السبت 13 يونيو 2026
يوافق الخامس والعشرين من مايو/آيار الجاري ذكرى يوم التحرير الأفريقي، وهي المناسبة التي تستعيد فيها شعوب القارة الأفريقية تاريخا طويلا من النضال ضد الاستعمار والتمييز والاستغلال. ففي هذا اليوم توحدت أصوات الزعماء الأفارقة في ستينيات القرن الماضي من أجل بناء قارة مستقلة تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي، وتتحرر من الهيمنة الأجنبية التي استنزفت مواردها لعقود طويلة.
غير أن مفهوم التحرير في أفريقيا لم يعد مرتبطا فقط بخروج المستعمر بالشكل التقليدي، بل أصبح أكثر تعقيدا في ظل أشكال جديدة من النفوذ والسيطرة والتدخلات السياسية والعسكرية التي ما تزال تتحكم في مصير العديد من الدول الأفريقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ورغم مرور عقود على استقلال معظم دول القارة، إلا أن أفريقيا ما تزال تعاني من أزمات مزمنة تشمل الحروب الأهلية والانقلابات والتدخلات الخارجية والفقر وضعف المؤسسات، إضافة إلى الصراعات المرتبطة بالموارد والنفوذ. لذلك فإن الحديث عن التحرير الأفريقي اليوم لم يعد مجرد استدعاء للماضي، بل أصبح دعوة لإعادة تعريف معنى الاستقلال الحقيقي، وبناء مشروع أفريقي جديد قائم على السيادة الوطنية والتعاون الإقليمي وحماية الشعوب من الاستغلال والصراعات.
في قلب هذه التحديات يقع السودان، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى إحدى من أكبر المآسي الإنسانية والسياسية في أفريقيا؛ إذ حصدت الحرب المدمرة أرواح الآلاف، ودفعت الملايين إلى النزوح والمجاعة. وتأتي ذكرى يوم التحرير الأفريقي هذا العام في وقت يواجه فيه السودانيون تساؤلات مؤلمة بشأن دور المنظومة الأفريقية ومؤسساتها في وقف الاقتتال، وحماية المدنيين وإنقاذ الدولة من التفكك والانهيار.
عندما قاتلت الشعوب الأفريقية ضد الاستعمار الأوروبي كانت المعركة واضحة المعالم؛ احتلال مباشر وسيطرة عسكرية ونهب للموارد وفرض للهيمنة السياسية والثقافية. أما اليوم، فإن أشكال السيطرة أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، حيث باتت بعض الدول الأفريقية خاضعة لنفوذ اقتصادي وسياسي وأمني يجعل قرارها الوطني مرتهنًا لمصالح خارجية أو لتحالفات إقليمية تتجاوز إرادة الشعوب.
الحديث عن التحرير الأفريقي اليوم لم يعد مجرد استدعاء للماضي، بل أصبح دعوة لإعادة تعريف معنى الاستقلال الحقيقي، وبناء مشروع أفريقي جديد قائم على السيادة الوطنية والتعاون الإقليمي وحماية الشعوب من الاستغلال والصراعات
لم تعد الحروب في أفريقيا دائما حروبا داخلية خالصة، بل أصبحت في كثير من الأحيان امتدادًا لصراعات النفوذ والمصالح، تُستخدم فيها الجماعات المسلحة والانقسامات السياسية والعرقية كأدوات لإضعاف الدول واستنزاف مواردها. كما أن استمرار الاعتماد الاقتصادي على الخارج وضعف التنمية الحقيقية جعلا العديد من الدول الأفريقية عاجزة عن تحقيق استقلالها الكامل، رغم مرور سنوات طويلة على التحرر الرسمي من الاستعمار.
ولهذا فإن أفريقيا تحتاج اليوم إلى موجة تحرر جديدة، ليس من الاحتلال العسكري التقليدي، بل من التبعية السياسية والاقتصادية، ومن التدخلات التي تُغذي الحروب وتمنع الاستقرار. كما تحتاج القارة إلى تعزيز التعاون بين دولها على أساس المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول، بدلًا من تحويل الأزمات الداخلية إلى ساحات للتنافس والتدخل.
في السودان، تبدو صورة الأزمة أكثر تعقيدًا وإيلامًا. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، دخلت البلاد في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث دُمرت المدن والبنية التحتية، وتوقفت الخدمات الأساسية، ووجد ملايين المواطنين أنفسهم بين النزوح والجوع والخوف.
لكن المأساة السودانية لم تكن نتيجة الصراع الداخلي وحده، إذ تحدثت تقارير دولية ومنظمات حقوقية ووسائل إعلام عالمية عن أدوار إقليمية وأفريقية ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار الحرب، سواء عبر الدعم السياسي أو اللوجستي أو التسليحي، الأمر الذي أدى إلى تعقيد الأزمة وإطالة أمدها. وكان من المفترض أن تتجه جهود الدول الأفريقية نحو إيقاف الحرب ودعم الحلول السياسية والإنسانية، لا أن تتحول بعض الأطراف إلى جزء من المشكلة نفسها.
عندما قاتلت الشعوب الأفريقية ضد الاستعمار الأوروبي كانت المعركة واضحة المعالم؛ احتلال مباشر وسيطرة عسكرية ونهب للموارد وفرض للهيمنة السياسية والثقافية. أما اليوم، فإن أشكال السيطرة أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل وضوحا
لقد كان السودانيون ينتظرون من القارة الأفريقية موقفًا أكثر قوة وعدالة تجاه ما يجري، خاصة أن السودان ظل لعقود جزءًا مهمًا من العمق الأفريقي، وأسهم في دعم العديد من القضايا التحررية داخل القارة. غير أن الواقع كشف عن ضعف التضامن الأفريقي وعجز المؤسسات الإقليمية عن التعامل الحاسم مع واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه القارة اليوم.
تحولت الحرب السودانية إلى مثال واضح على خطورة التدخلات والصراعات بالوكالة داخل أفريقيا، حيث أصبحت معاناة المدنيين أقل أهمية من الحسابات السياسية والمصالح الإقليمية، بينما يدفع الشعب السوداني ثمن حرب تهدد مستقبله ووحدة دولته واستقراره الاجتماعي.
تواجه مفوضية الاتحاد الأفريقي اليوم اختبارا حقيقيًا في السودان، وفي القارة عموما. فالمؤسسة التي تأسست من أجل تعزيز الوحدة الأفريقية وحماية الأمن والاستقرار مطالبة اليوم بأن تتحرر من تأثيرات الدول والمصالح التي تُضعف قراراتها وتحد من قدرتها على التدخل الفاعل في الأزمات.
يحتاج الاتحاد الأفريقي إلى استعادة استقلالية قراره السياسي، وأن يتحول من مؤسسة تصدر البيانات إلى جهة تمتلك القدرة الحقيقية على الضغط والوساطة وصناعة الحلول. فالقارة لا يمكن أن تتحدث عن التحرير والوحدة بينما تعجز عن إيقاف الحروب أو حماية المدنيين أو منع التدخلات التي تؤدي إلى انهيار الدول.
استمرار الاعتماد الاقتصادي على الخارج وضعف التنمية الحقيقية جعلا العديد من الدول الأفريقية عاجزة عن تحقيق استقلالها الكامل، رغم مرور سنوات طويلة على التحرر الرسمي من الاستعمار
إن يوم التحرير الأفريقي لن يكون مجرد ذكرى تاريخية إذا استطاعت أفريقيا أن تواجه أزماتها بصدق وشجاعة، وأن تبني مشروعًا حقيقيا قائما على الاستقلال والتنمية والسلام. والسودان اليوم يمثل أحد أهم الاختبارات أمام القارة؛ فإما أن تنجح أفريقيا في إنقاذ شعبه ودعم استقراره، أو أن تظل شعارات التحرير مجرد كلمات تُقال في المناسبات بينما تستمر الحروب والانقسامات في تمزيق الشعوب الأفريقية.