السبت 14 مارس 2026
جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع رهانات الجغرافيا مع حسابات القوة والاصطفافات الإقليمية، فقد تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مسرح تنافس استراتيجي تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية. في هذا السياق، حمل اللقاء بين الرئيس التركي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أبعادًا تتجاوز البروتوكول، وعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع التفاعلات في القرن الأفريقي في ظل تصاعد الجدل حول المنافذ البحرية والاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند.
أكد آبي أحمد خلال المؤتمر الصحفي المشترك أن المناقشات ركزت على دعم جهود بلاده لتجاوز التحديات الجغرافية الناجمة عن غياب منفذ بحري، مشددًا على أن أديس أبابا تسعى لتحقيق ذلك عبر حلول سياسية وتفاهمات سلمية.
يعكس هذا الخطاب إدراكًا إثيوبيًا لحساسية الملف إقليميًا، ومحاولة لتقديم الطموح البحري في صيغة تفاوضية قابلة للنقاش. في المقابل، شدد أردوغان على ضرورة معالجة توترات القرن الأفريقي عبر التعاون الإقليمي، محذرًا من تحول المنطقة إلى ساحة تنافس دولي مفتوح. كما أعلن رفض أنقرة لأي خطوات فردية تتعلق بالاعتراف بصوماليلاند، في إشارة واضحة إلى تمسك تركيا بوحدة الدولة الصومالية واحترام سيادتها.
تعتبر إثيوبيا دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا عام 1993، وتنظر إلى الوصول إلى البحر كضرورة استراتيجية تمس أمنها القومي ونموها الاقتصادي. كرر الرئيس الإثيوبي آبي أحمد مرارا وتكررا أن بلاده تسعى إلى وصول سلمي وآمن إلى البحر الأحمر، مقترحًا صيغ تبادل منافع تشمل استئجار مناطق ساحلية أو ترتيبات اقتصادية مقابلة، مثل منح حصص في الخطوط الجوية الإثيوبية أو الكهرباء المنتجة من سد النهضة.
في ظل تشابك المصالح الدولية في القرن الأفريقي، تبدو الدبلوماسية المدعومة بأدوات ردع محسوبة الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وعلى سلاسل التوريد العالمية في البحر الأحمر
لكن جوهر الخلاف يتمثل في الفارق بين "الوصول التجاري" و"الامتلاك السيادي"، فالدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية ومصر، تعتبر أن أمن الممرات البحرية مسؤولية حصرية لها، وأن أي تغيير في الوضع القانوني للسواحل يهدد توازنات استراتيجية دقيقة. من هذا المنطلق، تلتقي الرؤية التركية مع هذه العواصم في رفض أي ترتيبات تمس سيادة الصومال أو إريتريا.
إن زيارة الرئيس التركي لم تأتِ في فراغ دبلوماسي؛ فقد سبقتها خطوات تركية ذات دلالة، شملت تعزيز التعاون العسكري مع مقديشو، وإرسال معدات عسكرية، وتداول معلومات عن نشر طائرات F16، إضافة إلى انطلاق سفينة الحفر "تشاغري بيه" للتنقيب في المياه الإقليمية الصومالية في جانبها المحيط الهندي. هذه الإجراءات تعكس رؤية تركية تعتبر الصومال شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، وتؤكد استعداد أنقرة لحماية اتفاقياتها ومصالحها في المنطقة.
إلى جانب الرسائل السياسية، حملت الزيارة حزمة اتفاقيات تعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة. فقد وقع الجانبان اتفاقيتين لتعزيز التعاون، كما أُعلنت مذكرة تفاهم لتطوير مشاريع مشتركة في الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الاستهلاك، إضافة إلى التعاون في تصنيع وتركيب معدات المحطات الكهرومائية والتوربينات. كما وقع وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار ونظيره الإثيوبي مذكرات تفاهم ومحضر اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة، بما يعكس رغبة مشتركة في توسيع الشراكة التقنية والاستثمارية. هذا البعد الاقتصادي يمنح العلاقة الثنائية عمقًا إضافيًا، ويعزز اعتماد أديس أبابا على الشراكة مع أنقرة في مجالات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية.
تحمل زيارة أردوغان إلى إثيوبيا أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تعكس محاولة تركية لقيادة مقاربة إقليمية قائمة على منع التصعيد وتوسيع الشراكات الاقتصادية
لا تنفصل التحركات التركية في منطقة القرن الأفريقي عن تنافس محاور إقليمية أوسع، من أبرزها الدعم الإماراتي والإسرائيلي لتحركات مرتبطة بـاستقلال صوماليلاند، الأمر الذي يضع زيارة أردوغان للمنطقة ضمن سياق إعادة تشكيل خرائط النفوذ في القرن الأفريقي. في المقابل، يتقاطع الموقف التركي مع رؤى القاهرة في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر ووحدة الجمهورية الفيدالية الصومالية، وحتي ان لم تحكم عمليا صوماليلاند، ما يمنح أنقرة غطاءً سياسيًا إقليميًا ما. كما أن الاستثمارات التركية في إثيوبيا والتي تقدر بملياري دولار، إلى جانب الاستثمارات السعودية الكبيرة، توفر أدوات تأثير اقتصادية مهمة.
هكذا، فإثيوبيا التي تواجه تحديات داخلية اقتصادية وأمنية بعد حرب تيغراي، تدرك أهمية هذه الشراكات، ما يفتح الباب أمام دور وساطة تركي يسعى إلى تحقيق معادلة متوازنة بين طموحات أديس أبابا وهواجس دول الجوار كالصومال وإرتيريا والسودان.
إن التحذير التركي من حرب إقليمية بالوكالة يعكس إدراكًا لتعقيد الاصطفافات في القرن الأفريقي. فهناك حضور عسكري مصري في الصومال، وتوتر إثيوبي–إريتري متجدد، وتحركات إقليمية متشابكة حول الموانئ والجزر، وأيضا معسكرات التدريب في إثيوبيا الخاصة بقوة الدعم السريع السودانية. وبالتالي، فأي خطوة أحادية قد تتحول إلى شرارة تصعيد واسع، في منطقة تعد من أهم الممرات البحرية التجارية العالمية. في هذا السياق، تسعى أنقرة إلى الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة، حضور عسكري في الصومال، واستثمارات في إثيوبيا، وقنصلية في صوماليلاند، وتجربة سابقة في الوساطة بين الطرفين. هذه المقاربة تضع تركيا في موقع فاعل توازني، قادر على مخاطبة جميع الأطراف دون الانخراط في سياسة الاصطفافات القابلة للانفجار فأي لحظة.
تتوقف مآلات هذا الحراك على عدة عوامل متشابكة، يمكن تلخيصها في ثلاثة سيناريوهات: يتمثل السيناريو الأول في نجاح الوساطة التركية في بلورة صيغة تفاهم تضمن لإثيوبيا وصولًا تجاريًا مستقرًا إلى البحر عبر اتفاق قانوني مع الصومال، مع الحفاظ على السيادة الصومالية. هذا المسار يعزز الاستقرار، ويحول التنافس إلى شراكة اقتصادية.
يقوم السيناريو الثاني على استمرار التباين بين مفهوم "الوصول التجاري" و"السيادة"، ما قد يعيد إنتاج التوترات ويغذي اصطفافات إقليمية متقابلة، خاصة إذا دخلت قوى خارجية على خط الملف البحر الأحمر. في هذه الحالة، قد يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة شد وجذب بين محاور متنافسة.
المعادلة المطروحة والأكثر واقعية أمام أديس أبابا تتمثل في تأمين احتياجاتها البحرية عبر ترتيبات قانونية أو سياسية متفق عليها
أما السيناريو الثالث فيرتبط بتطورات داخلية في إثيوبيا نفسها؛ فإذا تصاعدت الضغوط الاقتصادية أو الأمنية، قد يزداد الخطاب القومي حول المنفذ البحري، ما يعقد جهود التهدئة. بالمقابل، فإن نجاح مشاريع الطاقة والاستثمار المشتركة قد يوفر حافزًا للتهدئة وتغليب منطق التعاون.
لكن المعادلة المطروحة والأكثر واقعية أمام أديس أبابا تتمثل في تأمين احتياجاتها البحرية عبر ترتيبات قانونية أو سياسية متفق عليها، مقابل تجنب خطوات قد تفتح الباب أمام صراع إقليمي واسع. كما تؤكد الرسالة التركية أن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن الاستقرار السياسي، وأن إعادة رسم الخرائط أو تكريس كيانات انفصالية يحمل تداعيات طويلة الأمد.
تحمل زيارة أردوغان إلى إثيوبيا أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تعكس محاولة تركية لقيادة مقاربة إقليمية قائمة على منع التصعيد وتوسيع الشراكات الاقتصادية. لأن أنقرة تتحرك بين دعم طموحات إثيوبيا التنموية، وحماية وحدة الصومال، والحفاظ على توازنات البحر الأحمر.
يعتمد نجاح هذه المقاربة على قدرة الأطراف على تحويل الطموحات البحرية إلى مشاريع تعاون قانونية، وعلى تجنب خطاب تعبوي قد يدفع المنطقة نحو مواجهات لا تخدم أحداً. في ظل تشابك المصالح الدولية في القرن الأفريقي، تبدو الدبلوماسية المدعومة بأدوات ردع محسوبة الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وعلى سلاسل التوريد العالمية في البحر الأحمر.
في الأخير، يمكن قراءة زيارة أردوغان إلى إثيوبيا كتحرك استباقي لإدارة مرحلة إعادة صياغة توازن القوى في القرن الأفريقي. حيث تسعى أنقرة إلى حماية شراكاتها في الحكومة الصومالية، والحفاظ على نفوذها في أديس أبابا، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة محاور إقليمية متنافسة. لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على استعداد الأطراف للقبول بتسويات قانونية واقتصادية توازن بين الطموحات الوطنية ومتطلبات الأمن الإقليمي، في فضاء جغرافي بات يشكل أحد أهم مفاتيح الاستقرار الدولي.