تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

زهران ممداني.. هل تجد الثورة الناعمة في نيويورك صدى في أفريقيا؟

11 نوفمبر, 2025
الصورة
زهران ممداني.. هل تجد الثورة الناعمة في نيويورك صدى في أفريقيا؟
Share

"اسمع، أنا مسلم واشتراكي ومهاجر وملون، وفوق هذا أنا لا أنوي الاعتذار عن أي من هذه الصفات التي تكرهها... ارفع صوت التلفاز لتسمعني جيدا" هكذا خاطب الشاب زهران ممداني ذي 34 عاما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد فوزه في السباق الانتخابي لعمادة مدينة نيويورك بنسبة كبيرة من أصوات سكان المدينة التي تحتضن أكبر جالية يهودية.

تفوق ممداني السياسي الأمريكي من أصل أوغندي الذي احتفظ بجنسيته الأوغندية إلى جانب الأمريكية التي حصل عليها عام 2018، على الحاكم السابق للولاية آندور كومو (2011-2021) الذي دخل السباق مرشحا مستقلا، وحظي بتأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودعم عدد من المليارديرات الأمريكيين.

بفوز ممداني تفتح صفحة جديدة في السياسة الداخلية بالولايات المتحدة، حيث علق بنفسه على ذلك قائلا: "في عصر سياسي مظلم، ستكون نيويورك نورا. هنا سندافع عن أحبائنا. سواء كنت مهاجرا، أو شخصا أسود طرده ترامب من وظيفة فدرالية، أو أما عزباء. سنبني مدينة تقف مع اليهود وتحارب معاداة السامية، حيث يشعر مليون مسلم بالانتماء، ليس فقط في الشوارع بل في صفوف السلطة. ليست مدينة أخرى يمكنك فيها نشر الإسلاموفوبيا والفوز في الانتخابات".

تمرد على قواعد اللعبة السياسية داخليا

بدأ ممداني خطاب الفوز بمقولة من الزعيم الاشتراكي الشهير يوجين ديبز (1855-1926)، أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الأمريكي عام 1901 الذي ترشح خمس مرات لانتخابات الرئاسة، كان آخرها في السجن بعد إدانته بالعصيان لمعارضته دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، "ربما غربت الشمس عن مدينتنا هذا المساء، لكن، بإمكاني أن أرى فجر يوم أفضل للبشرية".

تمكن ابن أوغندا في اختراق المشهد السياسي الأمريكي بسرعة، والغرابة أن ذلك كان من بوابة الأفكار الاشتراكية التي تحولت بعد الحرب العالمية الثانية بفعل حملات الترهيب من المد الشيوعي إلى شبح يخشاه الأمريكيون، بعدما حضور قوي للاشتراكيين مطلع القرن الماضي في المناصب الحكومية والكونغريس والمجالس التشريعية في عدد من الولايات.

المؤكد أن الرجل لا ينتمي إلى أي من المرجعيات التي ترغب في نسبته إليها، فهو في نهاية المطاف منتوج خالص للبيئة الأمريكية، ونتيجة معركة داخل الحزب الديمقراطي بين جناح المؤسسة التقليدي وجناح العدالة الاجتماعية

نجاح ممداني لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة حملة ذكية لشاب صاعد أجاد استثمار تناقضات المشهد السياسي الداخلي، فأن يختار المواطنون في أقوى مدينة رأسمالية في العالم مهاجرا ومسلما واشتراكيا، معناه ذلك أن إمكانيات الفعل في اللعبة السياسة لا تزال قائمة، وأن السياسة تستعاد من يد المال والنفوذ والتحكم.

لا يتردد الرجل في تسمية الأشياء بمسمياته، بلغة صريحة ومباشرة، لا تُجامل ولا تنحاز إلى التسويات أو المراوغة، فقد انتقد أثرياء نيويورك بشكل علني، ومعهم نتنياهو وحرب الإبادة ضد الفلسطينيين، وتعهد باعتقال زعيمها إذا دخل مدينة نيويورك. وقال بأنه لا يستطيع دعم دولة تعرف نفسها رسميا كدولة يهودية، وتمنح الفلسطينيين حقوقا أدنى.

حتى في اللحظات الفارقة لم يتردد في الوفاء لهذا الأسلوب، حين خالف المرشحين أثناء المناظرة بينهم في الجواب عن سؤال أول بلد سيزورونه بعد انتخابهم، بإجماعهم على أن يكون إسرائيل، طمعا في استمالة الصوت اليهودي، باستثناء ممداني الذي قال: "لن أسافر إلى أي بلد وسأظل في نيويورك لأتابع احتياجات أهلها، وأركز على مطالبهم".

لم يكن الجواب مراوغة بقدر ما هو التزام سياسي، فالبرنامج الذي دخل به السباق الانتخابي اجتماعي قريب من معاناة الطبقات الوسطى والفقراء، وضحايا نظام رأسمالي قاس يخدم الأثرياء والأقوياء، ولا يعرف شيئا اسمه التكافل الاجتماعي أو الرعاية الخاصة للفئات الهشة، في مدينة سجل ارتفاعا في نسبة المشردين ب 18٪ خلال عام 2024، بسبب ارتفاع تكاليف الإسكان والكوارث الطبيعية وارتفاع الهجرة إلى المدن الكبيرة.

وقد سبق للرجل أن جسد ذلك عمليا، حين دخل عام 2021 على خط أزمة ديون سائقي سيارة الأجرة في نيويورك، بعد قيام عمدة المدينة آنذاك مايكل بلومبرغ برفع تكلفة رخصة الحيازة لتصل إلى 750 ألف دولار، بأقساط شهرية يصعب تحصيلها بعد بلوغها 1500 دولار، ما تسبب في انتحار تسعة سائقين. وشارك بمعيتهم في الاعتصام المفتوح أمام مبنى البلدية، واعتقل معهم، قبل أن ترضخ السلطات لمطلبهم، واليوم صار مطلبهم ركنا في برنامج ممداني بعزمه جعل نيويورك مدينة يمكن تحمل تكاليفها، بدلا من أن يجبر الغلاء الفاحش فيها أفواجا من سكانها على تركها إلى مدن وولايات أخرى، وهو ما يحدث منذ سنوات.

يختار المواطنون في أقوى مدينة رأسمالية في العالم مهاجرا ومسلما واشتراكيا، معناه ذلك أن إمكانيات الفعل في اللعبة السياسة لا تزال قائمة، وأن السياسة تستعاد من يد المال والنفوذ والتحكم

تخطى الشاب الصاعد عائق الأموال الباهظة التي تلزم للقيام بحملة انتخابية فعالة في بلد مثل الولايات المتحدة، حيث المال عصب السياسة. واعتمد بدلا عن دعم الشركات والأغنياء الذين انتقدهم صراحة على التطوع، بحملة استبدلت المال السياسي والتقاليد الحزبية المعروفة بوسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت الكثير من قواعد اللعبة الانتخابية في الولايات المتحدة.

في خطاب الفوز بعث ممداني رسالة شكر لهؤلاء مؤكدا أنه ليس البطل الوحيد في صناعة هذه "الملحمة السياسية"، فهناك جنود خفاء على كل الجبهات، بقوله: "أنتم أكثر من 100 ألف متطوع حولتم هذه الحملة إلى قوة لا تقهر. بفضلكم، سنجعل نيويورك مدينة يجبها العمال، ويعيشون فيها من جديد. مع كل باب طرقتموه، وكل توقيع على عريضة حصلتهم عليه، وكل حوار جاد، قضيتهم على المسخرة التي أصبحت تميز سياستنا".

ممداني مسار سياسي ملهم للأفارقة

تفاوتت القراءة لواقعة انتصار ممداني بين من سوّقه انتصارا للعرب والمسلمين، ومن رأى فيما حدث اختراقا يساريا في عاصمة الرأسمالية العالمية، وثالث قرأه دليلا على انفتاح الغرب على التنوع واستيعاب الأقليات، فنجاح هذا الشاب القادم من الشرق الأفريقي مثال حي على قدرة المهاجرين على اختراق أعلى مستويات السلطة في الغرب.

أيا تكن زاوية النظر للحدث، فالحقيقة المؤكدة أن الرجل لا ينتمي إلى أي من هذه المرجعيات التي ترغب في نسبته إليها، فهو في نهاية المطاف منتوج خالص للبيئة الأمريكية، ونتيجة معركة داخل الحزب الديمقراطي بين جناح المؤسسة التقليدي وجناح العدالة الاجتماعية، بقيادة بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو، وانتصاره يشكل انقلابا ثقافيا في صورة القيادة السياسية في البلاد بصرف النظر عن أدائه السياسي، فالشاب في النهاية لا يحمل برنامجا ثوريا لقلب الطاولة على النظام الأمريكي.

في المقابل، خلق فوز ممداني صدى مختلفا في أفريقيا مسقط رأسه، فهذا الشاب القادم من أوغندا تجاوز حدود التمثيل لتولي منصبا تنفيذيا في مركز عاصمة المال، ونجح في نقل خطاب اليسار من دوائر النخب في الجامعة والصالونات نحو سياسات شعبية متجذرة في قضايا المعيش اليومي للمواطنين (الإسكان والأجور والتعليم والصحة...).

يشكل انتصار ممداني انقلابا ثقافيا في صورة القيادة السياسية في البلاد بصرف النظر عن أدائه السياسي، فالشاب في النهاية لا يحمل برنامجا ثوريا لقلب الطاولة على النظام الأمريكي

في مسار الرجل دروس للشباب في أفريقيا، وفي أوغندا التي تعيش على وقع ركود سياسي منذ أربعة عقود، حيث يجثم الرئيس يوري موسيفيني على الحكم منذ عام 1986، ويستعد لخوض السباق الانتخابي مطلع العام القادم، رغم تزايد الأصوات المطالبة بضرورة انسحابه من المشهد السياسي.

علق جويل سينيوني زعيم المعارضة في البرلمان على الحدث، بقوله: "فوز ممداني يعد دافعا كبيرا حتى لنا هنا في أوغندا، لأنه يثبت أن الأمر ممكن، لكن أمامنا طريق طويل لنقطعه". فيما عمد الصحفي نيكولاس سينغو إلى مقارنة ما ذلك بأحوال بلاده، فكتب "بينما يصعد ممداني إلى رئاسة واحدة من أكبر المدن في العالم، لا يزال أبناء جيله في كمبالا يكافحون لمجرد تنظيم تجمع سياسي دون خوف من القمع".

لم يعد فوز ممداني مجرد حدث أمريكي بقدر ما هو رسالة عابرة للحدود تؤكد أن المد الشعبوي مهما كانت قوته، لن يقو على تقويض الديمقراطية التي تبقى متقدة باستمرار، وتحتاج فقط إلى من يملك الشجاعة لنفض عنها الغبار، بنفس جديد جرئي وصادق، قريب من قضايا ومعيش المواطنين، ما يعني في المحصلة إعادة بث المعنى النبيل في السياسية بعدما أفسدتها سطوة رجال المال والأعمال.