تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

وقف الدعم الأمريكي للقوات الأفريقية في الصومال: الأبعاد، الأسباب، والتداعيات الجيوستراتيجية

31 أغسطس, 2026
الصورة
وقف الدعم الأمريكي للقوات الأفريقية في الصومال: الأبعاد، الأسباب، والتداعيات الجيوستراتيجية
Share

في الأول من يوليو 2026، أرسلت بعثة الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأفريقي مذكرة دبلوماسية إلى مفوضية الاتحاد الأفريقي تُعلمها فيه بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقدم الدعم لتجديد المساعدات اللوجستية الأممية لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (AUSSOM) بعد انتهاء ولاية البعثة الحالية في 31 ديسمبر 2026. 

وبالرغم من أن هذا القرار يبدو للوهلة الأولى كإجراء مالي وإداري يتعلق بتمويل لبعثة الإتحاد الأفريقي، إلا أنه يحمل دلالات استراتيجية أبعد تتشابك في طياتها مع أزمة سياسية ودستورية متفاقمة في الصومال، ومع تصاعد الزخم السياسي لملف الاعتراف في صوماليلاند، بالإضافة إلى إعادة تموضع جيواستراتيجي واسع وديناميكيات سياسية متصاعدة تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشارك فيها دول إقليمية عدة أبرزها تركيا ومصر والسعودية والإمارات وإسرائيل وإثيوبيا ومن ورائهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية. 

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا القرار من جوانب وزوايا مختلفة: آثاره وأسبابه المعلنة والضمنية، تداعياته على الحرب ضد حركة الشباب، علاقته بقضية صوماليلاند، ارتباطه بأزمة تأجيل الانتخابات الرئاسية والنقاش حول الدستور الدائم، مكانته ضمن التحولات الأوسع في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصومال خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، وأخيرًا موقعه داخل خريطة التحولات الجيوستراتيجية الإقليمية.

أولًا: أبعاد وأسباب القرار الأمريكي بوقف الدعم

منذ عام 2007، عندما تم تأسيس بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) ثم تلتها بعثة الانتقال (ATMIS) في عام 2022 وبعثة الدعم والاستقرار (AUSSOM) في 2025، ظلت الولايات المتحدة هي المساهم الأكبر في منظومة الدعم اللوجستي عبر مكتب الأمم المتحدة لدعم الصومال. حيث قدّمت حوالي ملياري دولار كمساهمات محددة لهذا المكتب وسلفه، بالإضافة إلى نحو 1.6 مليار دولار كدعم ثنائي مباشر للدول التي قدمت قوات للمساعدة، وملايين أخرى لقوات الأمن الصومالية ولبرامج التنمية والإغاثة الإنسانية.

 وقد بدأ هذا النمط من الدعم يتراجع بشكل تدريجي منذ عام 2024 حينما عارضت واشنطن مقترح تمويل البعثة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2719 الذي كان سيتيح تغطية نسبة تصل إلى75 بالمئة من ميزانية البعثة المقدرة بحوالي166.5 مليون دولار من الاشتراكات الأممية المحددة.

 وقد بررت واشنطن هذه الخطوة بأن الصومال لم يتمكن على الرغم من أكثر من عقدين من دعم المجتمع الدولي أن يحقق تقدم استقرار أمني حقيقي ضد حركة الشباب، كما لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من القيام بالأدوار الأمنية كما يجب، ولم تتمكن من تنفيذ إصلاحات جدية في قطاعه الأمني، كما ترى واشنطن أن الخلافات الداخلية والصراعات السياسية لا تزال تعيق جهود مكافحة حركتي الشباب وداعش وأن فوائد الدعم الدولي ستظل محدودة ما لم يتوحد القادة الصوماليون لمعالجة التحديات المتعلقة بالأمن وحوكمة مؤسسات الدولة.

 وهذا الأمر يشير وجود إحباط متزايد لدى الإدارة الأمريكية بسبب استمرار الانقسامات بين مقديشو والولايات الفيدرالية مثل بونتلاند وجوبالاند ومن البطء الملحوظ لبناء قدرات الجيش الوطني رغم الاستثمارات الكبيرة خلال العقدين الماضيين.

بالرغم من أن هذا القرار يبدو للوهلة الأولى كإجراء مالي وإداري يتعلق بتمويل بعثة الاتحاد الأفريقي، فإنه يحمل دلالات استراتيجية أبعد، تتشابك مع أزمة سياسية ودستورية متفاقمة في الصومال، وتصاعد الزخم السياسي للاعتراف بصوماليلاند، وإعادة تموضع جيوستراتيجي واسع

هناك أيضًا بعد ثاني أقل وضوحاً يتعلق بالتحول العام لسياسة إدارة ترامب تجاه عمليات حفظ السلام غير التابعة للأمم المتحدة والمساعدات الخارجية بشكلٍ عام؛ إذ جاء قرار وقف التمويل لمكتب دعم الصومال ضمن إطار مراجعة شاملة خفضت فيها أمريكا إسهامها المالي لعدد كبيرٍ مِنْ مهام حفظ السلام مدفوعةً بتوجه تقليصي داخل الكونغرس استهدف العمليات السلمية غير الخاضعة مباشرة لإشراف الأمم المتحدة.

أما المنطق الثالث والأكثر خطورة استراتيجية يرتبط بتوتر العلاقات السياسية بين إدارة ترامب والرئيس حسن شيخ محمود الذي تعرض لتصريحات انتقادية صارمة وصف فيها الرئيس الأمريكي البلاد بأنها "دولة تنتمي للعالم الرابع بلا حكومة حقيقية ولا شرطة فعالة ولا جيش قادر"، وهي تصريحات جاءت عقب خلاف حول الاعتراف بصوماليلاند وتوتر بشأن التعاون العسكري والوصول للقوات العسكرية داخل الأراضي الصومالية.

ثانيًا: التداعيات على مسار الحرب على الإرهاب

يأتي القرار الأمريكي في وقت حساس للغاية من الناحية العسكرية. وفقًا لتقرير حديث صادر عن مجموعة الأزمات الدولية بعنوان "فصل جديد، الجمود نفسه: حرب الصومال مع حركة الشباب"، فإن المكاسب الميدانية التي حققتها حركة الشباب خلال عام 2025 أعادت تشكيل خريطة السيطرة الميدانية وما زالت إلى ربما وضع يفوق ما كانت عليه في العام 2022، أي قبل الهجوم المضاد الذي شنه الحكومة الفيدرالية آنذاك. وهذا يشير إلى أن معظم المكاسب الأرضية التي تحققت على مدار العامين الماضيين قد تلاشت. 

كما تشير تقييمات ميدانية أخرى إلى أن الحركة استعادَت السيطرة على مناطق كانت تُعتبر محررة وزادت من هجماتها ضد المدنيين والتفجيرات في مقديشو؛ ومن بين هذه الهجمات واحدة قرب مطار مقديشو الدولي في فبراير 2026 والتي أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثين شخصًا.

في هذا السياق، يُعد مكتب دعم الصومال العمود الفقري اللوجستي لحوالي اثني عشر ألف جندي وشرطي تابع لبعثة AUSSOM. حيث يوفر المكتب الوقود والغذاء والخدمات الطبية والنقل والدعم الهندسي والاتصالات عبر تسعة وأربعين موقعاً تغطي حوالي أربعمئة ألف كيلومتر مربع جنوب ووسط الصومال. 

وقد حذر دبلوماسيون نقلت عنهم رويترز بأن البعثة "قد تنهار" دون هذا الدعم اللوجستي الأممي، بينما يعتبر مركز أماني أفريقيا أن القرار الأمريكي هو بمثابة "ناقوس الموت" لبعثة تعاني بالفعل أزمة وجودية ويُحذر من أنه أي انسحاب غير مُنظم قد يترك فراغاً أمنياً تستغله حركة الشباب فوراً.

وتزداد الصورة قتامة إذا أخذنا بعين الاعتبار تجربة عام 2025 حين أدى الانسحاب الجزئي للقوات التابعة لبعثة ATMIS السابقة إلى استغلال حركة الشباب للفراغ الأمني الناتج واستعادة ما لا يقل عن خمسة مناطق في شبيلي السفلى وجوبا الوسطى خلال بضعة أشهر فقط. 

كما يشير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أن حركة الشباب تمكنت في يوليو لعام ٢٠٢٥ من الاستيلاء على بلدة مهاس وسط الصومال وهي منطقة كانت قد تم تحريرها سابقا منذ عام2014 وهو دليل إضافي على عجز الجيش الوطني الصومالي حتى بعد برامج التدريب التركية والإماراتية للدفاع بصورة مستقلة بعيدًا عن الدعم الخارجي. وعليه فإن وقف الدعم اللوجستي الأمريكي المتوقع بداية 2027 دون توفير بدائل مالية ربما سيؤدي إلى انهيار أمني من نوع ما.

ثالثًا: العلاقة بملف صوماليلاند

لا يمكن قراءة قرار وقف الدعم بمعزل عن التحركات المتشابكة والتعقيدات المتزايدة في ملف الاعتراف بصوماليلاند بعد أن أضحت إسرائيل أول دولة في العالم تعترف باستقلال صوماليلاند رسميا، وذلك في خطوة أعقبتها تبادلات دبلوماسية وزيارات ميدانية. 

ورغم أن الرئيس ترامب صرّح في أغسطس 2025 بأن إدارته "تنظر" في الاعتراف بصوماليلاند، فإنه أوضح عقب إعلان إسرائيل أن واشنطن لن تحذو حذوها فورًا، وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية في تقرير رفعته إلى الكونغرس في يونيو 2026 أن الولايات المتحدة "لا تزال تعترف بسيادة ووحدة السلامة الإقليمية لجمهورية الصومال الفيدرالية، بما يشمل صوماليلاند كجزء من حدود الصومال المعترف بها دوليًا"، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن واشنطن "تقيّم سبلًا جديدة لتوسيع التعاون مع صوماليلاند" في مجالات الحوكمة والأمن والتنمية.

يُعد مكتب دعم الصومال العمود الفقري اللوجستي لحوالي اثني عشر ألف جندي وشرطي تابع لبعثة “أوصوم”... وقد حذّر دبلوماسيون من أن البعثة “قد تنهار” دون هذا الدعم، وأن الانسحاب غير المنظم قد يترك فراغًا أمنيًا تستغله حركة الشباب فورًا

هذا التذبذب الرسمي في الموقف الأمريكي من الإعتراف بصوماليلاند لا يخفي مسارًا عمليًا متسارعًا نحو إيجاد مقاربات أمنية: وهذا ما أكدته زيارة الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأفريقية الأمريكية (أفريكوم)، هرجيسا في نوفمبر 2025 وما بعدها حيث التقى الجنرال حينها الرئيس الصوماليلاندي عبد الرحمن محمد عبدالله (عِرِّو)، وتفقّد ميناء بربرة من الناحية الأمنية والتشغيلية. 

وفي هذا الإطار صرّح وزير شؤون الرئاسة في صوماليلاند خضر حسين عبدي بأن هرجيسا مستعدة لمنح واشنطن حق الوصول الحصري إلى مواردها المعدنية وتقديم قواعد عسكرية على أراضيها، وقد ت كررت تصريحات مشابهة من عدة مسؤولين في حكومة صوماليلاند.

ويعكس أيضا القرار تراجعًا في مقاربة "الدولة الصومالية الموحدة" التي ظلت لعقود إطارًا ناظمًا للسياسة الأمريكية، لصالح مقاربة أكثر واقعية بالنسبة لها يتم فيها التعامل مع الفاعلين الإقليميين بحسب أدائهم الأمني والسياسي، وهذا النهج الأمريكي الجديد في السياسة الخارجية يخدم بشكل مباشر خطاب هرجيسا الحكومي الذي يقدّم صوماليلاند بوصفها "واحة استقرار" مقابل "دولة فاشلة" في الجنوب. 

ومن جهة أخرى، فإن وقف الدعم للبعثة يضعف تلقائيًا الأداة العسكرية التي طالما استخدمتها مقديشو لإظهار "سيادتها الفعلية" على المناطق الصومالية، بينما يعزز الأمريكي نموذج "الأمن الذاتي" للولايات والذي تقدمه صوماليلاند. ولكن هذه المقاربة من شأنها أن تدفع الحكومة الفيدرالية نحو المزيد من التقارب مع تركيا.

رابعًا: تقاطع القرار مع أزمة تأجيل الانتخابات الرئاسية والجدل حول الدستور الدائم

يتزامن قرار وقف الدعم مع أزمة سياسية دستورية حادة تعيشها مقديشو. فمنذ إقرار البرلمان الفيدرالي الصومالي التعديلات على الدستور المؤقت، والتي حسمت طبيعة النظام السياسي، ومددت ولاية الرئيس والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات، بحجة إتاحة الوقت الكافي للتحضير التقني لانتخابات "شخص واحد، صوت واحد" المرتقبة. 

إلا أن المعارضة، ممثلة بتحالف "المجلس الصومالي المستقبلي" الذي يضم رؤساء وحكومات سابقين إضافة إلى إدارتي بونتلاند وجوبالاند، رفضت هذه التعديلات جملة وتفصيلًا ووصفتها بـ"الانقلاب الدستوري"، معتبرة أن ولاية الرئيس حسن شيخ محمود انتهت فعليًا في 15 مايو 2026 وفق الدستور المؤقت الأصلي. 

وقد أعلنت المعارضة، عقب انهيار مفاوضات استضافتها منطقة حلن المحصنة في مقديشو بوساطة أمريكية وبريطانية استمرت ثلاثة أيام، أنها لم تعد تعترف بشرعية الرئيس محمود، فيما أصرّ حسن شيخ أن ولايته صالحة حتى مايو 2027. هذا الانسداد السياسي تطور إلى اشتباكات مسلحة في بيدوا بين قوات الحكومة الفيدرالية وقوات موالية لرئيس ولاية جنوب غرب السابق عبد العزيز حسن محمد، وأدى إلى مقتل ضابطين عسكريين كبيرين في كمين على الطريق.

العلاقة بين هذه الأزمة وقرار وقف الدعم الأمريكي علاقة تغذية متبادلة لا علاقة سببية مباشرة أحادية الاتجاه. فمن جهة، استندت المذكرة الأمريكية صراحة إلى "الخلافات الداخلية والصراعات السياسية" بوصفها عاملًا يقوّض فعالية الدعم الدولي، وهو ما يعني أن الأزمة الدستورية كانت أحد المبررات المعلنة لقرار واشنطن. 

ومن جهة أخرى، فإن تجريد الحكومة الفيدرالية من غطاء لوجستي أمريكي في اللحظة ذاتها التي تواجه فيها تحديًا صريحًا لشرعيتها من المعارضة وولايتي بونتلاند وجوبالاند من شأنه أن يُضعف قدرة مقديشو على المساومة السياسية الداخلية، إذ يفقدها إحدى أهم أوراق الضغط، وهي الاعتماد على القوة الأمنية المدعومة دوليًا لفرض الأمر الواقع على المستوى الفيدرالي. 

ويخشى الكثير من المحللين من أن تتحول الأزمة السياسية والدستورية في ظل تراجع الغطاء الأمني الدولي، إلى تعميق الانقسامات بين مقديشو والولايات الفيدرالية بالإضافة إلى إتاحة الفرصة إلى حركة الشباب لاستغلال هذه الانقسامات، تمامًا كما جرى في مواجهات سابقة بين القوات الفيدرالية وقوات جوبالاند عام 2024 حيث وجّه الطرفان بنادقهما لبعضهما بدلًا من حركة الشباب المتمركزة على مقربة منهما.

خامسًا: تحول الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصومال في عهد إدارة ترامب

يندرج قرار وقف الدعم ضمن إعادة تموضع استراتيجي أوسع لواشنطن تجاه الصومال، تتلخص ملامحها في أربعة عناصر. أولها، الانتقال من منطق "الشراكة طويلة الأمد غير المشروطة" إلى منطق "الشراكة المشروطة بالأداء والملكية المحلية"، إذ تكرر المذكرة الدبلوماسية الأمريكية المسلمة إلى الإتحاد الأفريقي في 1 يوليو 2026 ,والتي اطلعت عليها رويتر مطالبة الصومال بـضرورة اتحاد القادة الصوماليين في إجراء إصلاحات جادة لمواجهة التحديات الأمينة وإشكاليات الحوكمة كشرط ضمني لاستمرار أي دعم مستقبلي. 

وثانيها، أن الدعم العسكري الثنائي المباشر (تدريب وتجهيز القوات الخاصة الصومالية مثل "دنب" و"غورغور"، والضربات الجوية بواسطة قوة العمل المشتركة الأمريكية) لم يتأثر بالقرار الأخير ولا يزال مستمرًا. 

ثالثًا، تشير مصادر عدة إلى أن إدارة ترامب تدرس بجدية متزايدة خيار إعادة توزيع القوات والقواعد الأمريكية في القرن الأفريقي بعيدًا عن "تحالفات وقواعد ذات عائد محدود" باتجاه "مواقع ذات مزايا استراتيجية أوضح"، في إشارة تُقرأ على نطاق واسع بأنها تلمّح ربما إلى صوماليلاند وميناء بربرة. 

ورابعًا، وربما الأهم، أن هذا التحول يعكس تصورًا أمريكيًا متجذرًا مفاده أن عقدين من الاستثمار الأمني والتنموي في الصومال الفيدرالي لم يفضي إلى دولة قادرة على ضبط أمنها الذاتي، ولعل هذا الأمر يقود إلى إعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية من قبل الولايات الأمريكية المتحدة في الصومال بشكل خاص وفي القرن الأفريقي بشكل عام.

سادسًا: الأبعاد الجيوستراتيجية الإقليمية الأوسع

لا يمكن قراءة قرار وقف الدعم الأمريكي بمعزل عن سياق إقليمي متسارع للتحولات الاستراتيجية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث بات الصومال وصوماليلاند ساحة تقاطع لمحاور متنافسة. فمن جهة، تشكّل محور التحالف بين السعودية وتركيا وباكستان من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك، لمواجهة تداعيات تحالف الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل المتنامي النفوذ عبر بربرة وأسمرة وسقطرى. 

وتزداد تركيا حضورًا في هذا المشهد بوصفها الحليف العسكري الأول للصومال الفيدرالي، إذ يستضيف معسكر "توركسوم" في مقديشو، أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج الأراضي التركية، وقد درّبت آلاف عناصر القوات الخاصة الصومالية منذ 2017 ونفّذت ضربات بطائرات بيرقدار المسيّرة ضد مواقع حركة الشباب. 

كما أن هنالك أنباء عن سعي أنقرة إلى إقامة قاعدة في ميناء لاسقُري بدعم من الحكومة الفيدرالية ويقع الميناء ضمن أراضي صوماليلاند، كما توجد تفاهمات واتفاقيات بين تركيا والحكومة الفيدرالية لتطوير حقول نفط بحرية صومالية. 

وقد وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتراف إسرائيل بصوماليلاند بأنه "استفزاز متعمد للسيادة الصومالية" ومحاولة محسوبة لتنصيب مرتكز جنوبي منافس عند بربرة، معلنًا اصطفاف أنقرة إلى جانب القاهرة بوصفهما "المدافعين الرئيسيين" عن وحدة أراضي الصومال.

ما لم تُبلور مقاربة سياسية داخلية شاملة لهذه الأزمات المتراكمة، فإن السيناريو الأرجح هو تفاقم الفراغ السياسي والأمني، بما لا يهدد المكتسبات الأمنية المحدودة فحسب، بل قد يطال المنظومة السياسية الهشة برمتها، ويطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل الدولة الصومالية ذاتها

وتفسّر مراكز تحليل أخرى هذا التقارب التركي-المصري بمنطق المصالح الاقتصادية الحيوية المرتبطة بأمن الملاحة عبر باب المندب الذي يمر عبره نحو 12 إلى 15 بالمئة من التجارة العالمية، إذ إن استقرار البحر الأحمر يرتبط عضويًا بعائدات قناة السويس المصرية، بينما ترى القاهرة وأنقرة في تمدد النفوذ الإماراتي-الإسرائيلي عبر بربرة وسقطرى تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لموازين القوى في المضيق. 

في هذا السياق المتشابك، يصبح قرار واشنطن سحب الغطاء اللوجستي عن بعثة AUSSOM بمثابة تفريغ لأداة التوازن التي طالما استخدمتها لضبط إيقاع التنافس الإقليمي، تاركًا فراغًا يتنافس على ملئه فاعلون إقليميون متعددو الأجندات كتركيا ومصر والسعودية من جهة، والإمارات وإثيوبيا وإسرائيل من جهة أخرى.

خاتمة: نحو أي سيناريوهات؟

يكشف تحليل قرار وقف الدعم الأمريكي عن بعثة AUSSOM أن الملف الصومالي دخل مرحلة مفصلية تتشابك فيها أربعة مسارات متزامنة: أزمة سياسية و دستورية حادة تهدد الحالة الفيدرالية في الصومال، وتراجع متوقع في الغطاء الأمني الدولي في مواجهة تمدد حركة شباب واتساع نطاق عملياتها، وتصاعد في زخم الاعتراف الدولي بصوماليلاند وارتدادات ذلك على وحدة الأراضي الصومالية، وإعادة تموضع جيوستراتيجي إقليمي واسع النطاق يجعل من الصومال ساحة تنافس إقليمية وربما دولية إذا أخذنا بعين الاعتبار الدور الصيني والذي يمكن وصفه بـــ "الحاضر الغائب" في المشهد السياسي في الصومال.

وتخلص الدراسة إلى أنه ما لم يتم بلورة مقاربة سياسية داخلية شاملة للتعامل مع هذه الأزمات المتراكبة في الصومال سواء عبر بناء حلول أمنية وطنية بعيدا عن الاعتماد على الخارج، أو التوصل إلى تفاهمات سياسية ناضجة بين مقديشو والمعارضة والولايات الفيدرالية، أو ضبط سقف التنافس الإقليمي حول صوماليلاند- فإن السيناريو الأرجح يتمثل في تفاقم الفراغ السياسي والأمني على نحو لا يهدد المكتسبات الأمنية المحدودة فحسب، بل قد يمتد ليطال للمنظومة السياسية الهشة برمتها، وذلك في ظل غطاء دولي أضعف بكثير مما كان متاحا في السابق، الأمر الذي يطرح في المحصلة سؤالا وجوديا حول مستقبل الدولة الصومالية ذاتها.