تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

زيلينسكي في جنوب أفريقيا.. عوائق تحول دون الوساطة الأفريقية

26 أبريل, 2025
الصورة
m
Share

حل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الخميس في بريتوريا عاصمة جنوب أفريقيا، في زيارة رسمية يلتقي خلالها الرئيس سيريل رامافوزا، حسب بيان مكتب الرئاسة الذي كشف أن الزيارة تأتي من أجل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في عدد من المجالات، ومناقشة قضيا الأمن والسلم وجهود إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا.

تأتي هذه الزيارة في عالمي توقيت حساس، يشهد منعطفات حادة من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب الذي يسعى لضبط الأحداث على الصعيد الدولي وفق إيقاعه، ومن زاوية نظرة خاصة لا يدرك تفاصيلها سوى ملياردير البيت الأبيض.

كييف بعيدا عن واشنطن

يحاول الرئيس الأوكراني توسيع جبهات التحرك بحثا عن الدعم أو فقط ضمان الوساطة الإيجابية، بعدما تعرضت كييف لضغوط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرح الأسبوع الماضي، بأن واشنطن قد تنسحب من جهود الوساطة ما لم تحقق تقدما واضحا بشأن اتفاق السلام.

الظاهر أن زيلينسكي في سباق مع الزمن بحثا عن منافذ أخرى من شأنها المساعدة في التخفيف الضغوط الأمريكية عليه، فإدارة ترامب تمعن في الضغط على أوكرانيا، وكأنها عدو وليست حليفا تقليديا لواشنطن. إذ لا يتوانى ترامب عن تذكير الأوكرانيين بضرورة تقديم تنازلات في المفاوضات مع موسكو، في ظل تعثر الدعم العسكري الغربي.

يوما قبل حلول زيليسكي في بريتوريا، تحدث ترامب، عبر حسابه في شبكة تروث سوشيال، عن اتفاق قريب جدا بشأن الحرب في أوكرانيا، مخاطبا بأسلوب مباشر وفج، يفتقد لأدنى حدود اللياقة والدبلوماسية، الرئيس الأوكراني "على الرجل الذي لا يملك أوراق مساومة أن يعمل على تحقيق ذلك". فيما اعتبرت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الرجل "يسير في الاتجاه الخاطئ"، بعد رفضه مقترحا أمريكيا يقضي بالاعتراف بضم شبه جزيرة القرم مقابل تجميد خطوط المواجهة.

تأتي هذه الزيارة في عالمي توقيت حساس، يشهد منعطفات حادة من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب الذي يسعى لضبط الأحداث على الصعيد الدولي وفق إيقاعه

كانت تقارير إعلامية أمريكية قد أفادت بأن ترامب مستعد لتسوية تقضي الاعتراف بضم جزيرة القرم، ضمن اتفاق سلام يمنح موسكو الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها خلال الحرب، والتي تقدر بحوالي 20٪ من الأراضي الأوكرانية، وهو ما ترفض كييف جملة وتفصيلا.

من جهتها، تحدثت يوليا سفيريدينكو، نائبة رئيس الوزراء الأوكراني، عن أن بلادها مستعدة للتفاوض وليس الاستسلام. في خضم هذه التطورات، اضطرت الحكومة البريطانية إلى تأجيل محادثات كانت مقررة، يوم الأربعاء الماضي، في لندن بين وزراء خارجية خمس دول (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا) لمناقشة تفاصيل الخطة الأمريكية.

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز في وقت سابق أن الرئيس الروسي عرض خلال اجتماع، مع المبعوث الأميركي ستيفن ويتكوف، وقف القتال عند خط المواجهة الحالي. وقد عاد ويتكوف يوم الجمعة الماضي إلى موسكو لبحث تفاصيل خطة واشنطن المعروفة باسم تسوية "المناطق الخمس" التي تعتبرها كييف ترويجا للرواية الروسية.

نحو أفريقيا بحثا عن وسيط

قبل استقبال فولوديمير زيلينسكي، في أول زيارة يجريها الزعيم الأوكراني لأفريقيا، قام الرئيس رامافوزا يوم الإثنين الماضي باتصال هاتفي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين تناول فيها الطرفان تطورات الوضع في أوكرانيا، حسب مكتب الرئاسة الذي أكد مطالب بوتين بضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، يما يراعي مصالح روسيا، في إشارة إلى رغبة الكرملين في الحصول على ضمانات بخصوص توسع حلف الناتو.

يرمي زيلينسكي باختيار بيرتوريا وجهة بث رسالة إلى حلفائه التقليديين مفادها السعي البحث عن وسيط غير منحاز، بالنظر للعلاقات الجيدة بين روسيا وجنوب أفريقيا داخل تجمع البريكس، كما ترغب استغلال بروز جنوب أفريقيا باعتبارها صوت الجنوب العالمي. ناهيك عن رغبته في استثمار انحياز جنوب أفريقيا للعدالة في موقفها الأخيرة بشأن الحرب في غزة، بعد قرار الحكومة في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2023 رفع قضية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية تتهمها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة.

تطمح كييف بمعية حلفائها الأوربيين إلى وسيط محايد مع روسيا بشأن الحرب، بعدما تأكد لها أن الإدارة الأمريكية الجديدة صارت تقرر بالنيابة عنها بتبني خطة تسوية لم تكن أوكرانيا ولا الأوروبيين مطلعين على تفاصيلها، فترامب لا يهتم سوى بالصفقات، كما كتب على موقع تروث سوشيال "ستبدأ كلتاهما (روسيا وأوكرانيا) بعد ذلك في إقامة علاقات تجارية ضخمة مع الولايات المتحدة المزدهرة وتحقيق ثروة طائلة".

ترغب كييف في توظيف موقف جنوب أفريقيا الداعم والمناصر للقضية الفلسطينية ضد الإرهاب الصهيوني، ما قد يساعدها على تسويق الأزمة الأوكرانية على الصعيد العالمي باعتبارها قضية إنسانية عادلة، وليست حربا بين معسكرين خلفها مصالح ونفوذ وتوسع

تجد جنوب أفريقيا نفسها في موقف معقد يمكن وصفه بالاختبار الدبلوماسي الصعب، فتداعيات التصعيد مع الولايات المتحدة لا تزال مستمرة على خلفية قانون الأراضي والدعوى ضد إسرائيل، بعدما وصلت حد إعلان سفيرها في واشنطن شخصا غير مرغوب فيها هناك. ما يجعل أي تحرك منها بعيدا عن المسار الأمريكي مرادفا لمزيد من التصعيد مع واشنطن.

كما أن التقارب الأوروبي مع بريتوريا الذي ظهر بقوة في مخرجات القمة الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي في 13 مارس/ آذار الماضي، التي كشف عن حزمة استثمارات ضخمة بقية 4,7 بليون يورو ضمن مبادرة الاتحاد المعروفة ب "Global Gateway"، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون أبدا على حساب العلاقات الوثيقة بين جنوب أفريقيا وروسيا بفضل دعم الأخيرة النضال ضد نظام الفصل العنصري في الأولى.

بيرتوريا: غزة ليست كييف

الرغبة الأوكرانية في الدفع بجنوب أفريقيا الوساطة تجد أساسها في مساعي أفريقيا سابقة للوساطة بين الطرفين، إذ سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن استقبل في 17 يونيو/ حزيران 2023، وفد من القادة الأفارقة حثه على الشروع في محادثات سلام مع أوكرانيا، فحينها خاطب رامافوزا بوتين في قصر قسطنطين في سانت بطرسبرغ قائلا: "نحن مقتنعون بأن الوقت قد حان للجانبين لبدء المفاوضات وإنهاء هذه الحرب".

كما ترغب كييف في توظيف موقف جنوب أفريقيا الداعم والمناصر للقضية الفلسطينية ضد الإرهاب الصهيوني، ما قد يساعدها على تسويق الأزمة الأوكرانية على الصعيد العالمي باعتبارها قضية إنسانية عادلة، وليست حربا بين معسكرين (واشنطن/موسكو) خلفها مصالح ونفوذ وتوسع.

لقد عبّرت تيارات سياسية من المعارضة في جنوب أفريقيا عن هذا الموقف، برفضها زيارة الرئيس زيلينسكي الذي تصفه ب "الرئيس الدمية" التابع للغرب. فقد صرح المتحدث باسم حزب "رمح الأمة" على هامش الزيارة "نرفض أن تكون بلادنا محطة لترويج رواية أحادية الجانب حول الحرب في أوكرانيا. الجنوب يجب أن يظل مستقلا عن الاستقطاب العالمي".

تطمح كييف بمعية حلفائها الأوربيين إلى وسيط محايد مع روسيا بشأن الحرب، بعدما تأكد لها أن الإدارة الأمريكية الجديدة صارت تقرر بالنيابة عنها بتبني خطة تسوية لم تكن أوكرانيا ولا الأوروبيين مطلعين على تفاصيلها

أدرك سيريل رامافوزا صعوبة الموقف والبون الشاسع بين القضيتين، ما جعل كلامه عاما في لقائه مع زيلينسكي الذي اضطر إلى تكثيف الزيارة للعودة على وجه السرعة إلى أوكرانيا بسبب التصعيد الروسي هناك. فقد أشاد الرجل بقرار وقف إطلاق النار غير المشروط، مضيفا بأسلوب فضفاض مفتوح على كافة التأويلات "اتفقنا نحن الاثنان على أنه يجب إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن من أجل تجنب سقوط المزيد من الضحايا".

كما تمثل محاولات أوكرانيا تحويل دول أفريقية، في الآونة الأخيرة، إلى ساحة حرب بالوكالة ضد المصالح الروسية، عاملا إضافيا زاد من تردد حكومة جنوب أفريقيا. فخلال الأشهر الماضية اكتشفت دول في القارة أدلة وشواهد تفيد تورط أوكرانيا في أكثر من منطقة مشتعلة في القارة الأفريقية، ما خلف صدمة في الأوساط الدبلوماسية الأفريقية".

لكل تلك الأسباب؛ الذاتية والموضوعية، يصعب إن لم نقل يستحيل على جنوب أفريقيا أن تنجح في موضوع الوساطة بين الطرفين، فدعم الأفارقة لبريتوريا ضد تل أبيت مرتبط بعدالة القضية الفلسطينية وهمجية العدوان الإسرائيلي على غزة، ولا ارتباط له مطلقا بكون جنوب أفريقيا قائدة أفريقيا وناطقة باسم الأفارقة.