تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

ولتر رودني.. من نقد التخلف إلى إعادة كتابة تاريخ أفريقيا

4 مارس, 2026
الصورة
ولتر رودني.. من نقد التخلف إلى إعادة كتابة تاريخ أفريقيا
Share

لا يحضر اسم ولتر رودني (1942–1980) في وعي كثير من مثقفي القارة الأفريقية بالقدر الذي يليق بمكانته، وهو غياب يمكن اعتباره مؤشرا على خلل أعمق في علاقتنا بذاتنا وبتراثنا الفكري التحرري؛ فأن نعرف تفاصيل النظريات والأفكار القادمة من خارج فضاءتنا، ونجهل في المقابل أسماء أسست لوعي نقدي أفريقي أصيل، يعني أننا ما نزال نعيد إنتاج شكل من أشكال الاغتراب الفكري المعرفي عن ذواتنا. من هذا الوعي بضرورة استعادة هذا الإرث، تبرز الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على رودني، بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين ساهموا في إعادة صياغة سؤال أفريقيا في القرن العشرين، من خلال مقاربة تجمع بين التاريخ والاقتصاد السياسي والنقد الاستعماري.

انشغل رودني، في حياته، بتفكيك الشروط التي صاغت تمثلات الماضي، مبينا الأبعاد البنيوية لعلاقة القارة الأفريقية بالنظام العالمي، وفي هذا الإطار، تندرج أعماله ضمن الجهود الفكرية التي سعت إلى إعادة كتابة التاريخ من موقع الشعوب المستعمَرة، لا من موقع القوى التي مارست الهيمنة.

كان ميلاد رودني في جورجتاون، عاصمة غيانا، عام 1942، في بيئة اجتماعية تنتمي إلى الطبقة الأقل حظا والأكثر حرمانا في المجتمع، وقد أتاح له تفوقه الدراسي الالتحاق بجامعة جزر الهند الغربية في جامايكا، حيث حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ بمرتبة الشرف الأولى عام 1963، قبل أن ينتقل إلى كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، حيث نال درجة الدكتوراه في التاريخ الأفريقي وهو في سن الرابعة والعشرين.

كيف صُنِع التخلف؟

تميز تكوينه الأكاديمي بقدرة لافتة على التعامل مع الأرشيفات الاستعمارية بلغاتها الأصلية، خاصة البرتغالية والإسبانية، وهو ما مكّنه من إعادة قراءة مصادر تاريخية مركزية خارج الوسائط التفسيرية الجاهزة.

في كتابه "التأصيل مع إخوتي" يقدّم تصورا للمعرفة بوصفها ممارسة اجتماعية تتشكل في التفاعل مع الواقع، لا في الانفصال عنه حيث يقول: "يجب على المثقف الأسود، والأكاديمي الأسود، أن ينخرط في نشاط الجماهير السوداء"

في أعماله المبكرة، ولا سيما دراسته حول ساحل غينيا العليا، سعى رودني إلى تحليل تاريخ تجارة الرقيق في سياقه الاجتماعي والاقتصادي، بدل اختزاله في سردية خطية، وقد مهّد هذا العمل لتبلور مشروعه الفكري، الذي سيبلغ ذروته مع صدور كتابه: "كيف أسهمت أوروبا في تخلف أفريقيا" (How Europe Underdeveloped Africa) 1972.

 

أعلاه أغلفة بعض كتب ولتر رودني
أعلاه أغلفة بعض كتب ولتر رودني

في هذا الكتاب، يقدّم رودني أطروحة مفادها أن التخلف الذي تعاني منه أفريقيا ليس نتيجة لعوامل داخلية، وإنما حصيلة تاريخية لعمليات الاستغلال التي رافقت التوسع الرأسمالي الأوروبي، وخلال تتبّع دقيق لمسارات التجارة وأنماط الإنتاج، والبنى الاجتماعية، يبيّن كيف أعيد تشكيل الاقتصادات الأفريقية بما يخدم مصالح المركز الاستعماري، على حساب إمكانات التطور الداخلي.

ينطوي هذا الطرح على تحول منهجي مهم، يتمثل في نقل النقاش من سؤال "لماذا تخلفت أفريقيا؟" إلى سؤال "كيف أنتج هذا التخلف؟". وهو تحول يسمح بفهم الظواهر التاريخية في إطار علاقات القوة العالمية، بدل تفسيرها بوصفها نتاجا لعوامل ثقافية، فكرية أو حضارية معزولة.

أسهم هذا المنظور في ترسيخ توجه نقدي داخل الدراسات الأفريقية ودراسات ما بعد الاستعمار، يقوم على مساءلة السرديات التي تفصل بين التاريخ الاقتصادي والبنية الاستعمارية.

لم يقتصر نشاط رودني على المجال الأكاديمي، فلم يبق أسير المكاتب وقاعات المحاضرات، وصالونات الندوات والمنصات المؤامرات فقط، وإنما ارتبط أيضا بالحركات الاجتماعية والسياسية، خاصة خلال إقامته في جامايكا أواخر ستينيات القرن العشرين؛ حيث انخرط في النقاشات المرتبطة بحركة "القوة السوداء"، وتفاعل مع قضايا الفئات المهمشة، خصوصا جماعة الراستافاريين. وقد عبّر عن هذه التجربة في كتابه: "التأصيل مع إخوتي" (Grounding with My Brothers)، الذي يقدّم تصورا للمعرفة بوصفها ممارسة اجتماعية تتشكل في التفاعل مع الواقع، لا في الانفصال عنه حيث يقول: "يجب على المثقف الأسود، والأكاديمي الأسود، أن ينخرط في نشاط الجماهير السوداء."

الفكر يتحول إلى حدث سياسي

عام 1968، منع رودني من العودة إلى جامايكا بعد مشاركته في مؤتمر للكتّاب السود في كندا، وهو القرار الذي أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في كينغستون، عرفت لاحقا بـ "أحداث رودني". تقول زوجته باتريشيا رودني في نهاية الكتاب السالف الذكر: "غادر والتر منزلنا في كينغستون في أكتوبر/تشرين الأول 1968 لحضور مؤتمر الكتّاب السود في مونتريال. وكنت حينها حاملًا بطفلنا الثاني، وكنت طالبة في السنة الأولى في العلوم الاجتماعية، وأعمل بدوام جزئي ممرضةً في مستشفى جامعة جزر الهند الغربية. وقد فوجئنا بأن حكومة شيرر استغلت هذه الفرصة لمنع عودة والتر إلى البلاد. ويبدو أن الحكومة أقدمت على هذا القرار بعد أن رفضت إدارة الجامعة إنهاء عقده." تتابع قائلة: "ورغم حملي، لم أتردد في الانضمام إلى المظاهرة التي نظمها الطلبة احتجاجا على قرار المنع، وعلى إعلان والتر "شخصا غير مرغوب فيه".

خلال تتبّع دقيق لمسارات التجارة وأنماط الإنتاج، والبنى الاجتماعية، يبيّن كيف أعيد تشكيل الاقتصادات الأفريقية بما يخدم مصالح المركز الاستعماري، على حساب إمكانات التطور الداخلي

قامت الشرطة بتفريق الحشود باستخدام الغاز المسيل للدموع وبقوة مفرطة، لمنع الطلبة من التوجه إلى وسط كينغستون، واستمرت الاضطرابات لمدة أسبوعين، وامتدت إلى المجتمع الأوسع، لتعبّر عن سخط عام إزاء الأوضاع في جامايكا، وانتهت بأعمال شغب في كينغستون دفعت إلى نقاشات واسعة داخل البرلمان الجامايكي. وكشفت هذه الأحداث عن التوتر القائم بين السلطة السياسية والحركات الاجتماعية، كما أبرزت موقع رودني كأحد الأصوات المؤثرة في تلك المرحلة. تنهي بقولها: "كان والتر أبا وزوجا وصديقا مخلصا، وفي الوقت نفسه منغمسًا بعمق في النقاش الأكاديمي والتحليل النظري، ومتشبّعا بالنضال السياسي المحلي والعمل النضالي".

انتقل رودني بعد ذلك إلى تنزانيا، حيث عمل أستاذًا في جامعة دار السلام ما بين 1968 و1974، في فترة كانت البلاد تشهد فيها تجربة فكرية وسياسية نشطة ضمن مشروع "أوجاما". في هذا السياق، انخرط في نقاشات عميقة حول قضايا الإمبريالية وبنية الدولة والعلاقات الطبقية، وساهم في تطوير مقاربة تحليلية تربط بين التاريخ والاقتصاد السياسي. كما شارك في النقاشات التي سبقت انعقاد المؤتمر السادس للوحدة الأفريقية عام 1974، وهو ما يعكس موقعه داخل الشبكات الفكرية للبان-أفريكانية.

العودة إلى غيانا

عند عودته إلى غيانا عام 1974، كان من المقرر أن يتولى منصبا أكاديميا في جامعة غيانا، غير أن الحكومة ألغت تعيينه، في خطوة عكست التوتر بين السلطة ومواقفه السياسية. وقد دفعه هذا الوضع إلى الانخراط المباشر في العمل السياسي، حيث انضم إلى "تحالف الشعب العامل" (Working People’s Alliance - WPA)، مواصلا نشاطه السياسي والنضالي كأحد قادته. وقد استمرت الضغوط السياسية عليه حتى اغتياله في 13 يونيو/حزيران 1980 في جورجتاون، في حادثة شكّلت لحظة مفصلية في تاريخ غيانا السياسي.

كان والتر رودني، شأنه شأن المفكرين أصحاب الرؤى، غير مشلول بالإحساس بالقدر أو بالظروف، بل كان مصمما على تفكيك "حبكة التاريخ" وكشف آليات التقييد والاستلاب؛ يقول بونغو جيري سمول الشاعر والناشط جامايكي بارز، المرتبط بالحركة الراستافارية، في شهاداته في كتاب "التأصيل مع إخوتي"، بأن رودني كان يؤمن بإمكانية تفكيك البنية الطبقية، كما كان يستشعر أن العِرق يمكن توحيده أولا ثم تجاوزه لاحقا. وقد حمل هذا الوعي منذ وقت مبكر في حياته، ومع امتلاكه حسا بالزمن وجدولة العمل، استطاع أن يحقق الكثير في مسيرة مكثفة. وبالطبع، لم يكن لأيّ من ذلك أن يتحقق دون فريق؛ فالقادة الكبار هم دائمًا جزء من جماعة.

أدرك رودني، بوصفه مثقفا ثوريا، الترابط العضوي بين التعليم الشعبي والممارسة السياسية. وفي زمنٍ آلت فيه الأفكار السياسية إلى الانحصار داخل الفضاء الأكاديمي-بل إلى نوع من التكلّس داخله أحيانا- يأتي كتاب "التأصيل مع إخوتي" ليعيد التذكير بأن الأفكار جزء لا يتجزأ من المجال العمومي، وشرط من شروط الفعل السياسي، خاصة في الأزمنة الحرجة التي تتكاثف فيها الأسئلة، ويشتد فيها القلق.