تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 6 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

زهران ممداني.. لما لا تنسجم الهوية الأفريقية مع التصنيف العِرقي في أمريكا؟

25 نوفمبر, 2025
الصورة
زهران ممداني.. لما لا تنسجم الهوية الأفريقية مع التصنيف العِرقي في أمريكا؟
Share

في مطلع هذا العام، وسط الأشجار الملتفّة بثمار الكاكايا (الجاك فروت)، وبين دراجات "البودا بودا" النارية التي تتسلّل بصعوبة عبر طرقات كمبالا المزدحمة، ظهر ملصق انتخابي لمرشّح أنيق الهندام يدعى كاتونغولي سينغ، يبتسم مبتَهِجاً إلى جانب الرئيس يوري موسيفيني.

يحمل سينغ اسماً عائلياً سيخياً هندياً، في حين أن اسمه الأول أوغندي محلّي؛ وهذه التركيبة ليست استثناءً في العاصمة الأوغندية، حيث يعيش أشخاص من أصول هندية منذ أكثر من 125 عاماً. كثيرون هنا يعرّفون أنفسهم بهوية متعددة الوصلات: "أفريقية–هندية"، كما هو حال زهران كوامي ممداني، البالغ من العمر 33 عاماً، والفائز بمنصب عمدة مدينة نيويورك.

ممداني، الذي أحدث مفاجأة مدوِّية هذا الصيف عندما هزم أندرو كومو في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، ما فتح أمامه طريقاً شبه مؤكدة للفوز برئاسة البلدية في نوفمبر/ تشرين الثاني. وُلد في أوغندا وانتقل إلى نيويورك، وهو في سنّ صغيرة. وفي يوليو/ تموز الماضي عاد إلى هنا لإقامة مراسم زواجه، التي امتدّت ثلاثة أيام في كمبالا.

في الشهر ذاته، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن مصدراً مجهولاً – قيل إنه جوردان لاسكر، المعروف بأفكاره اليوجينِيّة ونزعاته النازية الجديدة – تمكّن من اختراق بيانات داخلية تبيّن أن ممداني، في طلب قدّمه إلى جامعة كولومبيا عام 2009، عرّف عن عِرقه بأنه "آسيوي" و"أسود أو أفريقي أمريكي" في آن واحد.

أثار الخبر عاصفة من الغضب لدى بعض المنتقدين الذين اتهموا ممداني بأنه يُسخِّر "سياسات الهوية" للحصول على معاملة تفضيلية في جامعة مرموقة. (علماً بأنه لم يُقبَل حينها في كولومبيا). ممداني أوضح أنه لم يفعل أكثر من اختيار خانات "مقيَّدة" كما وصفها، محاولاً أن يلتقط "كامل أبعاد خلفيتي". وأكد أنه لا يرى نفسه "أفريقياً أميركياً" أو "أسود"، بل "أميركي وُلد في أفريقياَ".

إلا أن الصورة في كمبالا تختلف جذرياً؛ فالأوغنديون من أصول هندية يُعتبَرون، من دون تردّد، أفارقة خُلَّصاً، في نظر الأوغنديين السود من السكان الأصليين كما في نظرهم هم أنفسهم. تقول سارة كيريكوموينو، الطالبة في علوم الاتصال والبالغة من العمر عشرين عاماً:"لدينا أشخاص من أصول هندية يحملون أسماء أوغندية محليّة، ويتحدثون لغاتنا الوطنية. كثيرون منهم يقولون إنهم لا يعرفون شيئاً تقريباً عن الهند، لأنهم وُلدوا ونشأوا هنا".

"أن تكون أفريقياً وآسيوياً ومسلماً في آن واحد، بالنسبة إلينا نحن الأفارقة، ليس تناقضاً على الإطلاق، بل تعبير عن واقعنا التاريخي والمعيش"

ومع ذلك، يبقى الحضور الثقافي الهندي في المدينة جليّاً، لا سيما في الطعام. قرب "أكاسيا مول" في كمبالا، كانت امرأة أوغندية سوداء تبيع الشاي (تشاي)، ترسم إشارة الصليب قبل أن تغمس قطعة من "السمبوسة" بالخضار في صلصة خضراء زمردية من "الشَتني".

يقول أمان كابور، وهو طبّاخٌ كيني من أصول هندية تولّى تقديم الطعام في حفل زفاف ممداني: "المطبخ الآسيوي، من سمبوسة وشباتي وشاي، اندمج تماماً في نسيج المجتمع الأوغندي. هذه الأطباق أُدخلت إلى هنا في مطلع القرن التاسع عشر على يد الآسيويين الذين جُلبوا للعمل".

والدة ممداني هي المخرجة السينمائية الهندية ميرا ناير، المرشَّحة سابقاً لجائزة الأوسكار. أما والده فهو الباحث ما بعد الاستعماري محمود ممداني، المولود لوالدين هنديَّين في الهند.

يقول كابور إن مائدة زفاف ممداني عكَست خليطاً يشبه تماماً الهُوية المشتركة بينه وبين زوجته الأميركية–السورية التي تعرّف إليها عبر تطبيق «هِنغ» للمواعدة: مأدبة عامرة من أطباق المتوسط والهند وباكستان وأوغندا، شملت، من بين ما شملت، وجبات من «الرولكس» – وهو طعام شارع أوغندي شهير يتكون من خبز الشباتي الملفوف حول البيض، ويحمل الاسم نفسه لساعة «رولكس» السويسرية الشهيرة.

ردّة الفعل العنيفة التي واجهها ممداني بسبب هويته تذكّر مارك نيواغابا، الطالب في جامعة «ماكيريري» في كمبالا، بنظرية المؤامرة المعروفة بحركة التشكيك في مكان الميلاد (Birther Movement)، التي قادها دونالد ترامب حين ادّعى أن باراك أوباما ليس "مواطناً مولوداً في الولايات المتحدة" كما يشترط الدستور لتولي منصب الرئاسة.

يقول نيواغابا، البالغ 24 عاماً، خلال أمسية شعر مفتوح في مقهى «كارداموم آند كوفي» الذي يُقال إن ميرا ناير ترتاده كثيراً:
"كان والد أوباما كينياً والأم من هاواي؛ لم يكن أسود بما يكفي ولا أبيض بما يكفي". (والدته في الواقع وُلدت في ولاية كانساس ودرست في جامعة هاواي). ممداني يبدو اليوم وكأنه يواجه المعضلة نفسها.

تاريخ الوجود الهندي في أوغندا لم يخلُ من التوتر. فالمهاجرون من جنوب آسيا – ومعظمهم من الهند – جُلبوا إلى البلاد عام 1894 بوصفهم عمّالاً متعاقدين من قبل السلطات الاستعمارية البريطانية. وكان الهنود الأوغنديون هم من بنى خط السكك الحديدية الذي يمتدّ لنحو 600 ميل، رابطاً ضفة بحيرة فيكتوريا في أوغندا بميناء مومباسا في كينيا.

لقد فضّل البريطانيون هؤلاء المهاجرين لإدارة مزارع الشاي والقهوة، فأسّسوا سريعاً أعمالاً ناجحة، وراكموا الثروة في وقت كان الأوغنديون السود يعانون أوضاعاً اقتصادية قاسية. ثم جاء عام 1972 حين أمر الرئيس العسكري عيدي أمين بطرد نحو 50 ألف أوغندي من أصول جنوب آسيوية، ومنحهم مهلة تسعين يوماً لمغادرة البلاد.

"هذه التجربة كلّها ولّدت شعوراً بالامتعاض لدى الأفرو–أميركيين، لذلك ليس مستغرباً أن محاولة ممداني التعبير بدقة عن خلفيته الهوياتية المركّبة عبر استمارة صُمّمت أصلاً وفق منطق ثنائي حادّ: أسود/أبيض، قد تثير حساسية لدى العديد من الأفرو–أميركيين في الولايات المتحدة"

ومع ذلك، ورغم أن نسبتهم اليوم تقل عن 1٪ من السكان، لا يزال الأوغنديون من أصل هندي يشكلون مجتمعاً حيوياً ومؤثراً، إذ يُنسب إليهم ما يقدَّر بنحو 60٪ من الإيرادات الضريبية في البلاد. من لافتات «مجموعة مادهفاني» الاستثمارية، التي تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، إلى فنادق مثل «فيرواي بوتيك» – أحد أقدم فنادق أوغندا التي أسّستها عائلة جعفر – يمكن تلمّس مظاهر الثراء الذي حقّقه الأوغنديون من أصول هندية في أرجاء العاصمة.

كثيرون منهم أمضَوا حياتهم كلّها في أوغندا، ويُقبَلون فيها من دون جدل بوصفهم أفارقة. ياشوانت باتيل، البالغ 71 عاماً والمولود في كمبالا، والمقيم حالياً في برمنغهام في إنجلترا، يستعيد ذكريات الطفولة التي قضاها في السباحة في بحيرة فيكتوريا، والتمدد في أرجاء مدينة عنتيبي، والتلذّذ بأكل المانغو والجوافة.

يقول باتيل: "لم ينظر إلينا أحد وكأننا نغزو المكان أو نحتله. على الطريق إلى عنتيبي… كان بوسعك أن تشتري سلّة كاملة من ثمار المانغو لنلتهمها جميعاً. ما زلت أذكر طعم العصير! وبالطبع كانت بذور تلك المانغو قد جُلِبت من الهند. حتى وإن كنتُ لم أزر الهند آنذاك قط، كان أبي وأمي يقولان لنا: هذا يشبه الهند تماماً".

كثيرون هنا يرون في ممداني أفريقياً بلا أي التباس. يقول فريد نداولا، الدليل السياحي في كمبالا: "ابننا يتسلّم منصباً كبيراً في الولايات المتحدة، ونحن الأوغنديين فخورون وسعداء بذلك. إنهم أوغنديون؛ هذا وطنهم".

غير أن الهوية في الولايات المتحدة أكثر تعقيداً، ولا يتفق الجميع على أن لممداني الحق في ادّعاء هوية "أفريقية" بهذا المعنى. فمصطلح "أفرو–أميركي" يُستخدم في كثير من الأحيان للإشارة تحديداً إلى أحفاد الأفارقة السود الذين اقتُلِعوا بعنف من تاريخهم وأنسابهم عبر تجارة الرقيق عبر الأطلسي.

قضية رايتشل دوليزال تُعدّ مثالاً شهيراً في هذا السياق؛ فهي أكاديمية ورئيسة سابقة لفرع محلّي من «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» (NAACP)، وهي امرأة بيضاء انتحلت هوية امرأة سوداء لسنوات، إلى أن كُشف أمرها عام 2015.

تعلّق المؤرّخة كيم د. باتلر، وهي مؤرّخة سوداء وأستاذة مشاركة في قسم الدراسات الأفريقية (Africana Studies) في جامعة رَتغرز:"هذه التجربة كلّها ولّدت شعوراً بالامتعاض لدى الأفرو–أميركيين، لذلك ليس مستغرباً أن محاولة ممداني التعبير بدقة عن خلفيته الهوياتية المركّبة عبر استمارة صُمّمت أصلاً وفق منطق ثنائي حادّ: أسود/أبيض، قد تثير حساسية لدى العديد من الأفرو–أميركيين في الولايات المتحدة".

يزيد تاريخ ممداني الشخصي الصورة تعقيداً؛ فقد انتقلت عائلته من أوغندا إلى جنوب أفريقيا، حيث عمل والده محمود أستاذاً في جامعة كيب تاون. ويمكن عزو ارتباط زهران القوي بهويته الأوغندية–الأفريقية جزئياً إلى مسيرة والده الفكرية والنضالية

لكنها تضيف أن ممداني "مرتبط ارتباطاً وثيقاً بدولة أفريقية بعينها، أكثر بكثير مما استطعت أنا حتى الآن أن أكتشفه عن أسلافي من جهة الأب، الذين عملوا في أراضي ضابط من ضبّاط حرب الاستقلال الأميركية، بعدما غادروا أرضاً لا نعرف اسمها منذ أكثر من مئتي عام". وتتابع قائلة: "حين يقول البعض: «إنه ليس إفريقياً حقاً»، فإن هذه العبارة تحمل صدى رسالة خفيّة طالما سمعناها، تُقال لنا نحن أيضاً: «أنتم لستم أميركيين حقاً»".

تشير أميشي أغراوال، الباحثة الهندية في جامعة أكسفورد التي تعمل مع مجتمعات اللاجئين في أوغندا، إلى أن الهنود القادمين من أفريقيا غالباً ما يجدون صعوبة في الانضواء داخل التصنيفات العِرقية السائدة في الولايات المتحدة.

وتستحضر في هذا السياق فيلماً لميرا ناير هو «ميسيسيبي مَسالا»، الذي يروي حكاية عائلة أوغندية–هندية أُجبرت على الفرار من أوغندا في عهد عيدي أمين إلى الولايات المتحدة، حيث تقع إحدى البنات في حب رجل أفرو–أميركي يؤدي دوره دنزل واشنطن. يُظهر الفيلم العنصرية التي يمارسها أفراد عائلتها ضد السود في أميركا، حتى وهم أنفسهم يتعرضون للعنصرية بوصفهم مهاجرين في «الجنوب الأميركي العميق».

تقول أغراوال: "ثمة تعقيدات كبيرة حول مسألتي الطبقة الاجتماعية والنظام الطبقي (الكاست) داخل المجتمع الأوغندي–الهندي نفسه، كما أن العنصرية الداخلية، للأسف، مستشرية على نطاق واسع".

أما تاريخ ممداني الشخصي فيزيد الصورة تعقيداً؛ فقد انتقلت عائلته من أوغندا إلى جنوب أفريقيا، حيث عمل والده محمود أستاذاً في جامعة كيب تاون. ويمكن عزو ارتباط زهران القوي بهويته الأوغندية–الأفريقية جزئياً إلى مسيرة والده الفكرية والنضالية؛ فمحمود ممداني مؤلف غزير الإنتاج كتب أعمالاً بارزة عن الاستعمار والإبادة الجماعية في رواندا ودارفور و«الحرب على الإرهاب» وما بعدها.

وحين انتقل محمود لاحقاً إلى الولايات المتحدة، حمل معه خبرة النضال المناهض للاستعمار، واستلهم من حركة الاستقلال في أوغندا في ستينيات القرن الماضي، فانخرط في حركة الحقوق المدنية هناك وشارك في مقاطعة حافلات مونتغومري الشهيرة. كما أطلق على ابنه اسم «زهران كوامي» تيمّناً بأول رئيس منتخب لغانا، ورمز الوحدة الأفريقية كوامي نكروما، تعبيراً عن انتماء عميق للفكر البان–أفريقي.

المؤرخ شميل جيبي، الذي عمل مع محمود في الجامعة، يقول إنه التقى زهران للمرة الأولى عندما كان طفلاً صغيراً هناك. ومن موقعه كناشط طلابي سابق في الحركة المناهضة للفصل العنصري، رأى جيبي عن قرب كيف استُخدمت الهوية العِرقية سلاحا في يد نظام الأبارتيد، وكيف أن قروناً من الهجرة والاختلاط بين المجتمعات خلقت هويات مركّبة ومتعددة الوصلات تشبه هويته هو نفسه، هويات يصعب على كثيرين في «الشمال العالمي» أن يفهموها أو يستوعبوها.

يقول جيبي: "كلمة «أفريقي» ليست تسمية عرقية؛ أفريقيا قارة، فضاء جغرافي وتاريخي. ليست مرادفاً واحداً للعرق أو اللغة أو الدين. إنها موطن لتعدّد هائل في اللغات والأديان والمجموعات الإثنية".

ولهذا، لا يرى جيبي ما يدعو للاستغراب في أن تكون هوية ممداني أعقد من أن تُختزَل في خانة واحدة على استمارة جامعية. ويختم قائلاً: "أن تكون أفريقياً وآسيوياً ومسلماً في آن واحد، بالنسبة إلينا نحن الأفارقة، ليس تناقضاً على الإطلاق، بل تعبير عن واقعنا التاريخي والمعيش".