السبت 6 ديسمبر 2025
احتشد حشدٌ من الرجال، صباح 12 كانون الثاني/يناير 1964 أمام المقرّ المركزي لشرطة زنجبار، وكانوا يحملون سواطير ومعاول وأدوات زراعية، فاقتحموا المجمّع واستولوا على الأسلحة النارية بداخله. ثم شنّ المتمرّدون هجماتٍ متزامنة على الثكنات والسجون والمرافئ في أنحاء البلاد. اختبأ الوزراء في أماكن سرّية، فيما راحت دوريات المتمرّدين تطارد أنصار الحكومة السابقة. وقبيل الظهر اعتلى الأثير رجلا قدّم نفسه بوصفه "المشير الميداني جون أوكيلو"، معلناً فجر عهدٍ جديد؛ سقوط "النظام العنصري في زنجبار"، وتولّي حكومة تمثّل "أغلبية السكان الأفارقة السود" مقاليد الحكم.
اندفع القوميون والراديكاليون إلى الشوارع بنشوة الثورة، ومن داخل الإذاعة الوطنية راح أوكيلو يحضّ أتباعه على حماية السلطة الوليدة، وفي الوقت نفسه يحرّض على عنفٍ مفرط ضدّ كل من يعارضها. ظنّ مراقبون أجانب أنّه ثوريٌّ محترف أو ناشطٌ قومِيٌّ مخضرم، لكن الحقيقة كانت أبسط وأكثر إدهاشاً: مهاجرٌ حديث من أوغندا عمل نجّاراً ودهّاناً قبل أن ينضمّ إلى تنظيمٍ سرّي. وقفز من الهامش إلى صدارة المشهد، فأشعل صراعاً طويلاً على السلطة داخل زنجبار، وأطلق سلسلة أحداثٍ دفعت الإقليم بأسره إلى حافّة الانهيار.
وُلد جون أوكيلو عام 1937 في قرية أوكوت الصغيرة شمالي أوغندا، وهو من جماعة لانغو. يُتِّم في الحادية عشرة، فقضى مراهقته متنقّلًا بين بلدات عدّة، يعمل تارةً في مصانع الغزل والنسيج وتارةً في مواقع البناء. يقول ابنه موسِس أونيّوك، المقيم حتى اليوم في المنطقة، إن الاقتصاد الاستعماري كان عاملًا حاسمًا في يقظة والده السياسية: تعلّم الإضراب والمساومة من أجل أجرٍ أعلى، وتكوّنت لديه ريبةٌ دائمة من الإداريين البريطانيين والتجّار من أصول جنوب آسيوية الذين هيمنوا على الأسواق المحلية. وكانت محطة كينيا عام 1954 فارقةً؛ إذ وصل بعد ذروة تمرّد «ماو ماو» في الهضاب المُقسّمة عرقيًّا، فترسّخت في داخله "روح" الحركة، وألهمته أن يحاكيها طوال مسيرته الثورية.
كانت ثورة زنجبار لحظةً كثيفةً من الآمال الجامحة والعنف العاري والحسابات الإقليميّة الدقيقة؛ لحظة أنجبت دولةً جديدة، تنزانيا، وخلّفت جراحاً اجتماعية لم تلتئم بسهولة
بينما كانت حكومة كينيا الاستعمارية منشغلةً بقمع تمرّد «ماو ماو»، كان الجيران في زنجبار يواجهون أزماتهم الخاصة. فهذا الإقليم المؤلّف من أكثر من خمسين جزيرة ظلّ قرونًا عقدةً من عقد التجارة في المحيط الهندي؛ غزته البرتغال في القرن السادس عشر، ثم عُمان في القرن السابع عشر، قبل أن يصبح محميّة بريطانية ورأس جسرٍ لاستعمار شرق أفريقيا. امتدح إداريون بريطانيون، مثل هارولد إنغرامز، «كوزموبوليتية» زنجبار، لكنّ هذا الثناء حجب واقعًا صارخًا من التمييز العرقي؛ إذ انحصرت ملكية الأرض في أيدي قلّة من العائلات العربية، ما أجّج التوتر مع المجتمعات السوداء في الجزر-«الأفارقة» و«الشيرازيون»- وكثيرٌ منهم من نسل المستعبَدين الذين كانت تُباع أجسادهم في الموانئ المحلية. وبحلول الخمسينيات، زاد وصول عمالٍ عربٍ من عُمان واليمن، إلى جانب عمالةٍ وافدة من البرّ الأفريقي، من حدّة الاحتقان. همس قادةٌ سودٌ بوجود مخطّطٍ لإعادة زنجبار إلى "مستعمرة عربية"، فيما خشي كثيرٌ من العرب أن تقوّض موجات الهجرة المتلاحقة سلطتهم التاريخية.
وصل أوكيلو إلى زنجبار عام 1959 ساعيًا إلى العمل في موسم حصاد التوابل المربح، لكن التوترات الإثنية كانت قد بلغت حدّ الاشتعال. انقسمت الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار إلى معسكرين كبيرين على أسسٍ أقرب إلى الإثنية منها إلى السياسة: كان الحزب القومي الزنجباري (ZNP) ظاهريًّا متعدّد الأعراق، لكنه واقعٌ تحت هيمنة راديكاليين عرب، بينما تبنّى حزب أفرو–شيرازي (ASP) قوميةً سوداء، ورفع شعار تمثيل الأغلبية الأفريقية. وبعد فوز ائتلاف يقوده الحزب القومي الزنجباري في انتخابات 1961، انزلقت زنجبار إلى ما عُرف بـ"حرب الحجارة"؛ موجة عنفٍ كان المهاجرون العرب هدفها الأبرز على نحوٍ غير متكافئ.
في تلك الأثناء وثّق المسؤولون الاستعماريون لقاءاتٍ سرّية لجماعاتٍ وطنية، تتدرّب على استخدام أسلحة بدائية. كان أوكيلو بينهم، فبينما يعمل دهّانًا للمنازل، استمالته وعود حزب أفرو–شيرازي بإعادة الجزيرة إلى "أبنائها الأفارقة"، ويذكر في مذكّراته أنّه شارك في اجتماعاتٍ سرّية لعمّالٍ خطّطوا للإطاحة بحكومة السلطان، وإقامة جمهورية جديدة.
همس قادةٌ سودٌ بوجود مخطّطٍ لإعادة زنجبار إلى "مستعمرة عربية"، فيما خشي كثيرٌ من العرب أن تقوّض موجات الهجرة المتلاحقة سلطتهم التاريخية
نالت زنجبار في 10 ديسمبر/ كانون الأوّل 1963 استقلالها، وشكّل ائتلافٌ مكون من حزب الشعب لزنجبار وبيمبا (ZPPP) حكومة جديدة، لكنّها صمدت ثلاثةً وثلاثين يومًا فقط قبل أن يطيح بها متمرّدون متحالفون مع حزب أفرو–شيرازي، وقد أحاطت الكثيرٌ من الأساطير بدور أوكيلو في «ثورة زنجبار». ففي مذكّراته يزعم أنّه قاد الهجوم على مقرّ الشرطة المركزي، وانتزع بندقيةً من ضابطٍ بريطاني، لكنّ هذا يبدو غير مرجّح. وكما تبيّن المؤرّخة آن لي غريمستاد، يُرجَّح أن ضبّاطًا متعاطفين قادوا المتمرّدين إلى مخزن السلاح، وأنهم خرجوا منه بلا قتالٍ يُذكر. ومع ذلك يبقى الواضح أنّ أوكيلو وأنصاره استغلّوا فوضى الساعات الأولى لبسط السيطرة على نقاطٍ استراتيجية في البلاد. وتشير غريمستاد إلى أنّ قيادة حزب أفرو–شيرازي كانت قد أعدّت خططًا أوليّة لانقلاب، لكن مجموعة أوكيلو هي التي بادرت بأحداث 12 يناير/ كانون الثاني من دون إشرافٍ يُعتدّ به. بمرور الساعات تمكن أنصاره من حشد ما لا يقلّ عن 300 مقاتل، وتسلّحوا بما وجدوه في مقارّ الشرطة والثكناتٍ. ومع انهيار جهاز الشرطة وغياب جيشٍ وطني، غدا أوكيلو بين عشيةٍ وضحاها أحد أبرز صُنّاع القرار في النظام الجديد.
حوّل أوكيلو وأنصاره مركز «راها ليو» في مدينة زنجبار إلى غرفة عمليات مرتجلة، سرعان ما غدت عقدةً تمرّ بها الدوريات لتلقّي الأوامر وتسليم المعتقلين السياسيين. أمّا الجائزة الكبرى فكانت الإذاعة الوطنية، وقد جعلها منبرًا دائمًا للثورة، وحوّل خطبه إلى سلاحٍ نفسي. طالب أعضاء الحكومة السابقة بأن يقتلوا عائلاتهم بأيديهم، وهدّد بإحراق المعارضين أحياءً. وكما في أحداث 1961، دفعت الأقليات الثمنَ الأكبر؛ فمع أنّه ناشد أنصاره "ألا يقوموا بالشرّ" وأن «يصونوا الأقليات بوصفهم ضيوفًا»، أصدر أوامر صريحة بإطلاق النار على أيّ عربيّ يخرق حظر التجوال أو يظهر في العلن أثناء القتال. في 14 يناير/ كانون الثاني قال: "لديّ أسلحة قادرة على تدمير زنجبار بالكامل، ويمكنني استخدامها بلا ندم". ورغم غياب أرقام دقيقة، قُتل آلاف الأشخاص في الأسابيع التالية للثورة. وبنهاية عام 1964، كان أكثر من ربع السكان العرب في الجزر قد قُتلوا أو أُجبروا على الفرار.
هزّ هذا العنفُ شرقَ أفريقيا، وأثار سؤالًا واحدًا لدى المراقبين الدوليين: من يكون أوكيلو؟ وكيف صعد بهذه السرعة؟ في ظلّ هواجس الحرب الباردة اشتبهت الخارجية البريطانية بضلوعٍ شيوعيّ، واقترح بعض مسؤوليها أنّ أوكيلو اسمٌ مستعارٌ لعلي مفوّض، الاشتراكي الزنجباري الذي افتتح مكتبًا سياسيًّا في هافانا. أمّا وزارة الخارجية الأميركية فرأت خلاف ذلك، مشيرةً إلى أنّ خطبه تُلقى بلكنة برّ أفريقية واضحة، ومرجّحةً أن يكون في الحقيقة وليام أوديَمبو أوكيلو، وهو راديكالي كيني عمل مع جماعات مناهضة للاستعمار في القاهرة. ولم تُسعف حكومتا ما بعد الاستقلال في أوغندا وكينيا هذا البحث؛ إذ أشارتا ببساطة إلى أنّ اسم أوكيلو شائع في البلدين.
أربك صعود أوكيلو الصاروخي الحكومةَ الزنجبارية الوليدة. فمن جهةٍ تعاون مع قيادة «أفرو–شيرازي» واستخدم الأثير لإعلان تشكيل حكومة برئاسة عبيد كرومي؛ ومن جهةٍ أخرى نصّب نفسه "وزيرًا للدفاع والإعلام وقائدًا للحكومة الثورية". وزاد من الحساسية أنّه مسيحيٌّ أوغندي داخل حكومة يغلب عليها مسلمو زنجبار، فضلًا عن تصريحاته بأنه "رسولٌ من الله"، ما نفّر حلفاء محتملين، وأثار شكوكًا بشأن توازنه النفسي. ومع ذلك، فإن حضوره الطاغي وولاء أنصاره المدجّجين بالسلاح جعلا إزاحته أمرًا بالغ الصعوبة. اضطرّ كرومي إلى استرضائه، فيما قال وزير الخارجية عبد الرحمن محمد بابو للصحافة الأجنبية إن أوكيلو "يتقاسم السلطة مع الوزراء". وقدّر دبلوماسيون بريطانيون أنّ قيادة الحزب "تحاول امتطاء النمر" إلى أن تتمكّن من التخلص منه.
لكنّ هذا الثناء حجب واقعًا صارخًا من التمييز العرقي؛ إذ انحصرت ملكية الأرض في أيدي قلّة من العائلات العربية، ما أجّج التوتر مع المجتمعات السوداء في الجزر-"الأفارقة" و"الشيرازيون"- وكثيرٌ منهم من نسل المستعبَدين الذين كانت تُباع أجسادهم في الموانئ المحلية
أمام هذا المأزق، استنجد «أفرو–شيرازي» بحلفائه الإقليميين. كانت تنجانيقا، المستقلة منذ 1961، قد قدّمت دعمًا سريًّا للحزب، وبعد أسبوعٍ على الثورة أرسل الرئيس جوليوس نيريري مئة عنصر من "قوّة الشرطة الميدانية" إلى زنجبار لحفظ النظام وموازنة نفوذ أنصار أوكيلو. غير أنّ هذه الخطوة خلّفت عواقب وخيمة داخل تنجانيقا نفسها؛ فمنذ الاستقلال تزايد سخط جنود "قوّات بنادق تنجانيقا" بسبب تدنّي الأجور وهيمنة الضباط البريطانيين في القيادة. ومع انشغال الشرطة المحلية في زنجبار، وجد الجنود اللحظةَ مناسبةً للتمرّد.
انفجر التمرّد في دار السلام صبيحة 20 يناير/ كانون الثاني، فقد سيطر ضباطٌ على الإذاعة ومراكز الشرطة، وأجبروا نيريري على الفرار إلى مكانٍ آمن. قدّمت الحكومة تنازلاتٍ عاجلة لتهدئة المتمرّدين، لكن شرارة العصيان كانت قد انتقلت إلى الجوار؛ فتمرّدت وحداتٌ في «ثكنات جنجا» بأوغندا و«ثكنات لانِت» في كينيا، واستولت على أسلحةٍ كانت مخصّصة لقمع تمرّد تنجانيقا. ولبرهةٍ قصيرة بدا أنّ الإقليم بمرمّته يقف على أعتاب ثورةٍ شاملة.
أعادت تمردات شرق أفريقيا رسم المشهد السياسي في المنطقة على نحوٍ دائم. في كينيا لجأت حكومة جومو كينياتا إلى القوة الاستعمارية السابقة، فدفعت بريطانيا بقواتٍ لتعزيز ما تبقّى من الوحدات الكينية، وترسّخ بذلك نمطٌ من التعاون العسكري الوثيق تعمّق خلال العقود اللاحقة. وما تزال كينيا واحدةً من أوثق حلفاء بريطانيا العسكريين خارج حلف شمال الأطلسي، رغم الجدل المستمر حول وجود قواتٍ بريطانية على أراضيها. وعلى النهج نفسه استعانت تنجانيقا بقواتٍ بريطانية لاستعادة السيطرة على الثكنات التي كان المتمرّدون يحتلّونها في دار السلام. أمّا في أوغندا، فتمكّن رئيس الوزراء ميلتون أوبوتي من قمع التمرّد بالقوة، ثمّ شرع لترسيخ حكمه في تركيز السيطرة على الجيش بأيدي أبناء جماعته «لانغو». وكما يلاحظ المؤرخ تيموثي بارسونز، أسهمت هذه التوترات غير المحسومة بين الحكومة والجيش في نهاية المطاف في الإطاحة بأوبوتي على يد عيدي أمين.
عقب احتواء موجة العنف، تحرّكت حكومات شرق أفريقيا لاحتواء جون أوكيلو نفسه. ففي الأسابيع التالية ظلّ يشارك في فعاليات «أفرو–شيرازي» واحتفالاته، بينما كان الحزب يطرد أنصاره، ويُقصيه تدريجيًا عن مفاصل الدولة. وفي 9 مارس/ آذار، وبينما كان عائدًا من أسبوعين أمضاهما في البرّ الأفريقي، رأى قادة الحزب أنّ الوقت قد حان للتحرّك. اصطحبه عبيد كرومي إلى دار السلام بزعم لقاءٍ مع جوليوس نيريري، لكن ما إن وصل حتى تبيّن له أنّه مُنع من العودة إلى زنجبار. حاول الاستقرار في كينيا، غير أنّ حكومة كينياتا أعادت تفعيل تشريعٍ استعماري يجيز ترحيل مواطني شرق أفريقيا إلى بلدانهم الأصلية، وتشير تقارير الاستخبارات البريطانية إلى أنّ الهدف كان إبعاد أوكيلو عن المشهد السياسي. ومع تضاؤل الخيارات عاد إلى أوغندا. في الأثناء كان كرومي ونيريري يعملان على تقنين تحالفهما غير الرسمي؛ فأُعلن في 26 أبريل/ نيسان قيام «الجمهورية المتحدة لتنغانيقا وزنجبار»، وهو الاسم الذي اختُصر لاحقًا إلى «تنزانيا».
في أوغندا استُقبل أوكيلو استقبالًا ملتبسًا؛ تحدّثت صحفٌ عن "جماهير تهتف" لدى وصوله إلى كمبالا، لكن ضيق اليد سرعان ما أعاده إلى قريته أوكوت. يروي ابنه موسِس أونيّوك: "عاش في فقرٍ مُطبق… لم يكن يملك شيئًا، فصار يزرع الأرز". ومع ذلك لم تخمد الظروف طموحاته الثورية. وبحكم انتمائه إلى جماعة لانغو طلب من ميلتون أوبوتي وظيفةً في الجيش، وطرح خططًا طموحةً للسفر إلى جنوبي القارة "للقتال من أجل البلدان المتخلّفة". لم يقتنع أوبوتي، فوُضع أوكيلو خمس سنواتٍ تحت رقابةٍ لصيقة من الشرطة السرّية. ثم عاد اسمه إلى الواجهة عام 1971 في لحظة التفاؤل الوجيزة التي أعقبت سقوط أوبوتي؛ قصد كمبالا للقاء الرئيس الجديد عيدي أمين، الذي انتهز المناسبة ليؤكّد أنّه "لا خصومة له مع شعب لانغو، إلّا من أضلّهم أوبوتي". لكن هذا التقارب كان عابرًا، ففي سبتمبر/ أيلول 1973، وكان أونيّوك في عامه الأوّل، اختُطف أوكيلو على يد عناصر من نظام أمين، وقُتل على يد طاغيةٍ أسهمت أفعاله هو في صعوده.
كانت تجربة السلطة لدى أوكيلو قصيرة، لكنها حفرت أثرًا لا يُمحى في الإقليم. فقد غذّى حضوره المربك في زنجبار موجةَ عنفٍ استثنائية انتهت بخروجٍ واسع لجزءٍ كبير من السكّان العرب في الجزر. كما زعزع حكم «أفرو–شيرازي»، شدّد عبيد كرومي قبضته على السلطة في السنوات التالية، وانقلب على عددٍ من رفاقه الثوريين قبل أن يُغتال عام 1972. ولم تقف تداعيات يناير/ كانون الثاني 1964 عند حدود الجزر؛ إذ ولّدت الثورة وما أعقبها من تمرداتٍ شعورًا عميقًا بالهشاشة حيال استقرار ما بعد الاستقلال في عموم شرق أفريقيا، ورسّخت أنماطاً من السلطة والسيطرة ما تزال ملامحها قائمة حتى اليوم.
تكشف سيرة جون أوكيلو، من عاملٍ بسيط إلى قائدٍ عابرٍ للحدود، كيف يمكن لفردٍ واحد أن يطلق دينامياتٍ تفوق حجمه بكثير، ويعيد رسم خرائط السياسة والأمن والهويّة في رقعةٍ مترامية مثل شرق أفريقيا. كانت ثورة زنجبار لحظةً كثيفةً من الآمال الجامحة والعنف العاري والحسابات الإقليميّة الدقيقة؛ لحظة أنجبت دولةً جديدة، تنزانيا، وخلّفت جراحاً اجتماعية لم تلتئم بسهولة. ومن هنا يظلّ اسم أوكيلو حاضراً في ذاكرة الإقليم، رمزاً لإمكان التغيير المفاجئ، ولثمنه الباهظ أيضاً.