرب".
وقد عبرت بدوي عن رأي يقصر الانتساب للعروبة تاريخيًا على العرق، ويهمل فكرة الحضارة/ الثقافة العربية التي تمثلتها مجتمعات شمال أفريقيا المختلفة (وحتى بتأثير عرقي متفاوت بطبيعة الحال)، وصولًا لموريتانيا والمغرب غربًا، وعلى مدار قرون، قبل الإسلام بفترات مطولة كما في حال مصر؛ فقد أشار مؤرِّخون يونان بما فيهم استرابو (66 ق . م) وبلينيوس (70 م) إلى تضاعف عدد العرب في عهدهم على الضفة الغربيَّة من البحر الأحمر حتى شغلوا كلَّ المنطقة الممتدة منه إلى نهر النيل في صعيد مصر؛ وكان لهم إبل ينقلون عليها التجارة والناس بين البحر الأحمر والنيل؛ وقد وصف استرابو مدينة قِفْط (Koptos) بأنَّها "مدينةٌ واقعة تحت حكم العرب"، وأنَّ نصف سكَّانها يتكوَّنون منهم؛ وبعد الإسلام في بقية مجتمعات شمال أفريقيا وفي ظل حركات هجرة دائبة ومتعددة الوجهات.
يبدو أن مشروع بدوي لتقديم تاريخ أفريقي لأفريقيا قد اصطدم بالأساس بإشكالية خطيرة للغاية؛ فالعنوان يحمل مشروعًا كبيرًا لم يقو على إنجازه كليًا بعد عتاة من مؤرخي القارة الأفارقة
كما ركزت بدوي على الرواية الأوروبية (دون نقدها) لوصف سكان الإقليم بالمور Moors من الكلمة الرومانية Maurus التي كانت تطلق على سكان الأقاليم الرومانية في شمال أفريقيا (دون أن تفصل بين ذلك ومصر على سبيل المثال). وفي استشهاد ضعيف تشير بدوي إلى استخدام وليام شكسبير للكلمة (المور) في مسرحيته عطيل (1603)، قبل أن تمهد للتناول بالتطرق إلى "يهود شمالي أفريقيا" كمدخل يبدو شاذًا في هذا السياق، لكنه يظل مفهومًا –في رأينا- كأداة لإرضاء الذائقة الغربية، إذ تشير (دون مبرر سياقي واضح لهذه القفزة التاريخية) إلى أن عدد اليهود في الإقليم حتى العام 1945 بلغ 500 ألف نسمة، وأن نسبة المسيحيين الأقباط لا تقل عن 10٪ من سكان مصر.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن بدوي تعيد سرد الروايات اليهودية (التوراتية والحديثة) عن الوجود اليهودي في أفريقيا بدءًا من زواج النبي موسى بامرأة كوشية: "من السودان الحالي"، مرورًا بجمل قصيرة "غير تاريخية" مثل: "بغض النظر عن خروج موسى وشعبه من مصر، استقر اليهود مرة أخرى في مصر في ظل الحكم البطلمي بدءًا القرن الرابع قبل الميلاد، ولاسيما في الإسكندرية: وهي مدينة كوزموبوليتانية متعددة الإثنيات قطنها المصريون واليونانيون واليهود والرومان. وقد فر إليها مزيد من اليهود بعد تخريب الرومان للقدس في القرن الأول الميلادي، مما جعل الإسكندرية مركزًا هامًا لليهودية".
توحي قراءة بدوي بوجود انقطاع في وجود يهود في مصر في الفترة من خروج النبي موسى (في القرن 13 ق.م تقريبًا) حتى بدء العصر البطلمي؛ لكن القراءة التاريخية المدققة تدحض هذه الفرضية جملة وتفصيلًا، وعلى سبيل المثال تورد مصادر تاريخية متعددة استمرار مساعي اليهود للوجود في مصر على مدار القرون التالية للخروج، ومنها توجه مجموعة من التجار اليهود خلال فترة السبي البابلي (نهاية القرن السادس ق.م.) إلى جنوبي مصر (عند جزيرة الفنتين بمدينة أسوان) لإقامة محطة تجارية هنا، سبقت وصول الإسكندر الأكبر نفسه إلى نفس الجزيرة لملاحقة بقايا حكام الفرس في مصر ومحاولة استكشاف منابع النيل.
يبدو أن مشروع بدوي لتقديم تاريخ أفريقي لأفريقيا قد اصطدم بالأساس بإشكالية خطيرة للغاية؛ فالعنوان يحمل مشروعًا كبيرًا لم يقو على إنجازه كليًا (وبهذا العنوان الجسور) بعد عتاة من مؤرخي القارة الأفارقة، مثل: جوزيف كي زيربو والنيجيري توين فالولا، لكن المقاربة نفسها جاءت سردية محضة دون تحليلات نقدية تاريخية (صارمة) تذكر، امتزجت فيها النصوص المقتبسة بكثرة من عدد محدود من المصادر التاريخية (أبرزها تاريخ أفريقيا العام، لاسيما مجلداته الأخيرة)، بانطباعات متفرقة على لسان بدوي وعدد من الشخصيات الأفريقية التي قابلتها، مع التنبيه أحيانًا، وبشكل غير منهجي وربما كاشف عن توجه دعائي، على قضايا أفريقية راهنة.
فمثلا مضت بدوي في سرد تاريخ مملكة منسا موسى ومملكة غانة وقطعت سردها بإشارة استشراقية واضحة بعد ذكر زيارتها لمدينتي تمبكتو وغاو: "لقد كنت محظوطة بذلك، لكن الأنشطة العسكرية الآن تحول دون زيارتهما. ووفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي 2023 فإن الوفيات في الساحل تمثل 43٪ من إجمالي الوفيات العالمية (من الإرهاب)، وأكثر من تلك الوفيات في جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة"، كما تواصل سرد حالة الإرهاب وجماعاته في الإقليم.
يوحي المثال السابق بأن مشروع بدوي كان عنوانًا جسورًا بالأساس، وأن العمل الذي تضمنه لم يكن في سياق العنوان، بل إن العكس صحيح: أي أن العمل كان منجزًا بالفعل ثم تم اقتراح العنوان؛ ما يضعنا أمام فرضية مهمة لإعادة قراءة هذا الكتاب وفق هذا التصور (المقترح)، ويدفعنا للاعتقاد بأنه ثمة فيل في الغرفة، لم تستطع بدوي، رغم كل التمويل السخي لدعمها، ملاحظته وتقديره حق تقديره.