السبت 14 مارس 2026
تشهد العلاقات بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة تدهورًا متسارعًا منذ بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، وذلك في ظل تصاعد التباينات الأيديولوجية، وتفاقم الصراعات السياسية الداخلية، فضلاً عن اختلاف التوجهات في ما يتعلق بالتحالفات الجيوسياسية.
في هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس جنوب أفريقيا إلى واشنطن أهمية خاصة، إذ تُعقد في لحظة حرجة تحمل في طياتها احتمالين متناقضين: إما تعميق الفجوة بين البلدين، أو فتح نافذة لتهدئة التوترات، وإعادة بناء العلاقات على أسس جديدة.
التقى رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، يوم الأربعاء (21 مايو/أيار)، نظيره الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وذلك في إطار زيارة رسمية تستمر لمدة يومين إلى العاصمة واشنطن، بهدف تهدئة التوتر المتصاعد في العلاقات بين البلدين. شهد اللقاء أجواءً مشحونة، وصفته وكالة رويترز بأنه "كمين دبلوماسي"، على غرار ما تعرض له الرئيس الأوكراني خلال لقائه ترامب في فبراير/شباط الماضي. فقد فاجأ ترامب نظيره الجنوب أفريقي بعرض عدة فيديوهات وتقارير صحفية، تتضمن اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها القتل الجماعي ومصادرة الأراضي بحق المواطنين البيض في جنوب أفريقيا.
من جانبه، رفض الرئيس رامافوزا هذه الاتهامات بشدة، مؤكدًا أنها تتناقض كليًا مع سياسات حكومته، التي تلتزم بمبادئ العدالة والمساواة بعد عقود من الفصل العنصري. وأشار تقرير لصحيفة "The Times" البريطانية إلى أن الفيديوهات المعروضة تعود إلى فترة ما قبل عام 1990، وتوثّق أحداثًا وقعت في ظل نظام الفصل العنصري، ولا تمثل الواقع الحالي في البلاد.
على الرغم من أجواء التوتر التي شابت جزءًا من اللقاء، وصف الرئيس سيريل رامافوزا زيارته إلى الولايات المتحدة بأنها كانت "ناجحة للغاية". وأوضح أن المحادثات تطرقت إلى عدد من القضايا التجارية والاستثمارية ذات الأهمية المشتركة. وخلال المباحثات، قدمت جنوب أفريقيا اتفاقية إطارية تتضمن اقتراحًا لشراء الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون في مجال الطاقة. كما أكد رامافوزا أن المناقشات بشأن تمديد قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) ستتواصل، في إطار تعزيز الشراكة الاقتصادية الثنائية بين البلدين. وأشار الرئيس رامافوزا إلى أنه يتوقع مشاركة ترامب في قمة مجموعة العشرين، المقرّر عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بمدينة جوهانسبرغ، مؤكدًا أهمية استمرار الحوار بين قادة الدول الكبرى، خاصة في ظل التحديات الدولية الراهنة.
فاجأ ترامب نظيره الجنوب أفريقي بعرض عدة فيديوهات وتقارير صحفية، تتضمن اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها القتل الجماعي ومصادرة الأراضي بحق المواطنين البيض في جنوب أفريقيا
غير أن هذا اللقاء لم يخلُ من الانتقادات على الساحة السياسية الأمريكية، حيث انتقدت السيناتور جين شاهين، كبيرة مستشاري الحزب الديمقراطي، الاجتماع، مؤكدة أن المستفيدين الوحيدين منه هما: روسيا والصين، اللتان تسعيان بشدة إلى توثيق علاقاتهما مع جنوب أفريقيا. وأضافت: "هذا الاجتماع لا يقربنا من تعزيز هذه الشراكة، بل يعيدنا عقودًا إلى الوراء، سواء من حيث الخطاب المستخدم أو الفرص الضائعة".
في هذا السياق، أشار تقرير إذاعة RFI إلى أن زيارة الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا إلى واشنطن تُعد نقطة تحول حاسمة في علاقات بلاده مع الدول الغربية، إذ مثّلت هذه الزيارة إعلانًا رسميًا عن تمسّك جنوب أفريقيا بسياسة الحياد، وسعيها إلى الحفاظ على علاقات ودّية ومتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
وأكد التقرير ذاته أن واشنطن، على الرغم من التوترات السياسية الأخيرة، لا يمكنها الاستغناء بسهولة عن شراكتها مع بريتوريا، نظرًا لما تملكه الأخيرة من موارد استراتيجية تُعد ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي. إذ تحتكر جنوب أفريقيا أكثر من 80٪ من احتياطيات البلاتين في العالم، كما تُعد من بين أكبر المنتجين لمعدني الفاناديوم والمنغنيز، وهما عنصران حيويان في صناعات تكنولوجيا البطاريات والأنظمة الدفاعية.
على الرغم من التباينات السياسية التي ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية منذ مطلع عام 2025، تظل الولايات المتحدة الشريك التجاري الثاني لجنوب أفريقيا. فقد بلغ إجمالي حجم تجارة السلع بين البلدين عام 2024 نحو 20.5 مليار دولار أمريكي، شملت 5.8 مليار دولار من الصادرات الأمريكية إلى جنوب أفريقيا، و14.7 مليار دولار من صادرات جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة. تبرز هذه الأرقام عمق العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، وأهمية استمرار التعاون المشترك.
تأتي هذه الزيارة في أعقاب استقبال الولايات المتحدة الأمريكية لـ59 لاجئًا من ذوي البشرة البيضاء من مواطني جنوب أفريقيا، وذلك في 12 مايو/أيار الجاري، ضمن برنامج "عودة اللاجئين" الذي أطلقه ترامب. ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد طلبات اللجوء إلى الولايات المتحدة من قِبل ما لا يقل عن 8000 مواطن جنوب أفريقي، معظمهم من الأفريكانيين، وهم أحفاد المستوطنين الهولنديين. ورغم أن عدد السكان البيض في جنوب أفريقيا يُقدّر بنحو 2.7 مليون نسمة من أصل حوالي 63 مليونًا، إلا أنهم لا يزالون يمتلكون أكثر من 72٪ من الأراضي الزراعية في البلاد، مما يثير جدلًا واسعًا حول إدعاءات ترامب، والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة في البلاد.
في المقابل، تؤكد حكومة جنوب أفريقيا أنه لا توجد بيانات موثوقة تدعم مزاعم الاضطهاد ضد السكان البيض. إذ لم تُسجل أي حوادث مصادرة مزارع منذ عام 1994، وقد أشارت جمعيات المزارعين إلى وقوع نحو 50 جريمة قتل بحق مزارعين بيض خلال العامين الماضيين، إلا أن هذه الجرائم تأتي ضمن سياق أوسع، حيث تسجل البلاد سنويًا ما يقارب 20 ألف جريمة قتل، ما يجعل من الصعب تصنيف هذه الحالات كحملة منظمة تستهدف فئة بعينها.
مثّلت هذه الزيارة إعلانًا رسميًا عن تمسّك جنوب أفريقيا بسياسة الحياد، وسعيها إلى الحفاظ على علاقات ودّية ومتوازنة مع مختلف القوى الدولية
أكدت صحيفة نيويورك بوست بدورها أن الاتهامات التي وجهها ترامب إلى جنوب أفريقيا بارتكاب إبادة جماعية وممارسات عنصرية، ليست السبب الحقيقي وراء وقف المساعدات وقراره بحظر جميع أشكال الدعم المقدمة لقمة مجموعة العشرين. ووفقاً للصحيفة ذاتها، فإن الدافع الحقيقي وراء هذا القرار يتمثل في ما وصفته بـ"الدبلوماسية ذات الوجهين" التي تنتهجها جنوب أفريقيا، والتي تقوم على التودد إلى الغرب في العلن، بينما تعمق في الخفاء علاقاتها مع خصوم واشنطن مثل: الصين وروسيا وإيران.
أوضحت ذات الصحيفة أن جنوب أفريقيا تملك حصة تصل إلى 50٪ من شركة الاتصالات الإيرانية "Irancell"، كما استضافت سفناً حربية روسية خاضعة للعقوبات الدولية، في خطوة أثارت استياءً واسعاً داخل الأوساط السياسية الأمريكية.
وأضافت أن الدور المتنامي لجنوب أفريقيا في مجموعة "البريكس" يعكس توجهاً متزايداً نحو التحالف مع قوى مناهضة للغرب. واعتبرت نيويورك بوست أن هذا التوجه لا يتعارض فقط مع السياسات الأمريكية، بل يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي للولايات المتحدة.
أفاد تقرير نشرته وكالة بلومبرج أن حكومة جنوب أفريقيا قد قدمت حلاً بديلاً لتسهيل إطلاق خدمة ستارلينك، في جنوب أفريقيا، وذلك خلال اجتماعها مع إيلون ماسك. يتضمن المقترح إعادة ترتيب هيكل ملكية الأسهم بشكل يسمح بإطلاق الخدمة دون الالتزام الكامل بالقانون المحلي الذي يُلزم الشركات الأجنبية ببيع 30٪ من أسهمها لمجموعات السكان المحرومين تاريخيًا.
بدلاً من ذلك، عرضت الحكومة الجنوب أفريقية مساهمات بديلة من قبل إيلون ماسك، تشمل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير المهارات البشرية المحلية. في المقابل، أعربت عدة منظمات جنوب أفريقية عن معارضتها للمقترح، واعتبرته غير دستوري، مشددة على ضرورة عرضه على البرلمان للنقاش والمصادقة، نظرًا لما يشكله من سابقة في تغيير تطبيق السياسات الاقتصادية المتعلقة بالملكية والعدالة الاجتماعية.
الدافع الحقيقي وراء هذا القرار يتمثل في ما وصفته بـ"الدبلوماسية ذات الوجهين" التي تنتهجها جنوب أفريقيا، والتي تقوم على التودد إلى الغرب في العلن، بينما تعمق في الخفاء علاقاتها مع خصوم واشنطن مثل: الصين وروسيا وإيران
يأتي هذا التوجه من جنوب أفريقيا في وقت تشهد فيه السياسات الاقتصادية الأمريكية تجاه أفريقيا تحولاً ملحوظاً، فوفقاً لتصريحات تروي فيتريل، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، من المتوقع، أن يستضيف ترامب قمة تجمع القادة الأفارقة قبل نهاية العام الجاري. وستركز القمة على تعزيز مجالات التجارة والاستثمار، بدلاً من الاكتفاء بنهج المساعدات التقليدية.
يعكس هذا التوجه تحوّلاً في طريقة تقييم المبعوثين الأمريكيين في أفريقيا؛ إذ سيتم قياس أدائهم بناءً على عدد الصفقات التجارية المبرمة مع الدول الأفريقية، بدلاً من حجم المساعدات المقدمة. وقد أحرزت الإدارة الأمريكية الجديدة تقدماً ملموساً في هذا الإطار، حيث تمكن سفراء الولايات المتحدة من توقيع 33 اتفاقية بقيمة إجمالية بلغت 6 مليارات دولار خلال المئة يوم الأولى من ولاية ترامب، في خطوة تشير إلى رغبة واشنطن في تعزيز حضورها الاقتصادي بالقارة السمراء.