الأحد 8 مارس 2026
بعد تسعة وأربعين عاماً من الصمود الثقافي والتراكم السينمائي، يواصل المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بمدينة خريبكة ترسيخ موقعه كأحد أعرق المنصات القارية المخصصة للسينما الأفريقية، معلناً تنظيم دورته السادسة والعشرين خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 7 يونيو/حزيران 2026، بالمملكة المغربية، تحت إشراف مؤسسة المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة.
وقال ثلاث عبد العزيز، مدير الإعلام والتواصل بالمهرجان لموقع "جيسكا"، إن هذه الدورة تأتي امتداداً لمسار طويل انطلق عام 1977، مكّن المهرجان من تنظيم خمسٍ وعشرين دورة شكلت محطات أساسية في تاريخ السينما الأفريقية، وجعلت من خريبكة فضاءً دائماً للتلاقي السينمائي والحوار الثقافي بين صناع الأفلام والنقاد والمؤسسات السينمائية بالقارة وخارجها.
حسب البرنامج العام للدورة، ستشهد التظاهرة توسعاً لافتاً في رقعتها الجغرافية، حيث ستُعرض الأفلام في 19 موقعاً موزعة على 12 مدينة تابعة لإقليم خريبكة، عبر 15 شاشة سينمائية، مع عرض أكثر من خمسين شريطاً سينمائياً أفريقياً، إلى جانب تنظيم أنشطة موازية تشمل التكوين السينمائي وورشات مهنية ولقاءات فكرية وثقافية.
سيحتضن المركب الثقافي محمد السادس حفلي الافتتاح والاختتام، إضافة إلى عروض المسابقة الرسمية للأفلام الأفريقية القصيرة والطويلة، التي تشكل القلب النابض للمهرجان، حيث تتنافس خلالها أعمال حديثة الإنتاج تُعرض لأول مرة بالمغرب، في خطوة تعكس حرص إدارة المهرجان على ربط الجمهور المحلي بأحدث تجارب السينما الأفريقية.
في صنف الفيلم الأفريقي القصير، تتنافس الأعمال المشاركة على جائزتين تمنحهما لجنة تحكيم متخصصة، هما: الجائزة الكبرى التي تحمل اسم "نجيب عياد"، وجائزة لجنة التحكيم التي تحمل اسم "بولان صومانو فييرا". أما في صنف الفيلم الأفريقي الطويل، فتتنافس الأفلام على ست جوائز رئيسية، هي: الجائزة الكبرى "عثمان صامبين"، وجائزة لجنة التحكيم "نور الدين الصايل"، وجائزة السيناريو "إدريس ويدراووغو"، وجائزة السيناريو "سمير فريد"، إضافة إلى جائزة أول دور نسائي "أمينة رشيد"، وجائزة أول دور رجالي "محمد بسطاوي".
إلى جانب لجنتي التحكيم الرسميتين، يشهد المهرجان حضور لجان تحكيم خاصة بالجوائز الثقافية، تشمل لجنة الأندية السينمائية الأفريقية، ولجنة المهرجانات السينمائية الأفريقية، ولجنة جائزة المهرجانات الأفريقية، في تأكيد على البعد التفاعلي للمهرجان مع الشبكات السينمائية القارية، ودوره في بناء جسور التعاون بين الفاعلين الثقافيين.
تتضمن الدورة تكريم شخصيتين، رجل وامرأة، من عالم السينما الأفريقية، تقديراً لمسيرتهما وإسهاماتهما في تطوير السينما بالقارة. فيما سيُعلن لاحقاً عن محور الندوة الرئيسية التي ستواكب فعاليات المهرجان، وتناقش قضايا راهنة تتعلق بالتحولات الجمالية والإنتاجية والفكرية للسينما الأفريقية.
تحتفي الدورة السادسة والعشرون بالسينما الأفريقية بوصفها ضيف الدورة، مع تخصيص فقرات نوعية من بينها عروض سينمائية موجهة للأطفال، وأنشطة داخل المؤسسات السجنية، في مقاربة تجعل من السينما أداة للتربية والتأهيل وإعادة الإدماج، وليس مجرد منتج ثقافي استهلاكي.
يواصل مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة تقليده في الانفتاح على التجارب السينمائية الوطنية بالقارة، حيث دأب على تخصيص مساحة للاحتفاء بسينمات أفريقية بعينها، بهدف التعريف بمساراتها وفتح نقاش حول تطورها وتحدياتها، فضلاً عن تعزيز التواصل بين مسؤولي قطاع السينما في البلدان الأفريقية. وفي هذا السياق، سبق للمهرجان أن استضاف السينما الموريتانية، في خطوة عكست اهتمامه بسينمات الهامش والجوار الثقافي.
ويُنظر إلى مهرجان خريبكة، منذ انطلاقه قبل ما يقارب نصف قرن، باعتباره منصة مركزية للتداول في قضايا السينما الأفريقية، سواء على مستوى تاريخها، أو رهانات إنتاجها، أو علاقتها بالمهرجانات والأسواق الدولية. كما يحتل المهرجان الرتبة الثالثة من حيث الأقدمية على مستوى القارة، بعد أيام قرطاج السينمائية بتونس، ومهرجان الفيسباكو في بوركينا فاسو، ما يمنحه مكانة رمزية خاصة في الذاكرة السينمائية الأفريقية.
في ظل ما تعرفه السينما الأفريقية من تحولات متسارعة، وتزايد حضورها في المهرجانات العالمية، تبرز أهمية هذه التظاهرات القارية بوصفها فضاءات لحماية الذاكرة السينمائية، ودعم الأصوات الجديدة، وخلق توازن ثقافي في مواجهة هيمنة السرديات البصرية القادمة من خارج القارة، وهو ما يجعل من مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة تجربة متواصلة في الدفاع عن حق أفريقيا في سرد قصصها بنفسها، وعلى شاشاتها الخاصة.