تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

ظاهرة "الجنجويد": من التوصيف العسكري إلى التحليل السوسيولوجي

17 يناير, 2026
الصورة
ظاهرة "الجنجويد": من التوصيف العسكري إلى التحليل السوسيولوجي
Share

تنبع أهمية الاشتغال على المفاهيم في الحالة السودانية من كون الحرب الجارية ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل انفجارًا مفاهيميًا بقدر ما هي انفجارًا ميدانيًا. فالحرب لم تُنتج فقط قتلى ونازحين وخرابًا ماديًا، بل كشفت عن هشاشة اللغة التي نصف بها الدولة والجيش والميليشيا والريف والمواطنة والعنف. في هذا السياق، يصبح التعامل مع المفاهيم لا بوصفها أدوات نظرية محايدة، بل باعتبارها ميادين صراع معرفي، شرطًا لفهم ما جرى ويجري، ولتجنب إعادة إنتاج العمى التحليلي الذي رافق أزمات السودان السابقة.

نحاول في هذا الإطار بناء مقاربات مفاهيمية لا تنطلق من توصيفات جاهزة ولا من استعارات مستوردة، بل من اختبار المفهوم نفسه داخل التجربة السودانية. فمفاهيم مثل: الدولة والميليشيا والهوية والريف والعنف، حين تُستخدم دون مساءلة تاريخها المحلي، تتحول إلى أقنعة تفسيرية تخفي أكثر مما تكشف. فقد أظهرت الحرب الحالية، بوضوح قاسٍ، أن كثيرًا من تلك المفاهيم جرى تداولها كما لو كانت بديهية، بينما هي نتاج تاريخ طويل من تسليح المجتمع، وترييف السياسة، وهي عمليات لا يمكن فهمها إلا بإعادة تفكيك اللغة التي صاغتها.

إن الاشتغال المفاهيمي هنا لا يعني الهروب إلى التجريد، بل العكس تمامًا؛ العودة إلى الواقع عبر المفهوم. فمناقشة ظاهرة الجنجويد مثلًا، لا تستقيم دون مساءلة الطريقة التي جرى بها تحويل جماعات اجتماعية كاملة إلى "ميليشيا" في الخطاب العام، ولا دون تفكيك العلاقة بين هذا المفهوم وبين الدولة التي أنشأته، والريف الذي خرج منه، والحرب التي أعادت إنتاجه. وكذلك الحال مع مفاهيم مثل: "العقل الرعوي"، أو "الدولة الفاشلة"، أو "الصراع الإثني"، التي قد تبدو تفسيرية في ظاهرها، لكنها تحمل أحكامًا معيارية تجرّم جماعات أو تبرّئ بنى كاملة من المساءلة.

المسار الذي نتبناه لا ينظر إلى المفاهيم كترف أكاديمي، بل أداة ضرورية لفهم الحرب، ومساءلة أسبابها، والتفكير في شروط تجاوزها. فقبل البحث عن حلول سياسية أو تسويات عسكرية، تظل الحاجة ملحّة لإعادة بناء اللغة التي نفكر بها في السودان، لأن الحرب التي تُفهم بمفاهيم معطوبة، لا يمكن أن تُنهي إلا بإعادة إنتاج نفسها.

سوسيولوجيا الجنجويد

تأتي مقاربة ظاهرة الجنجويد في الفكر السوداني المعاصر بوصفها ساحة اشتباك نظري كثيف، لا يدور فقط حول توصيف العنف أو إدانته، بل حول منهج فهمه وحدود السياسة في تفسيره. فالجنجويد، منذ ظهورهم في سياق حرب دارفور، لم يكونوا مجرد تشكيل مسلح ارتبط بجرائم واسعة النطاق، بل تحولوا إلى علامة كاشفة عن أزمة أعمق في بنية الدولة، وفي علاقتها بالريف وبالأرض وبالعنف المفوَّض. ومن هنا، فإن أي قراءة لا تضع هذه الظاهرة في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي الواسع، إنما تخاطر بإعادة إنتاج الاختزال الذي ساهم أصلًا في تعقيد الأزمة بدل تفكيكها.

في هذا الإطار، يكتسب الربط بين منظور محمود ممداني وأعمال عبد الله علي إبراهيم أهمية خاصة، لا باعتباره توافقًا فكريًا كاملًا بقدر ما هو حوار نقدي متوتر حول الدولة والميليشيا والهوية والريف. يقدّم ممداني إطارًا تحليليًا يرى في الجنجويد نتاجًا مباشرًا لبنية الدولة ما بعد الاستعمارية، التي ورثت منطق الحكم غير المباشر، وأعادت إنتاجه عبر تسليح الجماعات المحلية وتسييس الهويات. أما عبد الله علي إبراهيم، فينطلق من انحياز صريح للدولة بوصفها الإطار الضروري لضبط العنف، لكنه لا يتردد في تفكيك تاريخها الريفي، ونقد سياساتها التي حوّلت الأرض والقبيلة إلى أدوات حرب، وأسست لاقتصاد عنف طويل الأمد.

تقترب فلينت من ممداني في تحميل الدولة مسؤولية إنتاج الجنجويد، لكنها تختلف عنه في تركيزها على التفاصيل الدقيقة لكيفية حدوث ذلك؛ من تجنيد الأفراد إلى توزيع السلاح إلى إدارة العلاقة بين الميليشيا والأجهزة الرسمية

يتعمق هذا المنظور النقدي حين يُقرأ نقد عبد الله علي إبراهيم لمفهوم "العقل الرعوي" الذي طرحه النور حمد، باعتباره رفضًا حاسمًا لأي محاولة لتحويل العنف إلى صفة ذهنية أو ثقافية ثابتة. فهذا النقد لا ينفصل عن تفكيكه لمفهوم الجنجويد نفسه، لأن الاثنين يشتركان في خطر واحد؛ جوهرنة العنف وتحويله من نتاج تاريخي قابل للفهم والتغيير إلى هوية مغلقة تُلصق بجماعة اجتماعية كاملة. في مواجهة هذا المسار، يراهن عبد الله على التاريخ والسياسة والبنية الاجتماعية، لا على الذهنية والثقافة، بوصفها مفاتيح الفهم والتجاوز.

إن هذه المقاربة التي تجمع بين نقد ممداني البنيوي، وانحياز عبد الله علي إبراهيم للدولة، واعتراضه على الاختزال الثقافي في تفسير العنف، تسعى إلى تقديم مدخل مختلف لفهم الجنجويد والحرب في السودان. مدخل لا يكتفي بإدانة الظاهرة، بل يسائل شروط إنتاجها، ولا يشيطن الفاعلين بقدر ما يحمّل البنى مسؤوليتها، واضعًا السؤال المركزي في مكانه الصحيح؛ كيف يمكن تفكيك إرث العنف المفوَّض، وبناء دولة قادرة على احتكار القوة دون إعادة إنتاج أسباب الحرب؟

ممداني ومنقذو دارفور

لا يمكن مقاربة ظاهرة الجنجويد بوصفها انفجارًا فجائيًا للعنف أو انحرافًا أخلاقيًا معزولًا عن سياقه، بل نتاجًا تاريخيًا وسياسيًا لبنية حكم أعادت إنتاج العنف كأداة إدارة في الأطراف. هذا هو المنظور الذي يقدمه المفكر الأوغندي محمود ممداني، والذي يشكّل أحد أهم المداخل النظرية لفهم ما جرى في دارفور، وما سيتقاطع لاحقًا بعمق مع أطروحات عبد الله علي إبراهيم في كتابه "جنجويد وحاكورة". فممداني، في تحليله، يرفض السردية الاختزالية التي قدّمت الجنجويد كميليشيات قبلية عربية منفلتة، ويرى أن هذه القراءة الأخلاقية، رغم قوتها التعبوية، تُغفل السؤال الجوهري المتعلق بكيفية صناعة هذا العنف، ومن الذي نظّمه وأدار شروط اشتغاله.

ينطلق ممداني من فكرة مركزية مفادها أن الجنجويد ليسوا قوة خارجة عن الدولة، بل هم أحد تجلياتها المشوّهة، وامتداد لسياسات استعمارية وما بعد استعمارية اعتمدت على الحكم غير المباشر وتسليح الجماعات المحلية وربط العنف بالولاء السياسي. فالدولة في السودان، كما في غيره من دول أفريقيا ما بعد الاستعمار، لم تعمل على تفكيك البنية الاستعمارية لإدارة الريف، بل ورثتها وأعادت توظيفها، فحوّلت النزاعات الاجتماعية حول الأرض والموارد إلى أدوات حرب، وأعادت تعريف الهويات المحلية بوصفها هويات سياسية متصارعة. في هذا السياق، لا تصبح الهوية العرقية سببًا للصراع، بل لغته، ولا يكون الجنجويد تعبيرًا عن وعي إثني صافٍ، بل نتيجة عملية طويلة من إعادة التصنيف والتسليح والتفويض.

يربط ممداني صعود الجنجويد كذلك بانهيار منظومات التعايش التقليدية في دارفور تحت ضغط التصحر والتغيرات البيئية وتقلص الموارد، غير أن هذه العوامل، في نظره، لم تكن كافية لإنتاج العنف واسع النطاق لولا تدخل الدولة التي أعادت تنظيم الصراع الاجتماعي ضمن منطق الحرب المضادة. وهنا، يصبح الجنجويد قوة هجينة؛ ضحايا تاريخ طويل من التهميش الاقتصادي والسياسي من جهة، وأداة عنف منظم تُدار من أعلى من جهة أخرى. هذا التعقيد هو ما يجعل مقاربة ممداني بعيدة عن ثنائية الجلاد والضحية، وقريبة من تحليل البنية التي تنتج الاثنين معًا.

هذا المدخل النظري يكتسب أهميته القصوى عند الانتقال إلى قراءة كتاب "جنجويد وحاكورة" لعبد الله علي إبراهيم، إذ يلتقي العملان عند نقطة مركزية مفادها أن فهم العنف في دارفور يستحيل دون تفكيك بنية الريف ونظام الأرض ودور الدولة في إعادة إنتاج الصراع. فإذا كان ممداني قد ركّز على الدولة كمنتج للميليشيا، فإن عبد الله علي إبراهيم يذهب أبعد في تشريح الريف ذاته، كحقل اجتماعي صدئ، تتداخل فيه أنماط إنتاج تقليدية، وأنظمة ملكية عرفية، وعلاقات طبقية مهملة في التحليل السياسي السائد.

إذا كان ممداني قد ركّز على الدولة كمنتج للميليشيا، فإن عبد الله علي إبراهيم يذهب أبعد في تشريح الريف ذاته، كحقل اجتماعي صدئ، تتداخل فيه أنماط إنتاج تقليدية، وأنظمة ملكية عرفية، وعلاقات طبقية مهملة في التحليل السياسي السائد

وعليه، فإن إضافة منظور ممداني لا تُعد حاشية نظرية، بل شرطًا لفهمه، لأن الاثنين يلتقيان عند فكرة أن الجنجويد ليسوا استثناءً سودانيًا، بل نموذجًا لكيفية اشتغال الدولة حين تفشل في التحول إلى دولة مواطنة، وتنجح فقط في إعادة إنتاج العنف عبر وكلاء محليين. ومن هنا، تصبح دراسة الجنجويد، في هذا السياق المركب، مدخلًا لفهم أزمة الدولة السودانية ذاتها، لا مجرد فصل من فصول حرب دارفور.

جنجويد وحاكورة

صدر كتاب "جنجويد وحاكورة؛ الماركسية وصدأ الريف" للدكتور السوداني عبد الله علي إبراهيم عام 2025 عن دار المصورات بالخرطوم، وهو عمل فكري وسياسي يقدّم قراءة نقدية معمّقة للصراع في إقليم دارفور في السودان، من منظور يحاول تجاوز التحاليل السائدة التي تفسّر الأزمة فقط من خلال سياسات الهوية أو الدوافع العرقية، وبدلاً من ذلك يضع الجذور المادية والاجتماعية للصراع في صراع طبقي حول الأرض والموارد، وفي صراع بين أنماط اجتماعية مختلفة في الريف السوداني.

في هذا الكتاب، يؤسس إبراهيم لتحليل معقد ومتشعب يأخذنا إلى لبّ ما يصفه بـ «صدأ الريف»؛ وهي استعارة تعبر عن تآكل البنية الاجتماعية والاقتصادية في الأرياف السودانية، واستمرار تراكمات تاريخية من الظلم والتهميش تقف وراء أبرز أشكال العنف المسلح. يركّز الكتاب على مفهومي الجنجويد والحاكورة كرمزين اجتماعيين وسياسيين. الجنجويد هنا لا يقتصر على كونه اسم ميليشيات أو فصيل مسلح فحسب، بل يُعاد تحليله كنتاج لهيكل اجتماعي وسياسي أعمق، نتج عن تهميش واحتقان تاريخي في الريف. أما الحاكورة فترمز إلى النظام التقليدي للملكية الزراعية في الريف السوداني، والذي لعب دوراً حاسماً في تشكيل علاقات الطبقات والتحالفات داخل المجتمع الريفي.

يرى إبراهيم أن التحليلات السائدة للأزمة في دارفور، خصوصاً تلك التي تبناها اليسار التقليدي والحزب الشيوعي السوداني، كانت - في نظره - مختزلة أو غير كاملة، لأنها عالجت القضية من منظارها السلطوي والهووي فقط، دون التأكيد بقدر كافٍ على البُعد الطبقي والاقتصادي والاجتماعي للصراع على الأرض والموارد. فالحزب الشيوعي، بحسب إبراهيم، في محاولته فهم النزاع، تجاهل الإطار المادي للصراع بين أنماط إنتاج تقليدية وأنظمة الهيمنة الحديثة، مفضلاً تحليلات أكثر بساطة تركز على الهوية والأبعاد الثقافية فقط.

الكتاب، في جوهره، ليس مجرد دراسة لحالات العنف أو النزاع القبلي، بل محاولة لفهم العمق الاجتماعي التاريخي لما حدث في دارفور من منظور يركّز على بنية الريف والملكية الزراعية والعلاقات الطبقية فيه. استخدم المؤلف مفاهيم نقدية ليبيّن أن فهم الأزمة يتطلب تجاوز القراءات التقليدية، وتبنّي منظورا شاملا يأخذ في الاعتبار تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهذا ما يجعله عملاً استثنائياً في الأدب السياسي السوداني المعاصر، إذ لا يكتفي بتسجيل الأحداث أو إدانة الأطراف، بل يحاول تفسير لماذا وكيف تشكلت هذه الميليشيات، وما الذي يجعل الريف مثل مسرح لهذا العنف المستدام.

موقف عبد الله المعقد

في مقالاته عن الحرب، لا يخفي عبد الله علي إبراهيم موقفه المؤيد للدولة بوصفها الإطار الوحيد الممكن لإنهاء العنف، وهو يرى أن انهيار الدولة أو الحياد تجاه تفككها يفتح الباب أمام سيادة الميليشيا والاقتصاد الحربي. انحيازه هنا ليس أخلاقيًا مجردًا، بل نابع من قناعة تاريخية بأن السودان، بتعدديته الاجتماعية والإثنية، لا يمكن أن يُحكم بمنطق القوى المحلية المسلحة أو الترتيبات الهجينة، وأن أي تسوية لا تعيد الاعتبار لمركزية الدولة ستعيد إنتاج الحرب بأشكال أخرى. بهذا المعنى، فإن عبد الله لا يقف على مسافة واحدة من الجيش والدعم السريع، بل يعتبر الصراع بينهما صراعًا بين دولة معطوبة وقوة وُلدت من رحمها ثم تمرّدت عليها.

غير أن هذا الانحياز لا يلغي نقده الجذري لتاريخ الدولة نفسها. ففي كتاباته، تظهر الدولة السودانية ككيان فشل في التحول إلى دولة مواطنة، لكنه يظل، رغم ذلك، الإطار الذي لا بديل عنه. هنا تحديدًا يختلف عبد الله علي إبراهيم عن محمود ممداني. فممداني يتعامل مع الدولة ما بعد الاستعمارية بوصفها بنية يجب تفكيك منطقها العنيف قبل إعادة بنائها، بينما يرى عبد الله أن تفكيك الدولة في السياق السوداني ليس خيارًا تحرريًا بل وصفة للفوضى.

هذا الاختلاف ينعكس بوضوح في مقاربة الجنجويد. فبينما يضع ممداني الجنجويد في قلب منطق الدولة، إلى حد تحميل الدولة المسؤولية الأولى عن وجودهم، يميل عبد الله علي إبراهيم إلى قراءة الجنجويد كنتاج لانحراف الدولة عن وظيفتها، لا كتجسيد جوهري لها. الدولة، في قراءته، أخطأت حين فوّضت العنف، لكنها تظل، نظريًا وتاريخيًا، صاحبة الحق في احتكار القوة. لذلك فإن الحرب الحالية، في مقالاته، ليست فقط نتيجة لمسار طويل من تسليح الأطراف، بل لحظة اختبار حاسمة. إما استعادة الدولة لسلطتها، أو انهيارها الكامل لصالح اقتصاد الميليشيا.

هذا الانحياز للدولة يفسّر لماذا تبدو كتابات عبد الله أحيانًا وكأنها تصحّح راديكالية ممداني. فهو لا يرفض تحليل ممداني للجنجويد كظاهرة بنيوية، لكنه يرفض الاستنتاج الضمني الذي قد يُفهم منه أن الدولة والميليشيا سواء في المسؤولية السياسية والأخلاقية. عند عبد الله، هناك فرق نوعي بين دولة فاشلة قابلة للإصلاح، وقوة مسلحة لا مشروع لها سوى استمرار الحرب. ومن هنا يأتي دفاعه عن الجيش لا بوصفه مؤسسة مكتملة، بل بوصفه آخر ما تبقى من فكرة الدولة في مواجهة التفكك الشامل.

بهذا المعنى، لا يُقرأ انحياز عبد الله علي إبراهيم للدولة كتناقض مع نقده للجنجويد والحاكورة، بل كجزء من مشروعه الفكري الأوسع؛ تفكيك الريف المسلّح دون تفكيك الدولة، ونقد تاريخ العنف دون تسويغ انهيار المركز. وهذا ما يجعل موقعه الفكري بالغ الحساسية؛ فهو يقف بين تحليل بنيوي يعترف بمسؤولية الدولة التاريخية عن إنتاج العنف، وبين موقف سياسي يصرّ على أن الخروج من الحرب لا يكون إلا عبر استعادة الدولة، لا تجاوزها.

يمكن قراءة نقد عبد الله علي إبراهيم لمفهوم «العقل الرعوي» الذي طرحه النور حمد بوصفه جزءًا من نقد مغامر ومضاد للتبسيط في مقاربة ظاهرة الجنجويد، لا باعتباره سجالًا فكريًا معزولًا، بل معركة منهجية ضد تحويل العنف إلى صفة ثقافية أو ذهنية ثابتة. فعبد الله، في اعتراضه على مفهوم العقل الرعوي، لا يدافع عن الرعاة كفئة اجتماعية فحسب، بل يدافع عن التاريخ بوصفه حقل تفسير في مواجهة أنسنة العنف أو ثقافته.

ممداني يتعامل مع الدولة ما بعد الاستعمارية بوصفها بنية يجب تفكيك منطقها العنيف قبل إعادة بنائها، بينما يرى عبد الله أن تفكيك الدولة في السياق السوداني ليس خيارًا تحرريًا بل وصفة للفوضى

حاول النور حمد، في أطروحته حول العقل الرعوي، تفسير أنماط العنف والسلطوية في السودان من خلال بنية ذهنية تشكلت في سياق الرعي والترحال، ورأى أن هذه البنية أنتجت علاقة خاصة بالسلطة والغنيمة والمجال العام، وأنها تسربت من الريف إلى الدولة الحديثة. عبد الله علي إبراهيم قرأ هذا الطرح بوصفه اختزالًا خطيرًا، لأنه ينقل تفسير العنف من مستوى السياسة والاقتصاد والتاريخ إلى مستوى الذهنية والثقافة الثابتة، ويعيد إنتاج منطق استعماري قديم كان يفسر تخلف المجتمعات المحلية بسمات عقلية موروثة.

النقد المغامر الذي يقدمه عبد الله علي إبراهيم يتجلى في استعداده لمواجهة خطاب يبدو تقدميًا في ظاهره، لكنه، في رأيه، يحمل في داخله خطر شيطنة اجتماعية كاملة. فمفهوم العقل الرعوي، حين يُسقط على الجنجويد، يتحول إلى تبرير ضمني لإخراجهم من السياسة وإدخالهم في خانة “الطبيعة”، وكأنهم عاجزون بنيويًا عن التحول إلى مواطنين. عبد الله يرى أن هذا المسار الفكري، مهما كانت نواياه، يلتقي موضوعيًا مع الخطاب الذي استخدمته الدولة والنخب الحضرية لتبرير التهميش والقمع.

وهنا يتقاطع نقد عبد الله مع نقده الأوسع لمفهوم الجنجويد نفسه حين يُستخدم كتصنيف ثقافي أو أخلاقي مطلق. فكما يرفض اختزال الرعاة في "عقل رعوي"، يرفض اختزال الجنجويد في "عقل ميليشياوي" منفصل عن شروط إنتاجه. في الحالتين، الخطر واحد؛ تحويل العنف إلى هوية، والهوية إلى قدر. وهذا ما يجعل نقده مغامرًا، لأنه يواجه نزعة تفسيرية مريحة أخلاقيًا، لكنها فقيرة سياسيًا.

كما أن هذا النقد ينسجم مع انحيازه للدولة، ولكن دولة مختلفة؛ دولة تفكك البنى التي أنتجت العنف بدل أن تعيد تسويغها ثقافيًا. فعبد الله، حين يرفض مفهوم العقل الرعوي، لا يدافع عن الريف بوصفه بريئًا، بل يطالب الدولة بتحمل مسؤوليتها في إعادة تنظيم الريف والأرض والعلاقات الاقتصادية، بدل الهروب إلى تفسيرات ذهنية تعفي السياسة من المحاسبة. في هذا السياق، يصبح الجنجويد نتاج فشل الدولة في إدارة التنوع الاقتصادي والاجتماعي، لا نتيجة «عقل» سابق على الدولة.

جولي فلينت ومابعد المليشيا

يُفهم الجنجويد في مقاربة فلينت، بوصفهم نتاجًا لتقاطع الدولة مع السوق والحرب. فهي توضّح أن هذه المجموعات لم تنشأ فقط بفعل خطاب الهوية أو التهميش التاريخي، بل نتيجة قرارات عملية اتخذتها السلطة المركزية حين واجهت تمردًا مسلحًا في دارفور، فاختارت تسليح مجموعات محلية بعينها، وتوفير الغطاء القانوني والأمني لها، ثم تركها تعمل وفق منطق الغنيمة. بهذا المعنى، تقترب فلينت من ممداني في تحميل الدولة مسؤولية إنتاج الجنجويد، لكنها تختلف عنه في تركيزها على التفاصيل الدقيقة لكيفية حدوث ذلك؛ من تجنيد الأفراد إلى توزيع السلاح إلى إدارة العلاقة بين الميليشيا والأجهزة الرسمية.

الأهم في مقاربة فلينت أنها تكشف الطابع الانتهازي والبراغماتي للجنجويد. فهؤلاء، في روايتها، ليسوا حملة مشروع أيديولوجي ولا تعبيرًا عن «عقل رعوي»، بل فاعلون عقلانيون داخل اقتصاد حرب، يتحركون حيث توجد الموارد والحماية والإفلات من العقاب. وهذا التفكيك العملي للعنف ينسجم بقوة مع نقد عبد الله علي إبراهيم للاختزال الثقافي، لأنه يثبت أن الجنجويد لم يتحركوا بدافع ذهني أو هوياتي ثابت، بل ضمن حسابات سياسية واقتصادية أتاحتها لهم الدولة والحرب.

كما تضيف فلينت بعدًا مهمًا يتصل بتغيّر الجنجويد عبر الزمن. فهي تشير إلى أن هذه المجموعات لم تبقَ على حالها، بل تطورت من ميليشيات محلية مرتبطة بصراع دارفور إلى قوة عابرة للأقاليم، ثم إلى جزء من بنية السلطة نفسها، وهو مسار يضيء بشكل مباشر الحرب الحالية في السودان. هذا التحول، في قراءة فلينت، لا يمكن فهمه دون إدراك أن الدولة لم تفشل فقط في تفكيك الجنجويد، بل استثمرت فيهم، ثم فقدت السيطرة عليهم، وهو ما يلتقي مع تحذيرات عبد الله علي إبراهيم من أن تفويض العنف دون إدماج سياسي حقيقي ينتهي بانقلاب الأداة على صانعها.

وإذا كان ممداني قد قدّم الإطار البنيوي، وعبد الله علي إبراهيم قد دافع عن ضرورة الدولة مع نقد تاريخها الريفي، فإن جولي فلينت تضيف ما يشبه «التشريح الميداني» لظاهرة الجنجويد. فهي تبيّن كيف تُصنع الميليشيا خطوة خطوة، وكيف يتحول العنف إلى مورد، وكيف تتشابك المصالح المحلية مع حسابات المركز. وبذلك، تسهم مقاربتها في سد الفجوة بين النظرية والتجربة، وتمنع انزلاق التحليل إلى التعميم أو التبرير.

إدخال مقاربة جولي فلينت إلى هذا السياق لا يغيّر اتجاه القراءة، بل يعمّقها. فهي تؤكد، من موقع الشهادة والتحقيق، ما يقوله ممداني نظريًا، وما يحذّر منه عبد الله علي إبراهيم سياسيًا؛ أن الجنجويد ليسوا نتاج ثقافة بعينها، ولا ظاهرة هامشية، بل صناعة دولة في لحظة أزمة، تحولت مع الزمن إلى قوة مستقلة تهدد الدولة نفسها. وبهذا، تصبح مقاربة فلينت عنصرًا مكملًا لا غنى عنه لفهم الجنجويد، لأنها تضع الوجه الإنساني والعملي للعنف في قلب التحليل، دون أن تفصله عن بنيته السياسية العميقة.