تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

وقف التمويل الأميركي يضع أمن الصومال على المحك

27 أغسطس, 2026
الصورة
فيصل علي
Share

في عام 2023، أطلقت الحكومة الصومالية أكبر حملة عسكرية لها منذ سنوات ضد حركة الشباب، الجماعة المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة. وتمكنت القوات الصومالية، بمساندة مقاتلين من العشائر المتحالفة معها، من طرد مسلحي الحركة من مساحات واسعة في وسط البلاد، ما دفع المسؤولين في مقديشو إلى الحديث بثقة عن إمكان القضاء عليها خلال عام أو عامين.

غير أن هذه الثقة لم تصمد طويلًا. فبحلول ربيع 2025، كانت جميع المكاسب الميدانية تقريبًا قد تبددت. إذ استعادت حركة الشباب، عبر تقدم محسوب ومتدرج، بلدة تلو الأخرى خلال هجوم تزامن مع شهر رمضان، لتعود خريطة السيطرة إلى ما يشبه إلى حد بعيد ما كانت عليه قبل بدء الحملة الحكومية.

يلخص هذا الانقلاب الميداني معادلةً حكمت مسار الحرب طوال عقدين؛ تستطيع القوات الصومالية طرد حركة الشباب من المناطق التي تسيطر عليها، لكنها تواجه صعوبة أكبر في الاحتفاظ بها. وتعتمد قدرتها على ذلك بدرجة كبيرة على قوة حفظ السلام متعددة الجنسيات التابعة للاتحاد الأفريقي، التي بات استمرارها في الميدان مهددًا بأزمة تمويل متفاقمة.

ففي مطلع يوليو/تموز، كشفت مذكرة دبلوماسية داخلية مسرّبةأن الولايات المتحدة تعتزم عرقلة تمويل الأمم المتحدة للجهة التي تتولى إمداد قوات البعثة بالغذاء واللوازم وتأمين تنقلها داخل البلاد. وبدا أن القرار باغت المسؤولين الصوماليين والإقليميين، الذين أمضوا الأسابيع التالية في بحث محموم عن صيغة تحول دون انهيار المهمة.

لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الحرب ضد حركة الشباب، إذ تتجاوز أهمية الصومال حدوده بكثير. فالبلاد تمتد على ساحل القرن الأفريقي، عند الطرف الجنوبي لأحد أكثر ممرات الملاحة ازدحامًا في العالم، حيث يلتقي البحر الأحمر بالمحيط الهندي. ولهذا وصف الجنرال داغفين أندرسون، كبير القادة العسكريين الأميركيين المشرفين على العمليات الأميركية في أفريقيا، الصومال بأنه يقع على "أرض ذات أهمية استراتيجية"، مؤكدًا أن موقعه وحده "يجعله مهمًا".

ومن منظور القوى الإقليمية، فإن سيطرة حركة الشباب على الساحل الصومالي لن تهدد دول الجوار فحسب، بل قد تعرض أمن تلك الممرات المائية للخطر أيضًا. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت قوى خارجية عديدة، طوال العقدين الماضيين، إلى ضخ الأموال وإرسال القوات دعمًا للحكومة الصومالية. وهو ما يفسر كذلك لماذا لا تُعد أزمة تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي، بالنسبة إلى هذه القوى، شأنًا صوماليًا محضًا.

…

وقد سبق لواشنطن أن عبّرت بوضوح عن هذه الحسابات، ولا سيما عندما بلغت المخاطر ذروتها. ففي مايو 2009، حين أوشكت الحكومة الانتقالية الصومالية المدعومة دوليًا على السقوط إثر هجوم شنته حركة الشباب، أرسل السفير الأميركي في كينيا برقية دبلوماسية إلى وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون، حذر فيها من أن انهيار الحكومة سيمثل "انتكاسة كبرى للمصالح الأميركية". كما أكد أن استيلاء حركة الشباب على الحكم، أو انزلاق البلاد مجددًا إلى الفوضى التي طبعت حقبة أمراء الحرب، سيُعامل بوصفه تهديدًا للولايات المتحدة.

استجابت كلينتون سريعًا، فأفرجت عن تمويل طارئ للحكومة، وضغطت لدى الأمم المتحدة للحصول على استثناء من حظر توريد الأسلحة، بما يسمح بإيصال مزيد منها إلى الصومال.

منذ ذلك الحين، ظلت احتمالات انهيار الحكومة الصومالية مصدر قلق مباشر للولايات المتحدة، التي أبدت استعدادها لاتخاذ خطوات تحول دون وقوعه. وشمل ذلك حملة مكثفة من الضربات بالطائرات المسيّرة ضد حركة الشباب، اتسعت في الآونة الأخيرة لتشمل فرع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال. كما تنشر واشنطن قوات داخل البلاد، وعززت وجودها الأمني على امتداد خليج عدن وفي جوبالاند، المحاذية للحدود الصومالية مع كينيا، حيث تدير قاعدة كبيرة، وفقًا لمسؤول دفاعي صومالي.

…

لا تنفرد واشنطن بهذه المصالح، فقد أقامت دول أخرى علاقات وثيقة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية وولاياتها الأعضاء، ما جعلها معنية هي الأخرى بمنع حركة الشباب من السيطرة على البلاد. وتتباين دوافع هذه الدول بين الاعتبارات الأمنية والحصول على تسهيلات عسكرية، وبين التجارة والبنية التحتية وتوسيع النفوذ الإقليمي؛ لكنها تتقاطع جميعًا عند حقيقة أن بقاء الدولة الصومالية مهم لأطراف تتجاوز الولايات المتحدة بكثير.

على الرغم من تضحيات القوات وأفراد الشرطة، والدعم طويل الأمد الذي قدمته الولايات المتحدة وشركاء وحلفاء آخرون، ظل إحراز تقدم مستدام في مواجهة تهديد الإرهاب في المنطقة، ونحو نقل معظم المهام الأمنية الأساسية إلى الصومال، بعيد المنال

فقد رسخت تركيا حضورًا عسكريًا واقتصاديًا واسعًا في الصومال، من خلال تدريب الجنود الصوماليين وتشغيل المطار الرئيسي ومرافق الميناء، فضلًا عن تسيير طائرات مقاتلة دعمًا للقوات الصومالية والأفريقية. كما شرعت في بناء منشأة للإطلاق الفضائي. وفي المقابل، اعترفت إسرائيل بصوماليلاند وبدأت الاستثمار في تطوير علاقاتها معها، بينما ترتبط الإمارات بعلاقات تجارية وأمنية وثيقة مع بونتلاند وصوماليلاند وجوبالاند.

وعليه، لا يمكن اختزال أمن الصومال في الحرب على جماعة متمردة واحدة؛ فهو أيضًا صراع على موقع استراتيجي وطرق تجارية حيوية، حتى وإن ظلت محاربة حركة الشباب هي الخطاب المشترك الذي تستطيع القوى الخارجية جميعها استخدامه في العلن.

…

لفهم الكيفية التي وصلت بها البلاد إلى هذا الوضع، ينبغي العودة إلى الغزو الإثيوبي في ديسمبر/كانون الأول 2006، الذي هيأ الظروف لتحول حركة الشباب إلى قوة كبرى. فقبل الغزو، خضعت مقديشو لفترة وجيزة لسيطرة اتحاد المحاكم الإسلامية، وهو تحالف ضم شيوخ عشائر ورجال أعمال وعلماء دين، وتمكن من إعادة قدر من النظام إلى العاصمة بعد خمسة عشر عامًا من هيمنة أمراء حرب متنافسين.

كان انشقاق حركة الشباب عن اتحاد المحاكم الإسلامية قد سبق الغزو بأشهر. وظهرت آنذاك بوصفها جناحًا أكثر تشددًا، يتبنى أهدافًا دينية أضيق نطاقًا، لكنها ظلت لاعبًا محدود التأثير. لذلك لم يكن قرار إثيوبيا غزو الصومال موجهًا أساسًا ضد الحركة، بل جاء نتيجة قلق أديس أبابا من صعود اتحاد المحاكم الإسلامية، بسبب توجهاته الدينية وطموحاته تجاه إقليم أوغادين ذي الأغلبية الصومالية، الذي غزته الصومال عام 1977. وقدم رئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك، ملس زيناوي، التدخل علنًا باعتباره ردًا دفاعيًا على هجمات انطلقت من الأراضي الصومالية.

وقد دعمت واشنطن العملية، وعملت عن كثب مع أديس أبابا على التخطيط لها. ودخلت قوات خاصة أميركية الصومال إلى جانب القوات الإثيوبية، فيما قدمت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية وصورًا التقطتها الأقمار الصناعية، إلى جانب الدعم اللوجستي. وهكذا جمع الغزو بين دافعين مختلفين: خشية إثيوبيا من قيام حكومة معادية على حدودها، ومخاوف الولايات المتحدة، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، من تحول الصومال إلى ملاذ آمن جديد لتنظيم القاعدة.

نجحت القوات الإثيوبية في إخراج اتحاد المحاكم الإسلامية من مقديشو خلال أسابيع، لكن بقاءها في المدينة أثار استياءً شعبيًا واسعًا، وأسهم في تغذية التمرد الذي جاء التدخل أصلًا لمنعه.

وفي مارس/آذار 2007، انتشرت إلى جانب القوات الإثيوبية قوة لحفظ السلام تابعة للاتحاد الأفريقي ومدعومة من الأمم المتحدة، لحماية الحكومة الانتقالية الصومالية، التي كانت تحظى باعتراف دولي لكنها ظلت ضعيفة. وفي خضم الاضطراب الذي أعقب الغزو، برزت حركة الشباب بوصفها حركة دينية قومية رفعت شعار مقاومة احتلال الصومال من قوات دول مجاورة، قبل أن تندمج مع تنظيم القاعدة عام 2012. أما إثيوبيا، التي أنهكها احتلال لم تكن قد خططت لاستمراره طويلًا، فانسحبت في يناير 2009، تاركةً القوة الأفريقية تتحمل إلى حد كبير عبء إسناد الدولة الصومالية بمفردها.

بمرور الوقت، تحولت تلك القوة، التي عُرفت في البداية باسم بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM)، من انتشار دفاعي إلى مهمة قتالية نشطة، ساعدت القوات الصومالية على طرد حركة الشباب من مقديشو ومدن رئيسية أخرى. ثم أصبحت أكبر عمليات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وأكثرها دمويةً وكلفة، إذ تجاوز قوامها في منتصف العقد الماضي عشرين ألف جندي، انتشروا في مساحة من جنوب وسط الصومال تعادل مساحة العراق تقريبًا.

في عام 2022، خلفتها بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (ATMIS)، قبل أن تحل محلها، مطلع عام 2025، بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال. ويُفترض أن تمثل البعثة الحالية المرحلة الأخيرة من عملية تدريجية لنقل المسؤولية الأمنية كاملةً إلى القوات الصومالية بحلول عام 2029.

…

غير أن هذا الجدول الزمني يصطدم بواقع ميداني مختلف. إذ يقول مسؤول دفاعي صومالي إن قوات البلاد ليست مستعدة بعد لتحمل المسؤولية الأمنية كاملةً. فالجيش الصومالي يتألف أساسًا من وحدات مشاة خفيفة، تملك قدرة معقولة على شن عمليات هجومية وطرد حركة الشباب من البلدات والمدن، لكنها تواجه صعوبة أكبر في الاحتفاظ بها عندما تعاود الحركة الهجوم. وفي المقابل، تتمتع قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي بتسليح أثقل وتجهيز أفضل، ما يجعلها أقدر على تثبيت السيطرة وحماية المواقع ضمن المعركة الأوسع ضد الحركة.

ظهر هذا الخلل بوضوح في مصير الهجوم الواسع الذي أطلقه الرئيس حسن شيخ محمود عام 2023، وقادته العشائر بدعم من الحكومة. فقد تمكنت حركة الشباب، خلال هجومها في رمضان 2025، من محو مكاسب تلك الحملة بالكامل تقريبًا. ورغم أن مسؤولي الدفاع الصوماليين اعترضوا على وصف الوضع بين الجيش والحركة بأنه حالة منالجمود، كما جاء في تقرير حديث لمجموعة الأزمات الدولية، مؤكدين أن الجيش الصومالي أقوى بكثير، فإن هذه القوة لم تنعكس في صورة مكاسب ميدانية كبيرة، أو استعادة عدد يُذكر من البلدات التي تسيطر عليها الحركة.

لم تفت مندوبي القمة مفارقةُ أن يطلب بلدٌ قوات أجنبية للحفاظ على الحد الأدنى من الأمن فيه، ثم يتذرع بـ“السيادة” حين يكون ذلك ملائمًا

وقد عبّر الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، عن هذا الإحباط بعد اجتماع حديث مع مسؤولين صوماليين. فقد أبدى استياءه من أنه ما زال يناقش سبل تحرير أراضٍ سبق للقوات الصومالية أن طهرتها من حركة الشباب، عندما كان يشغل منصبًا أدنى في عمليات القوات الخاصة. وقال: "هذا هو ما يبعث على الإحباط، لأن تلك الأراضي فُقدت بعدما انصرف التركيز، في مرحلة ما، عن الإرهاب إلى أمور أخرى".

تؤكد الخريطة الميدانية وجاهة هذه الشكوى. فبعد سنوات من القتال، لم تتغير خطوط المواجهة كثيرًا؛ إذ ما تزال المناطق المحيطة بالعاصمة عرضة لهجمات حركة الشباب، حتى حين لا تكون خاضعة لسيطرتها المباشرة. وإلى الشمال، تسيطر الحركة على رقعة شاسعة من الأراضي، تمتد من جوبا الوسطى في جوبالاند إلى غلغدود. أما نفوذ الحكومة، فينحصر إلى حد كبير في جيوب متفرقة تفصل بينها مساحات واسعة تقع خارج سيطرتها.

مع ذلك، تواصل الحكومة تقديم صورة توحي بأنها ممسكة بزمام الأمور، ولا سيما في المناطق الحضرية الخاضعة لها، مستندةً إلى عدد من المؤشرات. فقد بدأت القوات الإثيوبية الاستعداد لتسليم قاعدة عمليات متقدمةفي بورحكبا، وهي من أعمق مواقعها داخل الصومال. كما شهدت مقديشو انخفاضًا متواصلًا في أعمال العنف وعدد القتلى، فيما قالت وكالة الاستخبارات الصومالية، في وقت سابق من هذا العام، إن القوات الحكومية قتلت عشرات من كبار قادة حركة الشباب.

يعزو مصدر سابق في الاستخبارات الصومالية هذا التحسن جزئيًا إلى تنامي قدرة الحكومة على مراقبة الحركة ومواجهتها، وجزئيًا إلى تحول في استراتيجية حركة الشباب بعيدًا عن الهجمات التي توقع أعدادًا كبيرة من الضحايا في مقديشو. فالعاصمة أصبحت أكثر تحصينًا من ذي قبل، ويقول مصدر في الاستخبارات الصومالية وآخر في الأجهزة الأمنية، إلى جانب دبلوماسيين غربيين جرت مقابلتهم، إن احتمال سقوط المدينة لا يثير قلقهم في المدى القريب.

لكن الهدوء النسبي في مقديشو لا ينسحب على بقية البلاد. فقد حافظت حركة الشباب على وتيرة مرتفعة من الهجمات في مناطق أخرى، ولا سيما إقليم شبيلي السفلى، الذي شهد زيادة قاربت 60٪ في عدد الهجمات بين يونيو وأغسطس، مقارنة بالفترة السابقة من العام. كما تصاعدت هجمات الحركة في شمال كينيا، حيث قُتل خمسة من أفراد قوات الأمن الكينية في يوليو/ تموز.

لاحتواء هذا الانتشار والاحتفاظ بالأراضي، تعمل قوات الاتحاد الأفريقي ضمن قطاعات موزعة بين الدول المساهمة بقوات. وتتمركز القوات الكينية بكثافة في المنطقة الحدودية المتاخمة لجوبالاند، فيما تعبر القوات الإثيوبية إلى ولاية جنوب الغرب المجاورة. أما القوات الأوغندية، التي كانت من أوائل المشاركين في المهمة، فتتركز حول مقديشو، في حين تنتشر وحدات من بوروندي وجيبوتي إلى الشمال الشرقي من العاصمة، على الطريق المؤدي إلى بلدوين ثم إلى غلمدغ. وتتوزع هذه القوات على 49 موقعًا، ويُعتقد أن قوامها يقل قليلًا عن 12 ألف جندي، من دون احتساب القوات الموجودة في الصومال بموجب ترتيبات ثنائية.

يفرض هذا الانتشار الواسع والمشتت أعباءً قاسية على الجنود، الذين يقضي كثير منهم فترات طويلة في مناطق نائية وظروف شديدة الخطورة. ووفق رواية نشرها جندي جيبوتي سابق في مجلة «منتدى الدفاع الأفريقي» التي تصدرها أفريكوم، أمضت وحدته 24 شهرًا في الميدان، وسط "تعرض متكرر لأحداث ضاغطة وصادمة". ومع مرور الوقت، تراجعت المعنويات، وبدأ بعض الجنود "بالانسحاب ذهنيًا وفقدان التركيز".

في ظل هذه الظروف، يمثل مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، الذي تعتزم الولايات المتحدة قطع تمويله، العمود الفقري لعمليات قوات الاتحاد الأفريقي. فهو يوفر لها الوقود والمياه والحصص الغذائية، ويتولى إجلاء المصابين والإخلاء الطبي والنقل الجوي، إلى جانب خدمات الاتصالات والهندسة ودعم المعدات، وهي جميعًا مقومات تتيح للقوات الانتشار والتحرك والبقاء في الميدان.

يحذر محلل أمني غربي متخصص في الصومال، في حديثه معي، من أن هذه القوات، ولا سيما المنتشرة في المناطق الجنوبية، لن تتمكن من البقاء بأمان في مواقعها من دون دعم المكتب الأممي أو إيجاد بديل له. ويقول: "سيكون من السهل على حركة الشباب مهاجمة القواعد الأكثر انكشافًا واستنزافها، وستتحول إلى أهداف سهلة من دون مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال". وفي تقرير نشره الشهر الماضي، حذر مركز الأبحاث الصومالي «بلقيس إنسايتس» من أنه "إذا لم يُتفق على بديل موثوق قبل ديسمبر، فلن يقتصر الخطر على تقليص حجم المهمة، بل سنكون أمام بعثة تدهورت قدراتها على نحو لا رجعة فيه".

…

لا تقتصر تداعيات وقف التمويل على قدرة قوات الاتحاد الأفريقي على مواجهة حركة الشباب، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية التي تعتمد عليها في مناطق نائية. ويقول محمود مدو عبد الله، وهو باحث ميداني مقيم في جوبالاند ويتمتع بخبرة واسعة في تنسيق وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي يصعب بلوغها، إن قطع تمويل مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال سيكون بمنزلة "تسليم الأرض إلى حركة الشباب". ويوضح أن قوات الاتحاد الأفريقي لا تكتفي بحماية المواقع، بل توزع الغذاء على السكان وتوفد الأطباء إلى المناطق النائية. ويضيف: "هناك الكثير مما يجري إلى جانب مجرد الاحتفاظ بالأرض في مواجهة حركة الشباب".

مع ذلك، ليست أزمات التمويل جديدة على بعثات الاتحاد الأفريقي في الصومال. فبحسب مصدر دبلوماسي غربي تحدث معي، واجهت هذه البعثات على امتداد تاريخها صعوبات مالية كبيرة، لكنها كانت تنجح عادةً في تجاوزها، ولو بصعوبة. وشهدت اجتماعات تمويل سابقةلبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال تقديم عدد من الدول تعهدات جزئية، لكنها لم تكن كافية قط لسد العجز، رغم آمال المسؤولين الصوماليين والغربيين في أن تتدخل دول أخرى لتغطية النقص.

في إحدى هذه الفعاليات، التي عُقدت في نيويورك في 25 سبتمبر/أيلول من العام الماضي، تعهد الاتحاد الأفريقي بتقديم 20 مليون دولار من أصل الميزانية التقديرية للبعثة لعام 2025، البالغة 196 مليون دولار. كما تعهدت المملكة المتحدة بتقديم 16.5 مليون جنيه إسترليني، إلى جانب التزامات من دول أخرى. وفي أبريل/نيسان، خصص الاتحاد الأوروبي 75 مليون يورو لدعم البعثة.

لكن هذه المساهمات لم تنه الأزمة. فقد قدّر تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، نُشر في مايو، العجز في تمويل البعثة بنحو 38.5 مليون دولار، من إجمالي ميزانية بلغت 154.7 مليون دولار. وفي الوقت نفسه، كان مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذراع اللوجستية للبعثة، يواجه عجزًا مستقلًا بلغ 130 مليون دولار، بعدما حجبت واشنطن، في أغسطس/أب 2025، حصتها من تمويل المكتب، التي تعادل نحو ربع ميزانيته.

يرى مصدر دبلوماسي غربي ثانٍ أن تكلفة المهمة بصيغتها الحالية باتت أكبر مما يمكن تحمله، في ظل العجز المزمن عن تأمين الأموال اللازمة لاستمرارها. ولذلك، قد تضطر الأطراف المعنية في النهاية إلى القبول ببعثة أقل حجمًا وقدرة.

ومن الناحية النظرية، يوفر قرار مجلس الأمن رقم 2719 مخرجًا من هذه الأزمة، إذ يسمح لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال بالحصول على ما يصل إلى 75٪ من تمويلها من الاشتراكات المقررة على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. لكن الولايات المتحدة عارضت باستمرار تطبيق هذه الآلية على البعثة؛ فعرقلت الخطوة في مايو/آيار 2025، بعدما كانت قد حذرت منها في أواخر 2024، ثم استبعدتها مجددًا في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما جدد مجلس الأمن تفويض البعثة بموجب القرار 2809.

وجّه جيف بارتوس، السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، خلال اجتماع مجلس الأمن في ديسمبر/كانون الأول 2025، انتقادات لاذعة لأداء الصومال في مواجهة حركة الشباب. وأشار إلى أن أموالًا طائلة ضُخت في المهمة من دون تحقيق نتائج تتناسب مع حجم الإنفاق، مؤكدًا أن تمويل استمرارها ليس مسؤولية الولايات المتحدة. وقال أمام المجلس: "على الرغم من تضحيات القوات وأفراد الشرطة، والدعم طويل الأمد الذي قدمته الولايات المتحدة وشركاء وحلفاء آخرون، ظل إحراز تقدم مستدام في مواجهة تهديد الإرهاب في المنطقة، ونحو نقل معظم المهام الأمنية الأساسية إلى الصومال، بعيد المنال". وأضاف أن المسؤولية عن محاربة حركة الشباب ينبغي أن تنتقل «بصورة أساسية» إلى الأطراف صاحبة المصلحة الأكبر.

ترى سميرة غيد، الخبيرة في الأمن الإقليمي لدى مركز «بلقيس إنسايتس»، أن الحكومة الصومالية كانت تملك وقتًا كافيًا للاستعداد لهذه اللحظة. وتقول: إن الولايات المتحدة حذرت الحكومة منذ عام 2024 من قرار وشيك بقطع تمويل مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، لكن الأخيرة "دفنت رأسها في الرمال بدلًا من وضع استراتيجية لإدارة الموقف". وتتوقع غيد أنه إذا تعذر إيجاد حل لأزمة المكتب، فسيحتاج الصومال إلى إبرام اتفاقات ثنائية منفصلة مع كل دولة مساهمة بقوات، ممولة من مصادر بديلة، لضمان استمرار وجود القوات الأجنبية في البلاد.

أما الأكاديمي الصومالي أفياري علمي، فيرى أن القرار الأميركي يضع الصومال أمام سيناريوهين. أولهما انهيار مفاجئ للمهمة، بما قد يتيح لحركة الشباب استعادة مناطق حضرية في أنحاء جنوب وسط البلاد. أما الثاني، فهو التوصل إلى تسوية سياسية تؤجل وقف التمويل، وتسمح باستمرار البعثة إلى حين تطوير صيغة أكثر استدامة. ويلخص علمي الموقف بقوله: "في الحالتين، لا بد أن تتغير الأمور".

ومع ذلك، يقلل مسؤول صومالي رفيع من شأن تفسير القرار الأميركي بوصفه نتيجة خلاف خاص مع الصومال، أو باعتباره مجرد امتداد لتحول أوسع في سياسة واشنطن بعيدًا عن العمل متعدد الأطراف والمبادرات التي تقودها الأمم المتحدة. ووفقًا للمسؤول، تتبنى الولايات المتحدة سياسة أكثر انتقائية وتركيزًا، تبحث من خلالها عن الملفات ونقاط التأثير التي تستطيع فيها تحويل مصالحها وقدراتها إلى نتائج ملموسة، بما في ذلك عبر توسيع انخراطها مع حكومات الأقاليم الصومالية المتمتعة بالحكم الذاتي.

…

ورغم التحول نحو سياسة أميركية أكثر انتقائية، يؤكد مسؤولون صوماليون أنهم ما زالوا ينظرون إلى الولايات المتحدة بوصفها شريكًا "استراتيجيًا" في مكافحة الإرهاب.

يقول مسؤول دفاعي صومالي كبير سابق: ن هذه الشراكة تقوم أساسًا على وجود «عدو مشترك واحد»، هو حركة الشباب، مضيفًا أن ذلك «لن يتغير ما لم تتغير نظرة الولايات المتحدة إلى الحركة». وبالفعل، كثفت الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب ضرباتها الجوية وعمليات الطائرات المسيّرة والعمليات البرية ضد حركة الشباب، حتى تجاوز عددها الرقم القياسي الذي سجله ترامب سابقًا خلال ولاية رئاسية كاملة. كما تعاونت واشنطن مع قوات بونتلاند في حملتها ضد فرع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال، ومع قوات جوبالاند في حربها على حركة الشباب. وفي الأسابيع الأخيرة، زار وفد من أفريكوم الصومال، وتنقل بين العاصمة الفيدرالية وبونتلاند وجوبالاند.

وخلال الزيارة، سعى قائد أفريكوم، الجنرال داغفين أندرسون، إلى تبديد المخاوف من تقليص الولايات المتحدة حضورها في البلاد، مؤكدًا أن للصومال وواشنطن مصلحة مشتركة في التعاون ضد حركة الشباب. وأعاد التشديد على أن الصومال «يقع على أرض ذات أهمية استراتيجية»، وأن موقعه «وحده يجعله مهمًا». كما استبعد اعتراف الولايات المتحدة بصوماليلاند، الإقليم الانفصالي في الشمال، وهو احتمال يمثل مصدر قلق رئيسيًا للمسؤولين الصوماليين.

لكن أندرسون ربط، على نحو لافت، استمرار الانخراط الأميركي في الصومال بإنهاء ما سماه «الاقتتال السياسي الداخلي». وكان يشير بذلك إلى استخدام الحكومة المتكرر للموارد الفيدرالية في ملاحقة خصومها السياسيين ومحاربتهم، بدلًا من توجيهها إلى الحرب على حركة الشباب.

وقد ازدادت حدة هذا الصراع مع اقتراب ولاية الرئيس حسن شيخ محمود من نهايتها. فبعد إعادة انتخاب رئيس جوبالاند أحمد مدوبي في انتخابات غير تنافسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أرسلت الحكومة الفيدرالية قوات إلى الولاية، لكن قوات جوبالاند هزمتها. وفي بيدوا، عزلت الحكومة بالقوة رئيس ولاية جنوب الغرب، عبد العزيز حسن محمد المعروف بلقب لفتاغرين، بعدما حاول بدوره تنظيم عملية إعادة انتخاب غير تنافسية في وقت سابق من العام. ثم أرسلت، في الأسابيع الأخيرة، قوات إلى بونتلاند أيضًا، ما دفع سلطات الولاية إلى الاستيلاء على ثلاث قواعد عسكرية تابعة للقوات الفيدرالية. وفي خضم هذا التصعيد، قطعت كل من جوبالاند وبونتلاند علاقاتها مع الحكومة المركزية.

ازداد الخلاف عمقًا عندما عدّل البرلمان الصومالي الدستور، قبل أشهر من انتهاء ولاية الرئيس، ومددها عامًا إضافيًا، بعدما كان مقررًا أن تنتهي في مايو. كما سعت الحكومة إلى اعتماد نظام انتخابي يقوم على مبدأ «شخص واحد، صوت واحد». لكن ولايتين فيدراليتين، إلى جانب المعارضة المتمركزة في مقديشو، عارضتا الخطوة بشدة، لعدم اقتناعهما بأن الانتخابات المقترحة ستتيح منافسة سياسية حقيقية.

سيكون من السهل على حركة الشباب مهاجمة القواعد الأكثر انكشافًا واستنزافها، وستتحول إلى أهداف سهلة من دون مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال

هكذا تداخلت الأزمة السياسية مع أزمة الأمن والتمويل. فقبيل القمة الاستثنائية الثانية للدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال، التي عُقدت في أوغندا في يوليو، بعث مجلس مستقبل الصومال برسالة إلى الدول المشاركة. والمجلس مظلة معارضة تضم رئيسًا سابقًا ورؤساء وزراء سابقين، إلى جانب الرئيسين الحاليين لبونتلاند وجوبالاند.

رأى المجلس في رسالته أن أزمة تمويل البعثة ليست سوى عرض من أعراض الاختلال السياسي الأوسع في البلاد. ودعا الدول المساهمة بقوات إلى ربط استمرار دعمها بالتوصل إلى تسوية سياسية يقودها الصوماليون، تشمل تشكيل مجلس انتقالي يشرف على المسارين الدستوري والانتخابي المتعثرين. لكن الحكومة ومؤيديها رفضوا المقترح، ووصفوه بأنه محاولة لإعادة الصومال إلى مرحلة الحكم الانتقالي.

قاوم الرئيس حسن شيخ محمود بقوة إدراج الخلافات السياسية الداخلية في البيان الختامي لقمة كمبالا. ووفقًا لمسؤول صومالي ثالث، كانت هذه القضايا قد أُدرجت من دون اعتراض في الأيام السابقة لاجتماع رؤساء الدول، الذي عُقد في 31 يوليو/تموز، لكن الرئيس استاء، على ما يبدو، عندما وجدها في النص النهائي الذي تسلمه. وقال أمام القمة: "يجب ألا تُدوّل السياسة الداخلية للصومال أو تُحوّل إلى شأن إقليمي"، موضحًا أن بلاده لا تريد ورود هذه القضايا في بيان سيُرفع إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

أثار هذا الرفض للرقابة الخارجية ردًا حادًا من محمد عبدي واري، وهو شخصية مخضرمة في الطبقة السياسية الصومالية، يشغل حاليًا منصب نائب الأمين التنفيذي للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، المنظمة الإقليمية لشرق أفريقيا. وبعد الاجتماع، اتهمه مسؤولون حكوميون، بحسب ما نُقل، بـ«طعن الصومال في الظهر»، لأنه سمح بطرح شؤونه الداخلية في المنتدى الإقليمي.

وردّ واري بالتذكير بالمفارقة التي ينطوي عليها الموقف الحكومي، قائلًا: "لم تفت مندوبي القمة مفارقةُ أن يطلب بلدٌ قوات أجنبية للحفاظ على الحد الأدنى من الأمن فيه، ثم يتذرع بـ“السيادة” حين يكون ذلك ملائمًا". كما حذر من أن خروج قوات حفظ السلام على نحو «متسرع» أو «سابق لأوانه» أو «غير منظم» سيمنح حركة الشباب «أفضلية استراتيجية هائلة الآن، وعلى المدى الطويل».

مع أن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني تعهد بإبقاء قواته في الصومال بصرف النظر عما سيؤول إليه وضع مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، خلصت القمة إلى ضرورة تمديد تمويل المكتب مدة تتراوح بين 18 و24 شهرًا، بما يسمح بخروج منظم وتدريجي. ويؤيد مصدر دبلوماسي غربي هذا الطرح، موضحًا أن المطلوب هو تجنب انسحاب أميركي مفاجئ يترك البعثة من دون بديل جاهز.

في محاولة للعثور على مصادر تمويل بديلة، جرى التواصل أيضًا مع دول خليجية، وفقًا للمسؤول الصومالي الثالث، لبحث إمكان مساهمتها في سد العجز المالي الذي يواجهه مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال.

في موازاة البحث عن مصادر تمويل بديلة، كشفت سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى مع الأقاليم الصومالية عن ملامح التحول الأوسع في سياسة واشنطن. فقد التقى جنرالات أميركيون قيادات في بونتلاند وجوبالاند، بينما زار وفد من صوماليلاند مقر القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) بمدينة شتوتغارت الألمانية.

كما اتفقت الولايات المتحدة مع بونتلاند على توسيع منشأة عسكرية تقع على مسافة نحو 25 كيلومترًا غربي بوصاصو، المركز التجاري الساحلي الاستراتيجي للإقليم، رغم تأكيد أفريكوم أن الموقع لا يمثل قاعدة عسكرية. ويقول مسؤول في بونتلاند: "إن المنشأة استُخدمت لدعم حملة الإقليم ضد فرع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال، في وقت كانت فيه واشنطن تعزز حضورها لإدارة التهديدات البحرية في خليج عدن بصورة أفضل، وتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب".

شمل هذا الانخراط جوبالاند أيضًا، وهي إحدى الولايات الواقعة في الخطوط الأمامية للحرب على حركة الشباب. فقد التزمت واشنطن بتعزيز تعاونها مع الولاية، وفي أواخر يوليو، زار وفد يضم 11 مشرعًا أميركيًا كيسمايو، عاصمة جوبالاند، برئاسة عضو مجلس النواب الجمهوري روني جاكسون.

مع ذلك، يحذر مسؤول دفاعي صومالي ومسؤولان غربيان من تفسير هذه التحركات باعتبارها إحياءً رسميًا لاستراتيجية «المسار المزدوج» السابقة، التي كانت واشنطن تتعامل بموجبها بصورة منفصلة مع الحكومة الفيدرالية والأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي. ويؤكد أحد الدبلوماسيين الغربيين أن الولايات المتحدة استثمرت كثيرًا في الحكومة الفيدرالية، إلى حد يجعل من المستبعد أن تحول اهتمامها ببساطة نحو الشمال وتفك ارتباطها بمقديشو.

يشدد مسؤول دفاعي صومالي رفيع على أن جميع أشكال الانخراط الأميركي مع الأقاليم ما زالت تتم عبر الحكومة الفيدرالية. لكنه يقر، في الوقت نفسه، بأن لواشنطن مخاوف أمنية مباشرة في خليج عدن وعلى امتداد الحدود الصومالية الكينية، حيث تدير قاعدة عسكرية كبيرة في خليج ماندا تعرضت لهجوم عام 2020. وفي العام الماضي، عرضت الولايات المتحدة مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى القبض على أحد منفذي الهجوم، فيما انتشرت صوره على الملصقات في أنحاء كيسمايو. ويقول المسؤول: "لديهم مصالحهم هنا، وهذا أمر مفهوم؛ فهي تفيدنا نحن أيضًا".

تكشف هذه التحركات أن واشنطن باتت تنظر إلى الصومال من زاوية أضيق وأكثر ارتباطًا بمصالحها المباشرة. فبحسب المسؤول الدفاعي الصومالي، تركز السياسة الأميركية حاليًا على ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والأمن البحري، وعلى احتواء التهديدات الأمنية المنطلقة من البلاد. وفي يوليو، طلبت الولايات المتحدة من الصومال تسليمها مشتبهًا بهما في قضية احتيال وقتل، فاستجابت مقديشو للطلب. ويرى مسؤول صومالي رفيع آخر أن الموافقة كانت محاولة لاسترضاء واشنطن.

لطالما كانت الولايات المتحدة أحد أهم الشركاء الأمنيين للصومال، وكانت حتى وقت قريب شريكه الإنساني الرئيسي أيضًا. غير أن هذه العلاقة تغيرت بعدما خفضت الحكومة الأميركية برامج مساعداتها حول العالم. وزادت إدارة ترامب المشهد تعقيدًا، بسبب تصريحات الرئيس المتكررة المنتقصة من شأن الصومال، فضلًا عن انطباع متنامٍ بأن بعض المسؤولين في الحزب الجمهوري يرون في صوماليلاند، الإقليم الشمالي الانفصالي، شريكًا أفضل من الحكومة الفيدرالية. وقد تجنب المسؤولون الصوماليون الدخول في مواجهة علنية بشأن تلك التصريحات. وفي ديسمبر، قال رئيس الوزراء حمزة عبدي بري: "هناك أحيانًا أمور لا يسعك إلا أن تدعها تمر"

لكن تجنب المواجهة مع واشنطن لا يحل المعضلة الأوسع التي تواجه الصومال. فجميع المسؤولين الصوماليين والدبلوماسيين والمسؤولين الأمنيين الغربيين الذين تحدثت معهم يستبعدون أن يقف المجتمع الدولي متفرجًا ويسمح بسقوط الصومال على غرار سقوط كابول عام 2021. ويرى معظمهم أيضًا أن حركة الشباب لا تملك، في الظروف الراهنة، القدرة على السيطرة على البلاد.

غير أن هذا الاطمئنان يظل مؤقتًا، فيما يضيق هامش الوقت المتاح لتغيير المسار. وكما يحذر مصدر دبلوماسي غربي: «لا تلوح نهاية كارثية في الأفق القريب، لكننا قد نصل إليها خلال عام أو عامين إذا لم نوقف هذا المسار الآن».