الأحد 8 مارس 2026
أيةُ حياةٍ تلك التي يُنتزع فيها الإنسان من اسمه وهويته وتاريخه، ثم يُطلب منه أن ينسى كونه إنسانا؟ وأيُّ معنى للحرية إذا كانت تُقاس بقانونٍ رجعي- استعماري، بعد قرونٍ من تحويل الجسد إلى سلعة؟ وكيف تتحوّل العبودية من قيد في المعصم إلى نظام كامل يعيد ترتيب اللغة والدين والذاكرة والعمل؟ ولماذا يخاف الاستعمار من قرية صغيرة في الغابة أكثر مما يخاف من جيشٍ نظامي؟ أكان زومبي دو بالماريس مجرّد قائد متمرد، أم كان فكرة تمشي على قدمين، تُعلّم الهاربين من قيود الاستغلال كيف يصيرون شعباً؟ ثم ما الذي يجعل رأسا مقطوعا يُعرض في الساحات يتحوّل، مع الزمن، إلى راية للوعي الأسود؟
يعتبر زومبي دو بالماريس (بالبرتغالية: Zumbi) (1655 - 20 نوفمبر 1695) في الذاكرة الأفرو-برازيليّة، أكثر من قائد تمرّد على العبودية. إنّه اسمٌ يضع سؤال الحرية في مواجهة سؤال الاقتصاد، ويضع معنى الكرامة في مواجهة منطق الإمبراطوريات الاستعمارية في العصر الحديث. ففي البرازيل البرتغالية، لم تكن العبودية حادثةً اجتماعية – تاريخية تمر مرور الكرام، بقدر ما كانت بنيةً شاملة تنظّم الأرض والعمل واللغة والدين، وتعيد تعريف الإنسان داخل معادلة الربح. لذلك فإنّ مقاومة زومبي لا تُقرأ فقط كتاريخ حرب التحرير، وإنما كتاريخ أخلاق: تاريخ جسدٍ قرّر أن يستعيد حقّه في الزمن، وفي المعنى، وفي الانتماء الهوياتي.
لقد قامت تجارة الرقيق عبر الأطلسي على تحويل الإنسان إلى "شيء وسلعة" قابل للنقل والتبادل، وهو ما يجعل مفهوم الحرية عند زومبي فعلاً مضاداً للشيئية. لأن العبد في اقتصاد المزارع والمناجم لم يكن يُستنزف في العمل فحسب، وإنما كان يُنتزع من اسمه ومن ذاكرته ومن صوته ومن هويته. ولذلك يمكن فهم معنى التمرّد في البرازيل بوصفه استعادة للذات قبل أن يكون صراعاً على الأرض. وهذا ما يفسّر أن "أحراش الزنوج" أو "الكويلومبوس" لم تكن مخابئ للنجاة الفردية فقط، بل كانت مختبرات لسياسة بديلة، تعيد بناء المجتمع من جديد خارج سلطة السيد، وخارج تصوّره للعالم.
إنّ استعادة زومبي في الذاكرة العامة تعني إعادة الاعتبار إلى فكرة أن أفريقيا لم تُصدّر أجساداً فقط، بل صدّرت أيضاً طاقات سياسية، وعقولاً، وتجارب مقاومة
في هذا الإطار تظهر بالماريس (Palmares) (تشير بشكل أساسي إلى "كويلومبو دوس بالميرس"، وهي مملكة أو مستوطنة تاريخية تأسست في القرن السابع عشر بالبرازيل من قبل أفارقة هربوا من العبودية) كحدثٍ فلسفي قبل أن تكون مستوطنة للهاربين من جحيم الاستعباد. إنّها محاولة لإعادة تعريف الإنسان في سياقٍ كان يعرّفه كآلة إنتاج أو أداة وظيفية بيد المستعمر.
لهذا السبب اكتسبت تجربة بالماريس أهميتها التاريخية: لأنّها قدّمت نموذجاً مبكّراً لدولة من المستعبدين الأفارقة الهاربين من جحيم الاستغلال العنصري "الأبيض"، كما أنها دولة تُدار بذاكرة القهر، وبإرادة البقاء، وبأخلاق الجماعة. فالهاربون لم يكتفوا بتفكيك القيد، بل سعوا إلى بناء حياة كاملة: زراعة وتبادل وتنظيم وحدود وقوانين وجيش وطقوس ولغة وتربية للأطفال. وهذا ما يجعل المقاومة عند زومبي مقاومة للعبودية باعتبارها نظاماً شاملاً، لا بوصفها عقوبة فردية.
إننا إذا قراءنا مقاومة زومبي في ضوء الفلسفة السياسية، نرى أنّه يقترب من معنى الحرية عند باروخ سبينوزا. لأن الحرية ترتبط بالقدرة على الفعل لا بمجرد غياب السلاسل والقيود. فقد قال سبينوزا في كتابه "علم الأخلاق": "الحرّ هو الذي يُقاد بالعقل وحده"؛ وهذه الجملة في سياق البرازيل المستعمرة، تعني أنّ تحرير الجسد من القيد لا يكتمل ما لم يتحرر الوعي من تعريف السيد للعالم. لذلك فإنّ مقاومة زومبي كانت أيضاً مقاومة معرفية: مقاومة للغة التي تسمّي العبد "ممتلكاً" أو "سلعة" أو "أداة انتاج"، وتسمّي الأرض المغتصبة "ملكية خاصة"، وتسمّي المستعمَر "بدائياً" أو "رجعياً" أو "متخلفاً". إنّها مقاومة تعيد ترتيب المفاهيم من داخل الجرح.
لقد فهم زومبي كما توحي شهادات التاريخ، أنّ المعركة مع البرتغاليين لم تكن معركة سلاح فقط، بقدر ما كانت معركة سيادة على الذات والهوية والتاريخ. لأن السيادة تعني أن تمتلك الجماعة قرارها، وأن تتحكم في زمنها، وأن تحمي وجودها من الإبادة. لذلك رفض زومبي أي معاهدة تجعل بالماريس تعيش كـ“محمية” داخل نظام العبودية. إنّه رفضٌ يحمل معنىً فلسفياً عميقاً: لأنّ الحرية التي تُمنح بشروط السيد تتحول إلى قناع للهيمنة. وفي هذا السياق تتجلّى عبارة جان جاك روسو التي تبدو كأنها كُتبت من أجل هذه التجارب التراجيديا، إذ يقول في كتابه "العقد الاجتماعي": "الإنسان يولد حرّاً، ومع ذلك فهو في كل مكان يرسف في الأغلال". وبالتالي، فزومبي ومن معه عملياً حاولوا أن يجعلوا من الحرية حقيقة جماعية على أرض الواقع لا شعاراً أخلاقياً مثالياً يصعب تحقيقه.
إن العبد في اقتصاد المزارع والمناجم لم يكن يُستنزف في العمل فحسب، وإنما كان يُنتزع من اسمه ومن ذاكرته ومن صوته ومن هويته
إن الاستعمار البرتغالي تعامل مع بالماريس باعتبارها خطراً وجودياً، لأنها كانت تكشف هشاشة شرعية النظام الاستعماري. حيث أن وجود مجتمع حرّ من العبيد الهاربين يعني أنّ العبودية ليست قدراً، وأن "تفوق السيد الأوربي" خرافة سياسية. ولذلك كان القمع عنيفاً وطويلاً، ولم يكن هدفه فقط القضاء على مقاومة زومبي، بل محو الفكرة ذاتها. إنّ التمثيل بجثة زومبي، وعرض رأسه في المدن الكبرى، يكشف أن الاستعمار كان يخشى من الرمز أكثر مما يخشى من السلاح. فالجسد المقتول يتحول إلى خطاب، والدم يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة تتحول إلى عدوى سياسية تنتقل بين الأجيال.
في هذه النقطة يتقاطع زومبي مع تحليل فرانتز فانون لطبيعة الاستعمار. فقد قال فانون في كتابه "معذبو الأرض": "الاستعمار ليس آلة تفكير، ولا جسداً موهوباً بالعقل. إنّه العنف في حالته الطبيعية". هذه العبارة تساعد على فهم لماذا كانت مقاومة بالماريس محكومة بمنطق الحرب الطويلة: لأنّ الاستعمار لا يعترف بالإنسان إلا إذا تحوّل إلى خطر. لأن "العبد" الهارب الذي يزرع أرضه ويؤسس قرية يصبح في نظر الإمبراطورية، تهديداً أخلاقياً ومعرفياً لسرديتها قبل أن يكون تهديداً عسكرياً.
كما أنّ تجربة زومبي تضعنا أمام سؤال الهوية الدينية والثقافية داخل الشتات الإفريقي. حيث أن الأفارقة الذين نُقلوا إلى البرازيل لم يحملوا أجسادهم فقط، وإنما حملوا أيضاً ذاكرتهم الروحية. وقد شكّل الإسلام لدى جزء مهم من هؤلاء المستعبدين أفقاً أخلاقياً للكرامة، ومخزوناً لغوياً ومعرفياً يمنحهم قدرة على المقاومة. وهذا يفسّر لماذا سعى الاستعمار إلى محو التعليم، ومحاربة العربية، وفرض التنصير بالقوة أو بالإكراه الاجتماعي. لأن المستعمِر كان يدرك أن الدين "الخزان الإيديولوجي"، حينما يتحول إلى معنى للكرامة، يصبح سلاحاً غير مرئي. ولهذا يصبح الحفاظ على الشعائر في قلب العبودية فعلاً سياسياً بامتياز.
إنّ ما يجعل زومبي تجربةً فلسفية في التاريخ هو أنه حوّل الهروب إلى بناء، وحوّل الألم إلى نظام، وحوّل الذاكرة إلى دولة. ففي العالم الاستعماري، كان الهروب في حد ذاته انتصاراً على فكرة الملكية البشرية، غير أنّ زومبي ذهب أبعد من ذلك: لقد أراد أن يجعل الحرية قابلة للعيش اليومي. وهنا يبرز الفرق بين التمرّد (المقاومة) بوصفه انفجاراً عاطفياً، والتمرّد بوصفه مشروعاً حضارياً. وهذا ما يفسّر أيضاً لماذا صار زومبي رمزاً قومياً في البرازيل الحديثة، ولماذا اختارت الحركات الأفرو-برازيليّة يوم موته في 20 نوفمبر/تشرين الثاني يوما وطنيا لـ "الوعي الأسود" (Dia Nacional de Negra).
مقاومة للغة التي تسمّي العبد "ممتلكاً" أو "سلعة" أو "أداة انتاج"، وتسمّي الأرض المغتصبة "ملكية خاصة"، وتسمّي المستعمَر "بدائياً" أو "رجعياً" أو "متخلفاً". إنّها مقاومة تعيد ترتيب المفاهيم من داخل الجرح
إنّ الاحتفال بيوم الوعي الأسود في هذا السياق، لا يعني مجرد تذكّر الماضي، بقدر ما يعني إعادة كتابة التاريخ من جهة ضحايا الاسترقاق والاستعباد الاستعماري. لأن الذاكرة الاستعمارية حاولت أن تقدّم العبد ككائن صامت بلا إرادة، وتقدّم السيد كصاحب حضارة. لكن قصة بالماريس تفضح هذا الترتيب المزيف: لأنّ العبد في تجربة زومبي يبني مجتمعاً، بينما السيد لا يبني سوى جهاز قمع وإدلال للإنسان. ولذلك فإنّ استعادة زومبي في الذاكرة العامة تعني إعادة الاعتبار إلى فكرة أن أفريقيا لم تُصدّر أجساداً فقط، بل صدّرت أيضاً طاقات سياسية، وعقولاً، وتجارب مقاومة.
ومن أجل فهم عمق هذا المعنى يمكن استدعاء اقتباس حانا أرندت في كتابها "في العنف"، إذ تقول: "السلطة تنبع من القدرة على الفعل المشترك". هذه العبارة تلائم بالماريس بصورة دقيقة: لأنّ ما صنع قوة زومبي لم يكن عبقرية فردية فحسب، وإنما قدرة جماعية على تنظيم الحياة خارج الدولة الاستعمارية. لقد كانت بالماريس سلطة من نوع مختلف: سلطة الجماعة التي تنتج ذاتها، وتؤسس نظامها، وتحمي حدودها، وتخلق اقتصادها.
علاوة على ذلك، إن تجربة زومبي تفتح كذلك سؤالاً مؤلماً حول معنى "التحرّر المتأخر". فقرار إلغاء الرق في البرازيل سنة 1888 جاء بعد قرون من الاستنزاف والظلم والاحتقار، وبعد أن تم تفكيك قصراً الذاكرة الدينية والثقافية للأفارقة، وبعد أن وُلدت أجيال كاملة داخل بنية العبودية. ولذلك فإنّ الحرية القانونية لم تكن كافية لإعادة الإنسان إلى إنسانيته كاملة. لقد خرج العبيد من نظام الرق إلى نظام الفقر والعنصرية والإقصاء. وهذا ما يجعل زومبي حاضراً اليوم باعتباره رمزاً لحرية لم تكتمل بعد.
في الأخير، إن تجربة زومبي تعلّمنا أن المقاومة لا تعتبر بأي حال ومن الأحوال مجرد ردّ فعل، بقدر ما هي خلقٌ للعالم وتغير للتاريخ. وأنّ الحرية ليست شعاراً، وإنما هي مؤسسة أخلاقية تُبنى بالزراعة واللغة والتربية والحدود والسيادة. وأنّ الاستعمار مهما امتلك من مدافع الإبادة والقهر، يبقى هشّاً أمام فكرة واحدة: فكرة أن الإنسان يمكنه أن يعيد اختراع حياته خارج تعريف سيده. لذلك يستحق زومبي أن يُقرأ كفيلسوف سياسي بالمعنى العميق، لأنّه كتب أفكاره على الأرض لا على الورق، وأقام حجته في التاريخ لا في الجدل، وترك لنا درساً أخلاقياً قاسياً: أن الحرية التي لا تُدافع عن نفسها تتحول إلى ذكرى، وأن الذاكرة التي لا تُبنى في الحاضر تتحول إلى حكاية.