الجمعة 17 أبريل 2026
في إحدى أمسيات نيروبي، تلك التي توهمك بأن العالم يسير وفق نظام مستقر، تلقيت اتصالا من أمي. لم يكن الاتصال في ذاته غريبا، لكن نبرة صوتها كانت مختلفة: مشدودة ومضغوطة، كأن الكلمات تُنتزع انتزاعا. قالت ببساطة: "بيت عمتك… اختفى". لم يكن حريقا ولا انهيارا. كان الماء. بحيرة نيفاشا، التي اعتدناها حدا طبيعيا ثابتا بدأت تستعيد ما اعتبرناه طويلا أرضا.
تلك اللحظة لم تكن مجرد خبر عائلي، بل انكشافا مفاجئا لوهم عميق: وهم أن الطبيعة تعرف حدودها، وأن المجال الذي نظمه الإنسان سيبقى على حاله.
نشأنا على فكرة غير معلنة لكنها راسخة: أن الماء يتراجع أو يتقدم ضمن حدود يمكن التنبؤ بها. لعقود تراجعت بحيرة نيفاشا كاشفة أراضي استثمرها السكان في الزراعة والبناء. قامت صناعة زهور بمليارات الشلنات على أرض كانت يوما قاعا مائيا. شقت الطرق، وبنيت المنازل وتحول ما كان ذاكرة مائية إلى مجال عمراني سُمّي "تقدمًا". لكن هذا التقدم كان قائما على قراءة خاطئة للطبيعة: قراءة تفترض الاستقرار حيث لا يوجد إلا التغير.
ما يحدث في نيفاشا لا يمكن اختزاله في "فيضان". الفيضانات المؤقتة تنحسر، وتترك المجال كما كان. أما هنا، فنحن أمام إعادة رسم للحدود
بدأت البحيرة في التمدد منذ حوالي 2010. ما بدا في البداية تغيرا طفيفا تحول تدريجيا إلى زحف مستمر. وصلت المياه بحلول 2020، إلى مستويات لم تُسجل منذ قرابة قرن. في بعض المناطق، تقدّم الشاطئ أكثر من كيلومتر داخل اليابسة، بمعدل يصل إلى عشرات الأمتار شهريا. لم يعد الأمر حدثا عابرا، بل تحولا بنيويا.
ما يحدث في نيفاشا لا يمكن اختزاله في "فيضان". الفيضانات المؤقتة تنحسر، وتترك المجال كما كان. أما هنا، فنحن أمام إعادة رسم للحدود. والمفارقة أن اتساع بحيرة عذبة يُفترض أن يكون مؤشرا إيجابيا بيئيا، لكنه هنا يتحول إلى قوة تدمير. غابات الأكاسيا غرقت، الطرق اختفت، مئات المباني ابتلعت، وصناعة الزهور – ذلك العمود الفقري للاقتصاد المحلي - تعرضت لضربات قاسية. آلاف العمال فقدوا مصادر رزقهم لأن الأرض التي عملوا عليها لم تكن، في الحقيقة، أرضا مستقرة. وهذا يعيد طرح سؤال أعمق: هل كانت الأرض يوما ملكا بشريا، أم مجرد مجال مؤقت ضمن دورة طبيعية أطول؟
الخطأ الأكبر في قراءة الظاهرة هو اختزالها في سبب واحد. ما يحدث هو نتيجة تفاعل معقد بين ثلاثة مستويات. أولا؛ على المستوى الجيولوجي: الوادي المتصدع لشرق أفريقيا منطقة نشطة تكتونيا. تحركات الصفائح قد تكون غيّرت نفاذية باطن الأرض، مما قلل من تصريف المياه الجوفية التي كانت تنظم مستوى البحيرات. عندما يُغلق هذا الصمام الطبيعي، لا تجد المياه سوى التوسع أفقيًا. ثانيا؛ على المستوى المناخي: أنماط الأمطار تغيّرت بشكل ملحوظ، خصوصًا بفعل ظاهرة ثنائية القطب في المحيط الهندي، التي دفعت كميات غير اعتيادية من الأمطار نحو شرق أفريقيا، خاصة بين 2019 و2020. ثالثا؛ على مستوى التدخل البشري: إزالة الغابات، خصوصا في مجمع غابات ماو، غيّرت دورة المياه. بدلا من امتصاص الأمطار تدريجيا، أصبحت تتدفق مباشرة نحو الأنهار والبحيرات. كما أدى التعرية الزراعية إلى زيادة ترسب الطمي، مما رفع قاع البحيرات ودفع المياه للانتشار أفقيًا.
هذه العوامل لا تعمل بشكل منفصل، بل تتراكم، ما يجعل الظاهرة أقل قابلية للتنبؤ وأكثر صعوبة في السيطرة.
ليست نيفاشا بالحالة الاستثنائية. شهدت عدة بحيرات في الوادي المتصدع بين 2010 و2020 تمددا كبيرا: بارينغو، ناكورو، بوغوريا، وحتى بحيرة فيكتوريا تأثرت بنفس الديناميات المناخية.
افترضنا أن الحدود التي نرسمها نهائية وأن الطبيعة ستلتزم بها. لكن الواقع أن هذه الحدود كانت دائمًا مؤقتة. البحيرة لم تتغير فجأة؛ الذي تغيّر هو إدراكنا لها. وعندما تقرر الطبيعة استعادة مجالها، فإنها لا تميز بين استثمار حديث وأرض موروثة
هذا يعني أننا لسنا أمام كارثة محلية، بل أمام تحول إقليمي يعيد تشكيل الجغرافيا المائية لشرق إفريقيا. ما يتغير ليس مستوى الماء فقط، بل العلاقة بين الإنسان والمجال.
ما يكشفه هذا التحول ليس فقط قوة الطبيعة، بل هشاشة التخطيط البشري. كثير من المناطق التي غمرتها المياه كانت معروفة تاريخيا كمناطق فيضانية أو مناطق استعادة طبيعية للمياه. ومع ذلك، تم البناء فيها تحت ضغط الحاجة الاقتصادية والتوسع العمراني. كما وصف أحد الباحثين، ما حدث هو مسرح عبثي: بناء دائم فوق مجال غير دائم. هذا يكشف خللًا في تصور العمران نفسه، حيث يُفترض أن المجال ثابت، بينما الواقع أنه متغير بطبيعته.
لسنا أمام كارثة محلية، بل أمام تحول إقليمي يعيد تشكيل الجغرافيا المائية لشرق إفريقيا. ما يتغير ليس مستوى الماء فقط، بل العلاقة بين الإنسان والمجال
لا يجب أن يحجب التحليل البنيوي البعد الإنساني. بالنسبة للسكان ليست هذه ظاهرة هيدرولوجية، وإنما تجربة فقدان متكرر. هناك من نزح أكثر من مرة خلال سنوات قليلة. من بنى منزله بعيدا عن الشاطئ ظنا بالأمان ليجده بعد سنوات تحت الماء. من شاهد أرضه الزراعية تختفي تدريجيا دون أن يستطيع إيقاف ذلك.
اللافت أن الكارثة ليست فجائية بالكامل، وهذا ما يجعلها أكثر قسوة. فهي تمنح وقتا للفهم، لكن لا تمنح وقتا كافيا للتدارك.
لم يعد ممكنا التعامل مع ما يحدث بوصفه أزمة مؤقتة. ما نشهده هو إعادة تشكيل دائم للمجال. لذلك فإن الاستجابة لا يمكن أن تبقى في إطار إدارة الكوارث، وإنما يجب أن تتحول إلى إدارة طويلة المدى.
أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من مقاومة الماء إلى التكيف معه. بناء الحواجز لم يعد كافيا. المطلوب هو إفساح المجال للبحيرة أي الاعتراف بحركتها الطبيعية وترك مناطق عازلة تمنع الكارثة قبل وقوعها.
كما أن تحديد الحدود القانونية للمناطق المائية وفرضها بشكل صارم أصبح ضرورة، وليس خيارا. بدون ذلك، سيستمر البناء في مناطق الخطر وسيتكرر نفس السيناريو.
أما بالنسبة للمهجّرين فإن الحل لا يمكن أن يبقى في الإغاثة المؤقتة. إعادة التوطين الدائم في مناطق آمنة أقل تكلفة وأكثر استدامة من دورات النزوح المتكررة.
ما تكشفه قصة بحيرة نيفاشا هو خلل في تصور الإنسان لعلاقته بالطبيعة. لقد افترضنا أن الحدود التي نرسمها نهائية وأن الطبيعة ستلتزم بها. لكن الواقع أن هذه الحدود كانت دائمًا مؤقتة. البحيرة لم تتغير فجأة؛ الذي تغيّر هو إدراكنا لها. وعندما تقرر الطبيعة استعادة مجالها، فإنها لا تميز بين استثمار حديث وأرض موروثة. إنها تتحرك وفق منطقها الخاص. ومن يواجهها لا ينتصر، بل يتكيف أو ينسحب. وهنا يكمن الدرس الأعمق: ليس السؤال كيف نوقف الماء، بل كيف نعيد التفكير في المجال الذي اعتبرناه يومًا ثابتًا، بينما كان في حقيقته دائم التحول.