تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 9 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

وفاة جيسون أرداي: القتل المؤسسي في الأكاديميا البريطانية

20 أغسطس, 2026
الصورة
وفاة جيسون أرداي: القتل المؤسسي في الأكاديميا البريطانية
Share

عُثر في 14 أغسطس/ آب الجاري، على جيسون أرداي، أصغر أكاديمي أسود يُعيَّن أستاذًا في جامعة كامبريدج ميتًا في منزله بلندن. وكان قد استقال من منصبه قبل ذلك بأكثر من أسبوع، إثر حملة شرسة استمرت أسابيع واستهدفته على خلفية اتهامات بالانتحال.

في خضم تلك الحملة، أخضعت وسائل الإعلام البريطانية، وعالم الميمات على الإنترنت، ومعلقون من اتجاهات مختلفة، كل تفاصيل حياته المهنية والشخصية للتشريح؛ من طريقة حديثه إلى نتاجه العلمي. وفي أجواء مشبعة بالشماتة، زعموا أنهم يكشفون «أكاذيبه» وانتحاله المزعومين، وأمعنوا في التشهير به بلا رحمة. بل إن أصواتًا من داخل المؤسسة الإعلامية دافعت عن ذلك بوصفه مجرد كشف لـ«الحقيقة».

منذ البداية، بدا واضحًا أن هذا «الكشف» المزعوم عن الانتحال لم يكن غاية في ذاته، بل أداة لتكريس الزعم بأن مبادرات المساواة والتنوع والشمول تفتقر بطبيعتها إلى النزاهة الأكاديمية. ولم تقتصر الهجمات على اليمين؛ فقد نشرت مجلتا «ذا سبيكتيتور» و«ذا تلغراف» مقالًا تلو الآخر عن أرداي، لكنها جاءت أيضًا من اليسار. فقد كتب آرون باستاني، الشريك المؤسس لمنصة «نوفارا ميديا» اليسارية، على منصة إكس أن أرداي لم يقل «شيئًا» خلال محاضرة متاحة على يوتيوب مدتها 40 دقيقة، ثم وصفه بـ«المحتال».

يكشف المسار الممتد من فصل كوفناس إلى نجاحه في التحريض على التنمر ضد أرداي عن إخفاق راسخ داخل المؤسستين الأكاديمية والإعلامية في إدراك العنصرية البنيوية، حتى لدى شخصيات ستصف نفسها، بلا شك، بأنها مناهضة للعنصرية

جرى تبرير ذلك كله باعتباره دفاعًا عن أخلاقيات العمل الأكاديمي. لكن الدوافع الكامنة وراء هذه الشهية المفاجئة لاستهداف أكاديمي أسود بعينه و«فضحه» لم تحظ إلا بقدر ضئيل من التدقيق. وبدلًا من ذلك، ركب الجميع موجة معاداة مبادرات المساواة والتنوع والشمول؛ فوجد اليسار فيها فرصة لترديد مقولة إن «سياسات الهوية سيئة»، فيما انزلق اليمين إلى عنصرية سافرة.

لكن هل انتحل أرداي بالفعل في أطروحته أو في أي من أعماله الأخرى؟ خلص أحد التحقيقات إلى أنه لم يفعل، بينما كان تحقيق آخر لا يزال جاريًا. أما الأحكام الجازمة التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، فاستندت إلى ثقافة تقوم على اجتزاء فقرات من أعماله، وعرضها بمعزل عن سياقها، ثم مقارنتها بأعمال باحثين آخرين.

لم تسلم إصابة أرداي بالتوحد ولا إنجازاته الرياضية من التكهنات والسخرية، إذ قوبل كل ذلك بضحك شامت يوحي بأنه مثير للسخف. وتراوحت التغطية بين إنكار فج لإعاقته ومقالات غارقة في التفاهة، توقفت عند تأخره عن إلقاء بعض المحاضرات، أو عند عدم تقديمه ما اعتبره أحد الطلاب إحالات مرجعية كافية لتدعيم حديثه عن العنصرية.

يخضع كثير من الأكاديميين كل عام لتحقيقات في مخالفات تتعلق بأعمالهم العلمية، من بينها الانتحال، إلى جانب ممارسات غير أخلاقية متفشية في التعامل مع المجتمعات المشاركة في الأبحاث. ونحن نناقش هذه القضايا في مؤتمراتنا، ونوقّع رسائل تطالب مؤسساتنا بالتحرك، كما يخضع زملاؤنا لمسارات المساءلة.

لكن لا ينبغي لأي من هذه الإجراءات أن يتحول إلى تشهير علني أو مناسبة للشماتة العنصرية. أما حالة التكالب الغوغائي على أرداي، فكانت السمة الاستثنائية في قضيته. واللافت أن أصوات المطالبة بالمحاسبة قلّما تعلو بهذه الحدة، حتى في الحالات التي يثبت فيها ارتكاب أكاديميين سوء سلوك جنسي بحق طلابهم وزملائهم.

لنأخذ، على سبيل المثال، حالة المحاضر السابق بيتر هاتشينسون، الذي اتهمه عشرة طلاب بالتحرش الجنسي في جامعة كامبريدج عام 2015. وبعد أن خرق العقوبات المفروضة عليه إثر تحقيق، اضطر إلى الابتعاد عن شؤون الكلية، قبل أن يُعاد إلى ممارسة مهامه بعد عامين. ومع ذلك، لم تتحول قضيته إلى فضيحة على مستوى البلاد.

يتيح مفهوم القتل المؤسسي تحليلًا بنيويًا للوفيات الناجمة عن عنف متجذر يضيّق إمكانات العيش. وتبنّي هذا الإطار يعني رفض السردية التي تختزل مثل هذه الوفيات في عوامل فردية، وكذلك رفض الدعوات إلى تجريدها من دلالاتها السياسية

ثمة جانب محوري آخر في قضية أرداي، يتعلق بالمحرّض الرئيسي على الحملة ضده: ناثان كوفناس، الذي يصف نفسه بأنه «واقعي عرقي»، وكتب على نطاق واسع مروّجًا لمزاعمه بأن السود يفتقرون إلى الذكاء.

واجه كوفناس انتقادات واسعة، قبل أن يُفصل من جامعة كامبريدج عام 2024، بعدما نشر تدوينة على منصة «سابستاك» زعم فيها أن جامعة هارفارد لن تضم أي أستاذ أسود لو كان التعيين فيها قائمًا على الجدارة وحدها. ومع ذلك، ظل يحظى منذ وقت طويل بمكانة مفضلة لدى أوساط المدافعين عن حرية التعبير في بريطانيا. وفي العام نفسه، حين طالب طلاب في كامبريدج بالتحقيق معه، نشرت مجموعة مرموقة من كبار الأكاديميين رسالة تدافع عن حريته في التعبير.

يكشف المسار الممتد من فصل كوفناس إلى نجاحه في التحريض على التنمر ضد أرداي عن إخفاق راسخ داخل المؤسستين الأكاديمية والإعلامية في إدراك العنصرية البنيوية، حتى لدى شخصيات ستصف نفسها، بلا شك، بأنها مناهضة للعنصرية.

هكذا تتسلل المقولات الفاشية إلى الخطاب العام، وتكتسب قدرًا من المشروعية، عبر توظيف مقاييس يُفترض أنها موضوعية بوصفها أسلحة. ومجرد أن الرسوم البيانية والمقاييس الإحصائية التي يستخدمها كوفناس تمنح مزاعم «علم الأعراق» بشأن الذكاء مظهرًا علميًا وسلطة معرفية، لا يجعل تلك المزاعم أفكارًا مشروعة تستحق النقاش في الفضاءات العامة.

من أوجه اللامسؤولية أن تدّعي وسيلة إعلامية الرصانة، ثم تعجز عن التحقيق في ضراوة حملة التكالب التي تعرّض لها أرداي، أو عن تتبع جذورها في أوهام أحد دعاة تحسين النسل بتخليص الجامعات من الأساتذة السود ومن الإنتاج الأكاديمي المناهض للعنصرية.

منذ البداية، بدا واضحًا أن هذا «الكشف» المزعوم عن الانتحال لم يكن غاية في ذاته، بل أداة لتكريس الزعم بأن مبادرات المساواة والتنوع والشمول تفتقر بطبيعتها إلى النزاهة الأكاديمية

أما القصة التي تستحق التغطية خدمةً للمصلحة العامة، فهي تزايد إضفاء الشرعية على علم الأعراق وتحسين النسل، حتى داخل الجامعات الكبرى، وما يمثله ذلك من خطر هائل على الأكاديميين السود والمناهضين للعنصرية. وفي مقابلة مع الشخصية الإعلامية المحافظة روب مونتز، نُشرت على يوتيوب يوم وفاة أرداي، أقرّ كوفناس بأن ما جرى لم يكن في حقيقته متعلقًا بالانتحال، الذي أشار هو نفسه إلى شيوعه في الأوساط الأكاديمية، بل بـ«المكانة الرفيعة» التي كان أرداي يتمتع بها. ثم مضى يتخيل أن يصبح يومًا رئيسًا لقسم لعلم الأعراق وتحسين النسل في جامعة هارفارد.

تبدو لي أوجه الخلل في تغطية الاتهامات الموجهة إلى أرداي مألوفة على نحو مؤلم. فمنذ عقود، تصرّ نخب الطبقات المهيمنة في الهند، التي أنحدر منها، على أن صون «الجدارة» الأكاديمية يقتضي إنهاء سياسات التمييز الإيجابي المخصصة للأكاديميين المهمشين بفعل النظام الطبقي.

كما تبيّن أبحاث أجنتا سوبرامانيان، الأكاديمية في جامعة هارفارد، فإن «الجدارة» في جنوب آسيا ليست سوى الصيغة العلمانية لمنطق النظام الطبقي؛ أي معيار يبدو موضوعيًا، لكنه يسمح بإعادة إنتاج منظومة عنيفة من الإقصاء ونزع الإنسانية. هذا تحديدًا هو المنطق الكامن وراء حملة التنكيل العنيفة التي تعرّض لها أرداي في الصحافة البريطانية.

في ضوء هذا السياق، يجدر الاستناد إلى الإطار الذي طوّره باحثون من الداليت لفهم مثل هذه الوفيات ووصفها: «القتل المؤسسي». وقد بدأ هذا المصطلح يكتسب حضورًا واسعًا عقب إنهاء روهيث فيمولا، طالب الدكتوراه المنتمي إلى الداليت، حياته عام 2016، بعد اضطهاد طويل تعرّض له على يد جامعة حيدر آباد.

يتيح مفهوم القتل المؤسسي تحليلًا بنيويًا للوفيات الناجمة عن عنف متجذر يضيّق إمكانات العيش. وتبنّي هذا الإطار يعني رفض السردية التي تختزل مثل هذه الوفيات في عوامل فردية، وكذلك رفض الدعوات إلى تجريدها من دلالاتها السياسية.

ما تعرّض له أرداي من تنكيل، ثم وفاته المفجحة، ليسا حادثتين فرديتين أو استثنائيتين، بل يمثلان بوضوح حالة من القتل المؤسسي على يد منظومة مشبعة بالعنصرية المناهضة للسود.