تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 6 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

زيارة هرتسوغ لإثيوبيا: تحرك إسرائيلي لربط أمن البحر الأحمر بملف صوماليلاند

26 فبراير, 2026
الصورة
زيارة هرتسوغ لإثيوبيا: تحرك إسرائيلي لربط أمن البحر الأحمر بملف صوماليلاند
Share

بينما يروّج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أعقاب حرب العامين على غزة، لفكرة بناء شبكة تحالفات دولية جديدة، وصل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى إثيوبيا، في زيارة نادرة. تأتي هذه الخطوة في سياق مسعى تل أبيب لتكثيف حضورها في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع رهانات الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن مع سباق النفوذ الإقليمي، وتتعقد الحسابات المرتبطة بملف الاعتراف بصوماليلاند.

كان قد طرح نتنياهو، الأحد الماضي، تصوراً لتحالفات على هيئة "سداسي" يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص ودولاً أخرى لم يسمّها، في مواجهة "أعداء" في الشرق الأوسط وربما خارجه. ورغم أن الفكرة تبدو أقرب إلى إطار سياسي فضفاض منها إلى حلف أمني رسمي، وأن محللين شككوا في قدرة إسرائيل على جمع دول كافية ضمن ميثاق ملزم، فإنها تعكس توجهاً إسرائيلياً للبحث عن شركاء خارج الدوائر التقليدية، في ظل توتر إقليمي تدور محاوره حول إيران وحلفائها، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن.

لا ينفصل التحرك نحو أفريقيا عن سياق الحرب على غزة وما رافقها من تراجع صورة إسرائيل على القارة. فقد أصدر الاتحاد الأفريقي بيانات أدانت الهجمات على المدنيين الفلسطينيين، ما دفع تل أبيب إلى تكثيف اتصالاتها، ومحاولات تحسين صورتها في عواصم أفريقية كانت أقرب خلال الأشهر الماضية إلى خطاب داعم للفلسطينيين.

ضمن هذا المناخ، وصل هرتسوغ إلى أديس أبابا يوم الثلاثاء، في أول زيارة رئاسية إسرائيلية لإثيوبيا منذ عام 2018. وفي اليوم التالي التقى رئيس الوزراء أبي أحمد، الذي اكتفى بالقول إن الطرفين بحثا "سبل تحسين التعاون في مجالات ذات اهتمام مشترك"، من دون تفاصيل. لكن تزامن الزيارة مع وفود رفيعة من تركيا والسعودية، يعكس أن إثيوبيا باتت ساحة تنافس على النفوذ في منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية.

خلفيات العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية

تستند العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية إلى روافد تاريخية واجتماعية، أبرزها وجود طائفة "بيتا إسرائيل"؛ أي يهود إثيوبيا، الذين يعود أصلهم إلى مناطق في شمال البلاد، ولا سيما تيغراي وأمهرة. وبعد قيام دولة إسرائيل، شكّل ملف هجرتهم أحد محركات التقارب، إذ سعت تل أبيب إلى نقلهم ضمن سياسة "قانون العودة". وبين أواخر سبعينيات القرن الماضي ومنتصف التسعينيات، نُقل عشرات الآلاف عبر عمليات سرية، في مرحلة شهدت في الوقت نفسه فتور علاقات إسرائيل مع دول أفريقية عدة، من بينها إثيوبيا، على خلفية حرب 1973.

عام 1991، وعلى وقع اقتراب الحرب الأهلية الإثيوبية، نُقل نحو 14 ألف إثيوبي جواً خلال يومين فقط. اليوم، يعيش في إسرائيل قرابة 160 ألفاً من أصول إثيوبية، مع استمرار شكاوى داخل المجتمع من التمييز والعنصرية، وهو ملف لا ينفصل عن حساسية توظيف الروابط الدينية في السياسات الإسرائيلية الاستعمارية الراهنة.

تزامن الزيارة مع وفود رفيعة من تركيا والسعودية، يعكس أن إثيوبيا باتت ساحة تنافس على النفوذ في منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية

على مستوى العلاقات الرسمية، حافظ الطرفان على قدر من استقرار العلاقات. ففي 2016 قام نتنياهو بأول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي إلى أديس أبابا، وبرزت إثيوبيا دولة داعمة لمسعى إسرائيل الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي. غير أن اعتراضات دول مثل: جنوب أفريقيا والجزائر ودول أخرى مؤيدة لفلسطين أخّرت الملف حتى عام 2021، قبل أن يؤكد الاتحاد الأفريقي سحب هذه الصفة لاحقاً في عام 2023، في خطوة عكست حجم الانقسام الأفريقي حول العلاقة مع إسرائيل.

كما تستخدم تل أبيب أدوات "القوة الناعمة" عبر وكالة التعاون الدولي (ماشاف)، التي نفذت مشاريع في مجالات الزراعة وإدارة المياه داخل إثيوبيا، إلى جانب برامج تواصل إعلامي شملت دعوة صحافيين أفارقة لزيارات ميدانية إلى إسرائيل، في محاولة لنسج رواية موازية لعزلتها المتزايدة.

القرن الأفريقي الجديد وملف صوماليلاند

غير أن البعد الأكثر حساسية في زيارة هرتسوغ يرتبط بتحولات القرن الأفريقي، ولا سيما ملف صوماليلاند التي تعلن استقلالها من طرف واحد منذ 1991، بينما تتمسك الصومال باعتبارها جزءاً من أراضيها. وقد اعترفت إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول الماضي بصوماليلاند لتصبح أول دولة تقدم على ذلك، في خطوة أثارت اعتراضات من دول عدة، ومن الاتحاد الأفريقي بدعوى انتهاك سيادة الصومال. في المقابل، قوبلت الخطوة بترحيب في هرجيسا، وأعلنت السلطات هناك هذا الأسبوع تعيين أول سفير لها لدى إسرائيل.

لا تعني هذه التحركات بالضرورة أن إثيوبيا متوجهة إلى قرار حاسم قريباً بشأن الاعتراف بصوماليلاند، لكنها تكشف أن ملف السواحل والممرات البحرية أصبح محوراً للصراع السياسي في المنطقة

تعزز الاهتمام الإسرائيلي بالمنطقة أيضاً بعد تقرير صدر في أواخر 2024 عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، تحدث عن تعاون بين حركة الشباب الصومالية والحوثيين في اليمن. وبحسب التقرير، قدّم الحوثيون أسلحة وتدريباً على الطائرات المسيرة مقابل حصولهم على تسهيلات ضمن مسار تهريب يمتد على طول الساحل الصومالي وصولاً إلى خليج عدن، بما يفتح منفذاً لتهريب أسلحة إيرانية إلى اليمن. في هذا السياق، تزداد قيمة أي حضور على السواحل المقابلة لممرات الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، مع تصاعد المخاطر على التجارة الدولية والسفن. وتذهب تقديرات إلى أن الاعتراف بصوماليلاند قد يفتح الباب لترتيبات وجود بحري إسرائيلي في المنطقة بهدف مراقبة تلك المسارات وعرقلة شبكات التهريب.

عام 2024، تفجّرت أزمة حادة بين الصومال وإثيوبيا، عندما وقعت الأخيرة اتفاقاً مثيراً للجدل مع حكومة صوماليلاند يمنحها موطئ قدم بحرياً عبر مرفأ على الساحل، مقابل حديث عن اعتراف مستقبلي بها دولة مستقلة. وباعتبار إثيوبيا دولة كبرى من حيث السكان وحجم الاقتصاد، لكنها حبيسة بلا سواحل منذ انفصال إريتريا عام 1993، ظل الحصول على منفذ بحري هدفاً استراتيجياً معلناً لرئيس الوزراء أبي أحمد.

كادت تداعيات الاتفاق تدفع المنطقة إلى حافة مواجهة، قبل أن تتدخل تركيا، بوصفها الشريك الأبرز لمقديشو، للضغط باتجاه تهدئة التوتر، وإلزام أديس أبابا بالتنسيق مع الحكومة الصومالية. يُقرأ هذا الدور كجزء من منافسة أوسع على الإقليم، حيث تسعى أطراف مختلفة إلى حماية مصالحها في البحر الأحمر وباب المندب.

في المقابل، تواجه أديس أبابا ضغوطاً على جبهات أخرى. فملف سد النهضة الإثيوبي الكبير لا يزال سبباً رئيسياً للتوتر مع مصر والسودان، اللتين تعتبران أن تشغيل السد من دون اتفاق ملزم يهدد حصتهما من مياه النيل. بينما ترى إثيوبيا في السد مشروعاً سيادياً موّلته بدرجة كبيرة عبر مساهمات المواطنين والميزانية الحكومية. وتشير تقارير إلى مشاركة مهندسين إسرائيليين في جوانب من المشروع، كما تحدثت تقارير أخرى عن صفقات سلاح إسرائيلية لحماية السد، فيما تنفي الحكومة الإسرائيلية ذلك.

تذهب تقديرات إلى أن الاعتراف بصوماليلاند قد يفتح الباب لترتيبات وجود بحري إسرائيلي في المنطقة بهدف مراقبة تلك المسارات وعرقلة شبكات التهريب

تزداد الصورة تعقيداً مع توتر العلاقة الإثيوبية الإريترية، فالتاريخ بين البلدين مثقل بالخصومات والحروب، وتجددت الشكوك بعد حرب تيغراي عام 2020، ومع تصريحات متكررة من أبي أحمد حول حاجة بلاده إلى منفذ بحري، ما دفع إريتريا إلى الاقتراب أكثر من مقديشو والقاهرة في اصطفافات تعكس صراعاً غير معلن على مستقبل الإقليم.

اللاعبون الإقليميون… ورسائل متقاطعة

يوم الأحد الماضي (22 فبراير/شباط)، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إثيوبيا، للتحدير من الاعتراف بصوماليلاند. وردت هرجيسا على تصريحاته باعتبارها "تدخلاً غير مقبول". أما السعودية، التي تعيش تباينات مع الإمارات حول مقاربة الحرب في اليمن وترتيبات أمن البحر الأحمر، فقد كثفت اتصالاتها بأديس أبابا خلال الشهر الجاري عبر زيارات لمسؤولين كبار ناقشوا "الاستقرار الإقليمي" ومخاطر التوترات في القرن الأفريقي.

لا تعني هذه التحركات بالضرورة أن إثيوبيا متوجهة إلى قرار حاسم قريباً بشأن الاعتراف بصوماليلاند، لكنها تكشف أن ملف السواحل والممرات البحرية أصبح محوراً للصراع السياسي في المنطقة. فالساحل الممتد لـصوماليلاند بطول نحو 850 كلم يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز واقعها غير المعترف به دولياً، ويجعلها نقطة جذب لقوى مختلفة تبحث عن نفوذ على شريان التجارة العالمي من باب المندب إلى قناة السويس.

ختاماً، تبدو زيارة هرتسوغ جزءاً من محاولة إسرائيلية لإعادة التموضع في أفريقيا، بالتوازي مع خطاب نتنياهو عن تحالفات واسعة لمواجهة خصومه. غير أن ترجمة هذا المسار إلى ترتيبات ملموسة ستظل رهناً بقدرة تل أبيب على تقديم مكاسب حقيقية لشركائها، وبقدرة إثيوبيا على المناورة داخل بيئة إقليمية شديدة الحساسية. وبينما تشتد المنافسة على القرن الأفريقي والبحر الأحمر، قد تفضّل أديس أبابا الإبقاء على خياراتها مفتوحة، في انتظار مآلات الصراعات الأكبر التي تعصف بالمنطقة.