تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

زراعة بلا حصاد.. كيف تكرس الاستثمارات الزراعية الجوع في أفريقيا؟

1 سبتمبر, 2025
الصورة
زراعة بلا حصاد.. كيف تكرس الاستثمارات الزراعية الجوع في أفريقيا؟
Share

على الرغم من امتلاك القارة الأفريقية مساحات زراعية شاسعة تقدر بحوالي 25٪ من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، إلا أن الفقر والجوع لا يزالان ملازمان لقطاعات واسعة من سكان دول القارة، الذين لم يزدهم الاستثمار الأجنبي في قطاعات الزراعة إلا تفاقما لمعدلات سوء التغذية، وانعدام الأمن الغذائي، بعدما أجبروا على ترك أراضيهم، واضطر بعضهم للنزوح بعيدا عن بيئته التي تحولت لمورد مستدام لإعمار موائد سكان دول أخرى، بينما هم مبعدون عن ثرواتهم قسرا، إما عبر سياسيات تكرس الفقر، أو حكومات متورطة في إبرام اتفاقيات لا تخدم سوى الأجنبي صاحب الثروة.

ثروات زراعية طائلة وجياع بالملايين

في مفارقة غريبة لا تحدث إلا في أفريقيا والبيئات الجنوبية المشابهة، تقول بيانات بنك التنمية الأفريقي إنه القارة تمتلك رصيدًا زراعيُا هائلًا، وأنه من المتوقع أن يصل سوق الأعمال الزراعية في القارة تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030، كما أنه يوجد أكثر من 30 ألف نوع من النباتات الصالحة للأكل، ورغم ذلك تشير أحدث تقارير الأمم المتحدة الصادرة في يوليو/ تموز 2025، إلى أن نسبة السكان الذين يواجهون الجوع في القارة وصلت 20٪ عام 2024، بواقع قرابة 280 مليون إنسان أفريقي.

مظاهر المفارقة تتشكل بوضوح في البلدان الأفريقية التي تمتلك أراض زراعية واسعة، ويزيد فيها معدل الجوع كما هو الحال في إثيوبيا التي تحذر الأمم المتحدة من تفاقم معدلات الجوع فيها، إذ يعاني أكثر من 10 ملايين نسمة من نقص التغذية، وذلك بالرغم من إعلان أديس أبابا عام 2022 أنها تحولت من مستوردة للقمح إلى مصدرة له، وهو ما يعكس خلالا واضحا في زيادة الرقعة الزراعية والإنتاج الغذائي مقابل تنامي أرقام الجوع في البلاد.

الأراضي الزراعية واحدة من أهمّ الموارد التي تخضع لاستغلالٍ متزايدٍ من قبل الشركات متعددة الجنسيات في ظاهرة باتت تعرف باسم «الاستحواذ على الأراضي»

الحالة السابقة تتبدد غيومها إذا ما عرفنا أن إثيوبيا واحدة من أكثر الدول الأفريقية تأجيرًا للأراضي الزراعية في القارة، ويشترك معها في ذلك "السودان والكونغو الديمقراطية والكاميرون وغينيا وزامبيا وكينيا وتنزانيا وموزمبيق"، وكلها دولا تعاني من تصاعد معدلات نقص الأمن الغذائي وارتفاع معدلات الفقر، إذ دأبت الحكومات الأفريقية في هذه البلدان وغيرها على جذب استثمارات أجنبية في قطاعي الزراعية والرعي، دون تحسن ملحوظ في معدلات الأمن الغذائي.

استغلال ممنهج أم استثمارات؟

في محاولة لتفكيك هذه المفارقة تقول الباحثة رواية توفيق في ورقة بحثية لها إن الأراضي الزراعية واحدة من أهمّ الموارد التي تخضع لاستغلالٍ متزايدٍ من قبل الشركات متعددة الجنسيات في ظاهرة باتت تعرف باسم «الاستحواذ على الأراضي»، والمنتشرة في دول مثل: إثيوبيا وتنزانيا وكينيا والسودان وجنوب السودان ومالي وغانا.

تشير الباحثة إلى أن تزايد هذه الظاهرة زادت منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، حيث لجأت الشركات الدولية إلى تأجير مساحات شاسعة من الأراضي الأفريقية بأسعار زهيدة، وهو ما ساهم في تفاقم مشكلات الأمن الغذائي في القارة، إذ أن هذه الشركات تزرع ما يتوافق مع مصالحها، ولا تضع في الحسبان الأولويات الوطنية واحتياجات السوق المحلي، كما أن الاستحواذ على الأراضي يؤثّر على الحقوق المكتسبة للمزارعين المحليين الذين يُجبرون على التخلّي عن أراضيهم دون تعويضٍ مناسب.

وتشتهد الباحثة بما حدث في ليبيريا حيث أقدمت الحكومة على توقيع عقد انتفاع مع إحدى الشركات الماليزية لزراعة ما يزيد على مائتَي هكتار لمدة 63 عاماً، ولم يتمّ إخبار المزارعين المحليين الموجودين في هذه الأراضي قبل توقيع العقد، ولم يحصلوا على تعويضٍ عادل نتيجة تخليهم عنها.

الاستغلال نفسه يظهر بوضوح في ممارسات شركة أفريكان أغريكلتشر الأمريكية، التي استحوذت في ديسمبر/كانون الأول 2023، على 25.000 هكتار من الأراضي الزراعية في السنغال، وهي أراض كانت تسيطر عليها سابقًا شركة سينهويل الإيطالية، داخل محمية نْدِئيل الطبيعية.

ورغم ادعاء الحكومة السنغالية وقتها أن الخطوة تأتي ضمن مساعي التطوير الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية، إلا أن الواقع لم يحمل سوى البؤس وسلب الممتلكات من المجتمعات المحلية، حيث تشير المعلومات التي ذكرها متحدث باسم "جماعة الدفاع عن نْدِئيل"، التي تمثل 37 قرية وأكثر من 10 آلاف شخص في السنغال، إلى أن سلب الأراضي لصالح الشركة الأمريكية كان له "أثر مدمر على المجتمع".

يضيف المتحدث بأن "هذه الأرض لطالما استخدمت للحصول على الخشب والغذاء والنباتات الطبية، والأهم من ذلك كله الرعي، كما أن المشروع عرقل المرور على الطرق التقليدية بين القرى ومصادر المياه، بينما تسببت قنوات الري في وفاة ثلاثة أطفال على الأقل غرقًا، وهو ما تسبب في إثارة غضب المجتمعات السنغالية لرؤية أراضيها تُستخدم لزراعة أعلاف الماشية للتصدير، في حين تُكافح هي من أجل الحصول على المياه وتحقيق الأمن الغذائي في وطنها".

بالرغم من الاضطرابات التي رافقت عملياتها في السنغال، خططت "أفريكان أغريكلتشر" لتوسيع نطاق استثماراتها في منطقة الساحل، ففي ديسمبر/كانون الأول 2022، أعلنت الشركة عن صفقة في موريتانيا لزراعة البرسيم على مساحة 1600 هكتار مع إمكانية التوسع إلى 500 ألف هكتار، وهو ما يُمثل نسبة كبيرة من إجمالي مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد، كما كشف معلومات عن خطط مماثلة في النيجر.

وعطفا على ما سبق حذر معهد أوكلاند النيوزيلندي، من خطورة الاستيلاء على الأراضي الأفريقية، مشيرا في تحقيق له إلى أن أبرز المستحوذين على الأراضي من الأثرياء الأمريكيين والأوروبيين، وصناديق الاستثمار المرتبطة ببنوك كبرى مثل: جولدمان ساكس وجي بي مورغان، وأنه من بين المستثمرين شركات استثمار بديل مثل: شركة إيميرجنت اللندنية.

يشير ذات التقرير إلى أن العديد من المصالح في مدينة تكساس الأمريكية ارتبطت بصفقة كبرى في جنوب السودان تبلغ مساحتها 600 ألف هكتار، شملت شركة كينيتي للتنمية المحدودة، وهي شركة شراكة عالمية لتطوير الأعمال القابضة ومقرها أوستن، تكساس، ويديرها هوارد يوجين دوغلاس، السفير الأمريكي السابق ومنسق شؤون اللاجئين. كما أن بروس راستيتر، رائد الأعمال الزراعية من ولاية أيوا والعضو القوي في الحزب الجمهوري، كان لاعبًا رئيسيًا في أكبر صفقة أراضٍ في تنزانيا.

يوضح التحقيق أن الشركات الأمريكية غالبا ما تكون بعيدة عن الأنظار، حيث تستخدم فروعًا مسجلة في دول أخرى، مثل: شركة "Petrotech-ffn Agro Mali"، وهي شركة تابعة لشركة "Petrotech-ffn USA". كما تشارك العديد من الدول الأوروبية، غالبًا بدعم من حكوماتها وسفاراتها في الدول الأفريقية، في عمليات الاستحواذ الممنهج.

يقول إنه بالرغم ادعاء المسؤولين الأفارقة أن عمليات الاستحواذ تتم على أراض غير مستغلة؛ إلا أن الواقع غير ذلك تماما، فعلى سبيل المثال، صرّح مسؤولون حكوميون إثيوبيون بأن الأراضي المُؤجّرة كانت مهجورة، إلا أنه في الوقت نفسه، جرت عملية إعادة توطين لحوالي 700 ألف من السكان، ممن كانوا يعيشون في الأرض المُستهدفة للاستثمار بعد إبعادهم عن أراضيهم.

الأمر نفسه تكرر في مالي عام 2010 حيث دخلت الجرافات لتطهير الأرض، وعندما احتجّ السكان، قوبلوا بقوات الشرطة التي ضربتهم واعتقلتهم. وفي تنزانيا، تُركّز استثمارات شركة "أجريسول إنرجي" في الأراضي على مُستوطنتي كاتومبا وميشامو للاجئين، إذ تنص مذكرة التفاهم بين الشركة والحكومة المحلية على ضرورة إغلاق هذه المستوطنات، التي تؤوي 162 ألف لاجئ فروا من بوروندي عام 1972، والذين يزرعون أراضيهم منذ 40 عامًا.

أسواق الخليج عامرة بمنتجات أفريقيا

لا يقتصر الأمر على الشركات الغربية الكبرى، بل تنفذ الشركات الخليجية ممارسات مشابهة في أفريقيا، وهو ما جعل دول مجلس التعاون الخليجي تصنف وفق مؤشر الأمن الغذائي العالمي ضمن أفضل 50 دولة تتمتع بالأمن الغذائي في العالم، رغم عدم امتلاكها لأية مقومات زراعية، كما أنها تستورد 85٪ من غذائها، حيث وظفت الدول الخليجية مواردها المالية الضخمة في الاستثمار الزراعي في أفريقيا.

الاستثمارات الخليجية في القارة رغم تنوعها واتساعها إلا أنها عادة لا تخدم المجتمعات المحلية، بل تركز على احتياجات الأسواق الخليجية، ويدلل على ذلك ما ذكرته الصحفية سارة تاونسند في مقال لها نشرتها مجلة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إذ تشير إلى أن كثير من الشركات السعودية تورطت في عمليات استحواذ جائر على الأراضي الأفريقية لخدمة الأسواق الخليجية دون مراعاة احتياجات المجتمعات المحلية.

الاستثمارات الخليجية كغيرها لم تشرك المجتمع المحلي في مشروعاتها، ولم تراعي الظروف الثقافية والاجتماعية، ولم تعمل على توظيف عمال محليين في المشروعات، ولم تصل بعض من منتجاتها إلى القرى والبلدات المحيطة

تقول إن مثل هذه الأعمال قامت بها شركة "منافع القابضة"، التي تستثمر في مساحات شاسعة من شمال غرب زامبيا، لزراعة الأناناس وفواكه أخرى لتصديرها إلى المملكة، وكذلك شركات مثل "النجمة السعودية للتنمية الزراعية"، التي تعهدت في عام 2011 باستثمار 5,2مليار دولار أمريكي في قطاع الأعمال الزراعية في إثيوبيا. كما تعهدت بتطوير مزرعة أرز في منطقة غامبيلا على مساحة 10 آلاف هكتار من الأراضي المستأجرة لمدة 60 عامًا، واستئجار 290 ألف هكتار أخرى.

وتنوه إلى أن الإمارات العربية المتحدة هي الأخرى أطلقت اقتراحًا رائدًا للاستثمار في الزراعة الأفريقية، عندما وقّعت اتفاقية مع أوغندا لإنشاء واحدة من أوائل المناطق الزراعية الحرة في العالم، والذي بموجبه ستتيح للشركات الإماراتية الاستثمار في الإنتاج الزراعي والتنمية في أوغندا، وتصدير المنتجات إلى الإمارات بشروط تجارية مواتية.

إن الاستثمارات الخليجية كغيرها لم تشرك المجتمع المحلي في مشروعاتها، ولم تراعي الظروف الثقافية والاجتماعية، ولم تعمل على توظيف عمال محليين في المشروعات، ولم تصل بعض من منتجاتها إلى القرى والبلدات المحيطة، وهو ما تسبب على سبيل المثال في أعمال شغب وقتل في إثيوبيا عام 2012، عندما أطلق السكان المحليون صرخات رافضة للمظالم الواقعة عليهم بسبب مزرعة غامبيلا التابعة لشركة "سعودي ستار".

تصف الصحفية المتخصصة في قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا هذه المماراسات بـ"استعمار اقتصادي مُقلق"، حيث تستخدم الدول الغنية مواردها الطائلة لفرض ممارسات زراعية واسعة النطاق، على ما كانت تُعرف سابقًا بالمزارع الصغيرة التي كان السكان المحليون يكسبون عيشهم منها.

تقول إنه ليس من قبيل المصادفة أن عددا من أكبر المشاريع الزراعية الأجنبية، في السنوات الماضية، كانت في بلدان تعاني من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، مثل: السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا، حيث كانت إجراءات الحوكمة لضمان استفادة السكان المحليين من الاستثمار الأجنبي واهية أو معدومة، بل كان من السهل على المستثمرين الاستحواذ على جزء من الأرض دون رد الجميل للمجتمع، وإذا اضطروا إلى ذلك، كان ذلك من خلال دفع أموال غير مشروعة لحكومات فاسدة.

نخب تشارك في نهب الكعكة الخضراء

لا تقتصر عمليات الجوع الممنهج في أفريقيا على استغلال الشركات الدولية والمستثمرون الأجانب للأراضي الأفريقية لخدمة الأسواق الخارجية، بل إن عمليات توزيع الأراضي نفسها تكرس لمنهج انعدام الأمن الغذائي، فمنذ استقلال دول القارة، استحوذت مجموعة قليلة من النخب على أخصب الأراضي الزراعية في مواقع كثيرة من أفريقيا، وهو ما يعده الباحثون "فيبيك بيورنلوند، هينينج بيورنلوند، وأندريه فان روين" أحد أسباب انعدام الأمن الغذائي في القارة.

المفارقة تتشكل بوضوح في البلدان الأفريقية التي تمتلك أراض زراعية واسعة يزيد فيها معدل الجوع، كما هو الحال في إثيوبيا التي تحذر الأمم المتحدة من تفاقم معدلات الجوع فيها

يقول الباحثون في ورقة لهم إن هذه النخب لم تحصل على أجود الأراضي فقط، بل استأثرت أيضا بحصة كبيرة من أموال التنمية الزراعية الحكومية؛ وصلت في دولتي نيجيريا وغانا إلى 50٪ و90٪ على التوالي، وفي المقابل حصل مزارعو الحبوب الآليون في شمال غانا على أراضٍ رخيصة لإنتاج الأرز منذ ستينيات القرن الماضي، وهو ما كرس لسياسات انعدام الأمن الغذائي في مواقع كثيرة من القارة تبدو غنية لكنها فقيرة للغاية.

استعمار بأدوات جديدة

يرجع الباحث، جيمس شيكواتي، في ورقة بحثية له، هذه الظاهرة إلى الاستعمار الأوروبي للقارة الأفريقية، مشيرا إلى أنها استمرار للممارسات التى كرست لروايات "المنقذ الأبيض" في إشارة إلى السياسات المتبعة من قبل الدول الكبرى والشركات المملوكة لها، لافتا إلى أن هذه الممارسات بدأت منذ مؤتمر برلين 1884 الذي كرس للخضوع الاقتصادي في أفريقيا.

ويشير إلى أن هناك تعمد من قبل وسائل الإعلام الغربية على تصوير القارة الأفريقية على أنها مناطق صراعات دائمة، ينتشر فيها الفقر والأمراض والأزمات الإنسانية بدلاً من قصص النجاح. لافتا إلى أن الإنتاج الزراعي في القارة يتجه نحو تصدير المحاصيل النقدية، في تجاهل متعمد لاحتياجات السكان المحليين.

السياسات النيوليبرالية المتبعة حاليا تكرس لزراعة من أجل التصدير، عبر المزيد من الحوافز والتسهيلات التي تقدم فيها الحكومات الأفريقية تسهيلات لبناء مبرّدات بالمطارات، وتقدم منحا وحوافز مالية للتصدير من خلال صناديق دعم الصادرات الحكومية

ويوضح أن كلا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية يدعمون مزارعيهم بشكل كبير، وهو ما يضمن احتكارا كبيرا لسوق الغذاء حيث تستورد أفريقيا محاصيل غذائية أرخص من المنتجة محليا، وهو ما يعود بالسلب على المزارعين الأفارقة.الذي يظلون عالقون في منافسة غير متكافئة، ويعانون من ضعف البنية التحتية ونقص التكنولوجيا.

يتفق الباحث صقر النور مع هذا التوجه إذ يقول في مقال له نشره المعهد العابر للحدود الوطنية (TNI)، إن السياسات الزراعية المتبعة في هذه الدول كرست للفقر وتهميش صغار المزارعين، واستدعت مظاهر إمبريالية ناضلت شعوب هذه الدول كثيرا للتخلص منها، مشيرا إلى أن إلغاء دعم صغار الفلاحين، وانسحاب الدولة التدريجي من عمليات الإنتاج الزراعي، أطلق يد القطاع الخاص لابتلاع السوق، وصاحب ذلك الترويج لنمط الإنتاج الكبير ودعم نموذج المزارع الزراعية الشاسعة، التي تضمن تسهيل حصول المستثمرين على مساحات شاسعة من الأراضي، في مشهد أقرب لإعادة إنتاج الممارسات الاستعمارية بأدوات جديدة.

وفق الباحث فإن السياسات النيوليبرالية المتبعة حاليا تكرس لزراعة من أجل التصدير، عبر المزيد من الحوافز والتسهيلات التي تقدم فيها الحكومات الأفريقية تسهيلات لبناء مبرّدات بالمطارات، وتقدم منحا وحوافز مالية للتصدير من خلال صناديق دعم الصادرات الحكومية، لتنخرط هذه المنظومة في علاقات تجارية دولية تُحقّق مصالح الشمال العالمي، ولا تلتف للسكان المحليين، كما هو الحال في مصر وتونس والمغرب.

ويرى أنه رغم رحيل الاستعمار الغربي عن أفريقيا إلا أنه مع زيادة انتشار السياسات النيوليبرالي لعب المستعمرون السابقون أدوارا مركزية لإدماج اقتصاديات الدول الأفريقية في الاقتصاد العالمي، خاصة منظومة الاتحاد الأوروبي، كأطراف تابعة تعمل على تلبية احتياجات السوق الأوروبي، عبر زراعة المحاصيل الأحادية والمزارع الكبيرة والالتزام بمتطلبات الذوق العام الأوروبي لا الأفريقي.

الاستعراض السابق يدعم ما يراه كثير من الباحثين، من أن أي تنمية لا تراعي المجتمعات المحلية لا تساهم في حل مشكلات القارة، بل تزيد من تعقيدها عبر ممارسات تكرس من انتشار الفقر والبطالة، وهو ما تدلل عليه بيانات منظمة الأغذية والزراعة الأممية "الفاو" من ربط الاستدامة بقبول السكان المحليون للاستثمارات التي تنفذ بالقرب من منازلهم وحقولهم.