تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

زامبيا تحت ضغط الجفاف: كيف تحولت أزمة الكهرباء إلى اختبار لاقتصاد النحاس؟

16 مايو, 2026
الصورة
زامبيا تحت ضغط الجفاف: كيف تحولت أزمة الكهرباء إلى اختبار لاقتصاد النحاس؟
Share

لم يكن الجفاف الذي ضرب زامبيا مجرد أزمة مناخية عابرة، ولا موسمًا مطيرا سيئًا يمكن تجاوزه مع أول هطول جديد للأمطار. في بلد يعتمد بصورة كبيرة على الطاقة الكهرومائية، تحوّل انخفاض منسوب المياه إلى أزمة كهرباء، ثم إلى اختبار مباشر لنموذج اقتصادي يقوم على النحاس، أحد أهم معادن التحول الطاقي عالميا. هكذا، وجدت زامبيا نفسها أمام مفارقة حادة، دولة تمتلك معدنًا يحتاجه العالم لبناء شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، لكنها لا تملك بعد نظام طاقة قادر على حماية اقتصاد هذا المعدن من تقلبات المناخ.

تأتي أهمية هذه المفارقة من أن النحاس لم يعد معدنًا تقليديًا في الاقتصاد العالمي. فالبنك الدولي يضع زامبيا ضمن الدول التي تملك فرصة واضحة للاستفادة من طفرة الطلب على معادن التحول الطاقي، لكنه يربط هذه الفرصة بشروط محددة؛ أبرزها توافر كهرباء نظيفة وموثوقة وتنافسية، وتحسين النقل واللوجستيات، وتوسيع المهارات، وإضافة قيمة محلية إلى المعادن بدل الاكتفاء بتصدير الخام. بمعنى آخر، لا تكمن المشكلة في وجود النحاس، بل في القدرة على تحويله إلى مسار تنموي متماسك.

تملك زامبيا موقعا مهما في سوق النحاس الأفريقي والعالمي، فوفق بيانات الفاو، تعد سابع أكبر منتج للنحاس في العالم، حيث يشكل نحو 70٪ من حصيلة صادراتها في عام 2021، وهي نسبة تكشف مدى اعتماد الاقتصاد على معدن واحد بدرجة تجعل أي اضطراب في إنتاجه أو تصديره قضية وطنية، لا مجرد مشكلة قطاعية. هذا وبلغت حصيلة صادرت النحاس المكرر، وفقا لوكالة الإحصاء الزامبية، 20.2 مليار كواشا في يناير/ كانون الثاني 2026، قبل أن تتراجع إلى 19.4 مليار كواشا في فبراير/ شباط، ثم إلى 17.3 مليار كواشا في مارس/آذار من نفس العام. كما انخفضت الكميات المصدرة من 78.1 ألف طن متري إلى 77.2 ألف طن، ثم 68.6 ألف طن في نفس الأشهر. هذه الأرقام لا تعني وحدها أزمة هيكلية، لكنها تظهر حساسية الاقتصاد تجاه حركة النحاس، سعرا وكمية.

تظهر تلك الحساسية أيضا في تقديرات النمو، فالبنك الدولي يشير إلى أن الاقتصاد الزامبي نما بنحو 4٪ عام 2024 رغم الجفاف وانقطاعات الكهرباء، مدفوعا بتعافي التعدين والخدمات، مع توقع نمو حقيقي قدره 5.8٪ في 2025، ومتوسط 6.5٪ خلال 2026-2027. لكن هذه التوقعات المتفائلة ليست هدية مجانية من السوق العالمي، بل مشروطة باستمرار زخم التعدين، وتحسن الزراعة بعد الجفاف، وإصلاح قطاع الطاقة. وببساطة مؤلمة قليلًا: لا توجد طفرة نحاس مستقرة فوق شبكة كهرباء قلقة.

كيف صار الجفاف أزمة كهرباء؟

تبدأ القصة من الماء، فزامبيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الكهرومائية، وجدت نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: كل تراجع في منسوب المياه ينعكس مباشرة على القدرة على توليد الكهرباء. وتشير الفاو إلى أن الطاقة الكهرومائية تمثل نحو 94٪ من إنتاج الكهرباء في البلاد، وهو ما جعل الجفاف يتحول سريعًا من أزمة زراعية ومناخية إلى أزمة طاقة تضغط على النشاط الاقتصادي بأكمله. فحين تنخفض المياه، لا تتراجع المحاصيل وحدها، بل تتراجع معها قدرة المصانع والمناجم والشركات والأسر على الحصول على كهرباء مستقرة.

إن قدرة زامبيا على الاستفادة من طفرة الطلب العالمي على النحاس لن تُقاس بحجم الاحتياطيات أو الاستثمارات التعدينية وحدها، بل بقدرتها على تأمين طاقة مستقرة وميسورة التكلفة

توضح بيانات البنك الأفريقي للتنمية حجم هذه الصدمة المركبة؛ إذ تباطأ نمو الناتج المحلي الحقيقي في زامبيا من 5.4٪ عام 2023 إلى 4٪ عام 2024، نتيجة جفاف غير مسبوق خفّض الإنتاج الزراعي، وتسبب في نقص كهرباء قدره 73٪، إلى جانب تراجع إنتاج الذرة، الغذاء الرئيسي في البلاد، بنسبة 54٪. تكشف هذه البيانات أن أزمة الكهرباء لم تكن ملفا قطاعيا منفصلًا، بل كانت جزءًا من صدمة أوسع ضربت الغذاء والطاقة والنمو في الوقت نفسه.

مع انحسار آثار الجفاف تدريجيا، يتوقع صندوق النقد الدولي تعافي النمو إلى 5.8٪ في عام 2025، مدفوعًا بتحسن الإنتاج الزراعي واستمرار الأداء القوي في قطاعي التعدين والخدمات. غير أن هذا التعافي يظل مشروطًا بعوامل لا تقل أهمية عن تحسن الأمطار، وفي مقدمتها توسيع الاستثمارات التعدينية، والحفاظ على الانضباط المالي، وتسريع الإصلاحات الهيكلية الداعمة لنشاط القطاع الخاص والتنويع الاقتصادي. وفي قلب هذه الشروط تقف الكهرباء باعتبارها الحلقة التي قد تسمح بتحويل التعافي إلى مسار مستدام، أو تعيده مجددًا إلى دائرة الهشاشة مع أول صدمة مناخية جديدة.

هل يتحول النحاس إلى فرصة أم إلى قيد جديد؟

تسعى زامبيا إلى توسيع إنتاجها من النحاس خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من ارتفاع الطلب العالمي على المعادن المرتبطة بالتحول الطاقي. ووفق تقديرات نقلتها رويترز عن وزارة المالية الزامبية، تستهدف البلاد تجاوز إنتاج مليون طن متري من النحاس في عام 2026، والوصول إلى 1.3 مليون طن متري بحلول عام 2028، بالتوازي مع توقعات بنمو الاقتصاد بنحو 5.8٪ في 2025 و6.4٪ في 2026.

إن المخاطر المناخية أصبحت تؤثر بالفعل على الزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية ودخل الأسر، خاصة في المناطق الريفية والفئات الأقل قدرة على التكيف

تستند هذه التوقعات إلى توسعات استثمارية كبرى في قطاع التعدين، من بينها توسعة منجم Kansanshi بقيمة 1.25 مليار دولار، وتوسعة مشروع Lumwana بقيمة ملياري دولار. غير أن هذا الطموح الإنتاجي يضع قطاع الكهرباء في قلب المعادلة. فزيادة إنتاج النحاس لا تعني فقط فتح مناجم جديدة أو توسيع الطاقة الاستخراجية، بل تعني أيضًا طلبًا أعلى على الكهرباء في بلد كشفت موجات الجفاف الأخيرة حساسية نظامه الكهربائي المعتمد على الطاقة الكهرومائية.

إن قدرة زامبيا على الاستفادة من طفرة الطلب العالمي على النحاس لن تُقاس بحجم الاحتياطيات أو الاستثمارات التعدينية وحدها، بل بقدرتها على تأمين طاقة مستقرة وميسورة التكلفة، تسمح بتحويل هذا التوسع إلى نمو اقتصادي مستدام.

هل بدأت زامبيا الخروج من فخ الطاقة الكهرومائية؟

بدأت زامبيا تتحرك نحو تنويع مصادر الكهرباء بعد أن كشفت أزمة الجفاف حدود الاعتماد الكبير على الطاقة الكهرومائية. ففي يونيو/حزيران 2025، افتُتح مشروع Chisamba للطاقة الشمسية بقدرة 100 ميجاوات، باعتباره أكبر مشروع شمسي متصل بالشبكة في البلاد. تم تخصيصه لتزويد شركة First Quantum Minerals، إحدى شركات تعدين النحاس الكبرى، بالكهرباء. ووفقًا لرويترز، يستهدف المشروع تخفيف الاعتماد على واردات الكهرباء من جنوب أفريقيا وموزمبيق، وتحرير جزء من الإمدادات المحلية التي كانت ستُوجه إلى التعدين لصالح مستهلكين آخرين، مع خطط لإضافة 100 ميجاوات أخرى ضمن المشروع نفسه.

زيادة إنتاج النحاس لا تعني فقط فتح مناجم جديدة أو توسيع الطاقة الاستخراجية، بل تعني أيضًا طلبًا أعلى على الكهرباء في بلد كشفت موجات الجفاف الأخيرة حساسية نظامه الكهربائي المعتمد على الطاقة الكهرومائية

غير أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في قدرته الإنتاجية، بل في الدلالة التي يحملها: مستقبل النحاس في زامبيا لن يتحدد داخل المناجم وحدها، بل في قدرة الدولة على بناء مزيج طاقة أكثر تنوعًا وأقل تعرضًا للصدمات المناخية. فتقرير البنك الدولي لعام 2025 حول معادن التحول الطاقي يربط استفادة زامبيا من طفرة النحاس بتوافر كهرباء موثوقة وتنافسية، إلى جانب تعظيم العائد المالي من التعدين وتطوير سلاسل القيمة المحلية. كما يشير تقرير البنك الدولي للمناخ والتنمية لعام 2026 إلى أن المخاطر المناخية أصبحت تؤثر بالفعل على الزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية ودخل الأسر، خاصة في المناطق الريفية والفئات الأقل قدرة على التكيف.

ولذلك، لا يمكن النظر إلى الطاقة الشمسية باعتبارها حلًا منفردًا لأزمة الكهرباء، بل كجزء من تحول أوسع في قطاع الطاقة. فالمطلوب لا يقتصر على إضافة قدرات توليد جديدة، وإنما يمتد إلى إصلاح سوق الكهرباء، وتحسين كفاءة الشبكة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز قدرة النظام الكهربائي على الصمود أمام مواسم الجفاف. عند هذه النقطة فقط، يمكن أن تصبح الطاقة المتجددة رافعة حقيقية لاقتصاد النحاس، لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمة متكررة.