تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عودة "كابيلا" وتشابكات الصراع في الكونغو الديمقراطية

28 مايو, 2025
الصورة
عودة "كابيلا" وتشابكات الصراع في الكونغو الديمقراطية
Share

أعلن الرئيس السابق للكونغو الديمقراطية "جوزيف كابلا"، في 9 أبريل/نيسان 2024، أنه يعتزم العودة للوطن، للمساعدة في تسوية الصراع المشتعل شرقي البلاد، بعد أن انهارت كل اتفاقيات التسوية قبل أن تجف أحبارها، وأخفق كل الوسطاء في التقريب بين فرقاء الصراع.

جاء إعلان "كابيلا"، بالتزامن مع عدة تفاعلات، شهدتها الساحة الكونغولية مؤخراً، مما زاد المشهد تشابكاً وتعقيداً، ففي الوقت الذي بدأت جماعة تنمية الجنوب الأفريقي "سادك"، في سحب قواتها من الكونغو الديمقراطية، انطلقت جهود الوساطة القطرية، في حلحلة مواقف فرقاء الصراع، باتجاه تسوية محتملة. وألقت الولايات المتحدة بثقلها في ملف التسوية، عبر مقترحها "الأمن مقابل المعادن" الذي عرضته على كنشاسا.

قاد رئيس توجو فور جناسينجبي، جولة جديدة من جهود التسوية، المدعومة من الاتحاد الأفريقي، وعينت مجموعتا شرق أفريقيا "إياك"، وتنمية الجنوب الأفريقي "سادك"، ثلاثة رؤساء أفارقة سابقين، مسهلين لعملية المجموعتين المشتركة للسلام في الكونغو الديمقراطية، وفرض الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، عقوبات متنوعة على رواندا وحلفائها، بسبب دورهم في تأجيج واستمرار الصراع في الكونغو الديمقراطية.

يجري ذلك كله في ظل ترقب حذر من الصين، الفاعل الاقتصادي الرئيسي في الكونغو الديمقراطية، ومن هنا لا يمكن بحال من الأحوال، تفسير عودة "كابيلا"، بمعزل عن هذه التفاعلات. ما يدفع نحو البحث في أسباب، هذه العودة المفاجئة لـ "كابيلا" وغاياتها، عبر رصد وتحليل مصالح الفاعلين الرئيسيين في صراع الكونغو الديمقراطية.

رواندا.. بين معادن الكونغو وملاحقة "الهوتو"

تتمثل مصالح رواندا في صراع الكونعو الديمقراطية، في قضيتين رئيسيتين: أولاهما المطامع المتنامية في ثروات الكونغو من المعادن، حيث تستحوذ رواندا على جانب كبير، من معادن الكونغو بطرق غير مشروعة، عبر "حركة 23 مارس" M23 وجماعات مسلحة أخرى. وليس أدل على ذلك، من تزايد صادرات رواندا المضطرد من الذهب، على الرغم من تواضع مواردها الذاتية منه. فمثلا كانت صادرات رواندا من الذهب عام 2019، وأغلب وجهتها إلى الإمارات العربية المتحدة، قد بلغت حوالى 472 مليون دولار، ما يمثل 60,9٪ من إجمالي صادراتها، فيما بلغت عام 2023 حوالى 885 مليون دولار، أي ما يعادل 65,9٪ من إجمالي صادراتها.

سارع إلى انتهاز فرصة قدوم الرئيس ترامب، صاحب نهج الاقتصاد الأمريكي أولاً إلى البيت الأبيض، وعرض عليه مَنْح الولايات المتحدة حقوق استكشاف واستغلال المعادن، مقابل تعزيز القدرات الدفاعية، وتوفير المعدات العسكرية الحديثة للقوات الكونغولية

ثانيهما، ملاحقة فلول الهوتو الفارين إلى الكونغو الديمقراطية، ففي أعقاب مقتل الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا، وسقوط نظام الحاكم من الهوتو، اندلعت حرب الإبادة الجماعية الرواندية في أبريل/نيسان عام 1990، ولم تنتهي إلا في يوليو/تموز 1994، وحينها تمكنت الجبهة الوطنية الرواندية، وغالبيتها من التوتسي بقيادة بول كاجامي، من السيطرة على البلاد. آنذاك فر قادة الهوتو المنهزمين إلى الكونغو الديمقراطية، وشكلوا مجموعة "القوات الديمقراطية لتحرير رواندا"، من وقتها يلاحقهم النظام الرواندي الحاكم، ورئيسه كاجامي، على الرغم من أن جل التقارير، تشير إلى أن هذه القوات، لم تعد تمثل تهديداً حقيقياً للنظام في رواندا، بعد ضعف بنيتها، وتضاؤل أو اختفاء العنف الذي كانت تمارسه، ضد المتحدثين بالـ "كينيارواندا" وهم التوتسي الروانديين.

أوغندا.. على خطي رواندا بعكس الاتجاه

بنفس ذرائع رواندا ولنفس أهدافها، تتدخل أوغندا في الصراع الدائر في الكونغو، فقد كانت البداية مع ملاحقة ميليشيا "القوات الديمقراطية المتحالفة" أوغندية الأصل، والمتمركزة حالياً شرقي الكونغو، والتي تعمل عبر الحدود الأوغندية الكونغولية ضد  أهدافها في أوغندا، وعلى الرغم من ضآلة هجمات هذه القوات ضد المدنيين، وانحسارها بشكل كبير ضد معسكرات الجيش الأوغندي "قوات الدفاع الشعبي الأوغندية"، إلا أن النظام الأوغندي لا يزال يتذرع بملاحقته لهم.

اقتصاديا، تعتمد أوغندا بشكل كبير على الكونغو في تصدير منتجاتها، حيث تعد سوقاً رائجةً لها. كما أنها، وهذا الأهم، تعتمد في جانب كبير على تصدير الأخشاب والمعادن المهربة من الكونغو بطرق غير مشروعة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تُصدِّر أوغندا كميات أكبر بكثير جدا مما تنتجه من الذهب، فقد صدرت من الذهب في عام 2019، وأغلبه إلى الإمارات العربية المتحدة، ما قيمته حوالى 1,48 مليار دولار، ويمثل 38٪ من إجمالي صادراتها، بينما صدرت عام 2023 ما قيمته حوالى 4,13 مليار دولار، ويمثل 49,3٪ من إجمالي صادراتها.

ما يؤكد ضلوع أوغندا في نهب الموارد الكونغولية، وهذا ما قضت به محكمة العدل الدولية في فبراير/ شباط من عام 2022، من إلزام أوغندا بأن تدفع لجمهورية الكونغو الديمقراطية، مبلغ 325 مليون دولار، كتعويض عن نهب الذهب والألماس والأخشاب، خلال الحرب عن الفترة من 1998 حتى 2003.

الجيش الكونغولي . . والبرجوازية العسكرية

إذا كان الحارس أول من يتذوق ثمار الحديقة، فلا بد للجيش الكونغولي، من الحصول على نصيبٍ، من المعادن الكونغولية، ومن هنا تكونت عبر حرب المعادن الكونغولية الطويلة، طبقة من البرجوازية العسكرية، من قادة الجيش الكونغولي، ونسجت شبكةً واسعة من العلاقات، مع أباطرة التعدين ومافيا المعادن.

تنتهج الصين نهجاً هادئاً، بعيداً تماماً عن فرض إرادتها ورؤيتها، استناداً إلى القوة العسكرية، وهو ما حدا بالرئيس الكونغولي تشيسكيدي إلى البحث عمن يمنح الأمن لنظامه، ولو كان ذلك خصما من حصة الصين الاستثمارية في الاقتصاد الكونغولي

يذهب البعض إلى أن الجيش الكونغولي لم يعد قوة حماية موالية للدولة فحسب، بل بات يخطط للعمل لحسابه الذاتي، وأصبح يسعى إلى إثراء نفسه، وانتشر فيه الفساد وبنى اقتصاداً خاصاً به، يقوم على المشاركة والانخراط في نهب الموارد من جهة، وابتزاز أطراف التعدين غير المشروع من جهة أخرى، وبهذا بات استمرار الصراع هدفاً لكثير من قادة الجيش الكونغولي.

لقد رصدت عدة تقارير متخصصة، ظاهرة تواطؤ مسؤلين عسكريين وأمنيين، في عمليات تعدين وتهريب المعادن الكونغولية، وهو ما ألمح إليه الرئيس الكونغولي الحالي فيليكس تشيسكيدي، قائلا: "ًثمة الكثير من المكائد التي تقوض قواتنا الأمنية.. المافيا موجودة، وكذلك قانون الصمت الذي يفرضه عناصرها، هذا ما يجب التصدي له"، وأردف "المافيا انتشرت في الجيش، وفي مؤسساتنا، ولاحظناها مؤخراً في مجلس الشيوخ، ويجب تفكيك ذلك بصبر".

الولايات المتحدة.. ومطامع ترامب في معادن الكونغو

في خضم الصراع، ومع زيادة الضغوط الداخلية والخارجية على الرئيس تشيسكيدي، سارع إلى انتهاز فرصة قدوم الرئيس ترامب، صاحب نهج الاقتصاد الأمريكي أولاً إلى البيت الأبيض، وعرض عليه مَنْح الولايات المتحدة حقوق استكشاف واستغلال المعادن، مقابل تعزيز القدرات الدفاعية، وتوفير المعدات العسكرية الحديثة للقوات الكونغولية.

التقط ترامب خيوط اللعبة، وطور المشروع إلى "الأمن مقابل المعادن"، وهرع الطرفان إلى تنفيذ ما توافقا واتفقا عليه، وفي ذات الوقت مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على الطرفين، ليوقعا في البيت الأبيض خلال شهرين اتفاقَ سلامٍ، مصحوباً بصفقاتِ تعدينٍ متنوعة بين كينشاسا وباقي الأطراف، بما في ذلك واشنطن وكيجالي والدوحة. لكن بأحجام مختلفة، مع وعد بأن ذلك سيجلب استثمارات هائلة إلى الكونغو وراندا.

الصين.. والتهديد بالاستحواذ على سوق التعدين

تعد الصين أكبر مستثمر في الكنغو الديمقراطية، وبخاصة في مجال التعدين، فهي تسيطر على 15 منجماً من أصل 19 منجماً لمادة الكوبالت في البلاد، وتستحوذ على 80٪ من إنتاج الكونغو من الكوبالت، فضلا عن المعادن الأخرى التي تستحوذ على جانب كبير من إنتاجها.

وفي علاقاتها مع أفريقيا عموما، تنتهج الصين نهجاً هادئاً، بعيداً تماماً عن فرض إرادتها ورؤيتها، استناداً إلى القوة العسكرية، وهو ما حدا بالرئيس الكونغولي تشيسكيدي إلى البحث عمن يمنح الأمن لنظامه، ولو كان ذلك خصما من حصة الصين الاستثمارية في الاقتصاد الكونغولي، ومن هنا دَخَلَ في حماية الولايات المتحدة، عبر مشروع "الأمن مقابل المعادن".

لهذا تترقب الصين بحذر شديد، تطورات التفاعلات الأخيرة في الصراع الكونغولي، إذ يعد مشروع "الأمن مقابل المعادن"، تهديداً حقيقياً مباشراً للمصالح الصينية في الكنغو الديمقراطية، وبخاصة في ظل طرح الولايات المتحدة لمشروع "ممر لوبيتو"، رداً على مبادرة "طريق الحرير" الصينية. ذلك أن "ممر لوبيتو" يعمل على تسهيل وتسريع نقل المعادن من الكونغو الديمقراطية، حيث يمتد خط السكة الحديدية لمسافة 400 كلم داخل الكونغو، ماراً بمدينة "كولويزي"، وهي مركز التعدين في مقاطعة كاتانجا.

بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. الصيد في الماء العكر

على الرغم من أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي، لم يكونا يوماً طرفاً مباشراً في صراع الكونغو الديمقراطية، إلا أن لهما مصالح لا تخطئها عين، عند تحليل موقفها حيال أطراف الصراع، وبخاصة حيال رواندا، فالعقوبات التي فرضها الأوروبيون، على بعض القادة العسكريين في قوات الدفاع الرواندية، والرئيس التنفيذي لهيئة المناجم والنفط والغاز الرواندية، ومدير مصفاة الذهب الرواندية جاسابو، وبعض من قادة تحالف نهر الكونغو وحركة "M23" المدعومة من رواندا، غير مؤثرة ولم تثن أياً منهم عن مواقفه بل زادتهم تعنتا.

تحقيق مصالح وطموحات جوزيف كابيلا الشخصية، في العودة إلى حكم البلاد، وهو السيناريو الأرجح، في ظل الإخفاق المستمر لإدارة الرئيس تشيسكيدي، في إنهاء الصراع المشتعل شرقي الكونغو، ومن ثم تدني شعبيته في كافة الأوساط

يفَسَر ذلك بأن هذه العقوبات، إما أنها ما كانت إلا لتفسد أجواء الوساطة التوغولية، أو أنها تحمل رسالة إلى كيجالي، بمراعاة المصالح الأوروبية على طاولة لواندا، أو أنها تستهدف الأمرين معاً، وبخاصة إذا علمنا أن تسوية الصراع، والوصول إلى فرض سيطرة ورقابة كنشاسا، على عمليات تعدين وتصدير المعادن، يؤثر بشكل مباشر على مصالح الأوروبيين الاقتصادية، القائمة على استمرار صراع الكونغو الديمقراطية.

الميليشيات المسلحة.. بيادق يحركها الفاعلون الدوليون

تعد الميليشيات المسلحة، من بين أبرز أصحاب المصالح، الفاعلين على أرض الواقع، في صراع الكونغو الديمقراطية، فهم يعملون لحساب قادتهم، المرتبطون ابتداءً بولاءات إثنية أو جهوية أو تنظيمية، وانتهاءً بالفاعلين الدوليين الذين يمدونهم بالتمويل السخي، عبر شراء مهرباتهم من المعادن الكنغولية.

تتحدث أغلب التقارير عن أزيد من 100 ميليشيا وجماعة مسلحة، تعمل في التعدين ضمن أطراف الصراع الكونغولي، ويرتبطون بفاعلين دوليين، وفي مقدمتهم حركة "M23" أحد أبرز مكونات تحالف نهر الكونغو، فضلا عن ميليشيا "القوات الديمقراطية المتحالفة" ADF، وميليشيا " كوديكو" CODECO وغيرهم.

أين يقف كابيلا بين أصحاب هذه المصالح؟

باستعراض خارطة الصراع الكونغولي، فيما يخص أطراف الصراع ومصالحهم، وفي ضوء تفاعل هؤلاء الأطراف مع إعلان كابيلا عودته، وعودته بالفعل (لم تتأكد بعد) إلى مدينة جوما، التي يسيطر عليها متمردي حركة "M23"، ونشر اعتزامه إلقاء كلمة إلى سكان المدينة قريباً، وفي ضوء التفاهمات التي دارت مؤخراً بين رواندا وأوغندا، والتي أسفرت - فيما يبدو - عن تقاسم المصالح وتوزيع الأدوار، وفي ضوء الروابط التي كانت تربِط الرئيس الأسبق كابيلا الأب لوران كابيلا، وتلك التي تربِط إبنه الرئيس السابق جوزيف كابيلا بهؤلاء الأطراف، يمكن تصور أسباب ودوافع هذه العودة المفاجئة، ضمن ثلاثة سيناريوهات، قد تكشف الأيام القادمة عن صحة أحدها وهي:

السيناريو الأول: دعم المصالح الأمريكية، عبر إقناع رواندا وميليشياتها العاملة على الأرض، والضغط عليهم في أن واحد، لقبول العروض الاقتصادية الأمريكية، غير أن هذا السيناريو مستبعد بدرجة كبيرة، نظراً لأنه يصب في مصلحة خصم كابيلا السياسي، وهو الرئيس تشيسكيدي.

السيناريو الثاني: دعم المصالح الصينية والرواندية والأوغندية، إما عبر إفساد الصفقة الأمريكية بالكلية، أو دفع رواندا إلى تبني شروط تعسفية قصد الوصول إلى توافق، على عدم المساس بالحصة الصينية، وغض بعض الطرف عن الحصة الرواندية والأوغندية في المعادن الكونغولية. غير أن هذا السيناريو أيضا مستبعد، لأن حالة إفساد صفقة السلام، تُفْقِد كابيلا مصداقيته حول أهداف عودته المعلنة، وهي الإسهام في تسوية الصراع، وحالة التوافق والمحاصصة، تصب في مصلحة خصم كابيلا السياسي.

السيناريو الثالث: تحقيق مصالح وطموحات جوزيف كابيلا الشخصية، في العودة إلى حكم البلاد، وهو السيناريو الأرجح، في ظل الإخفاق المستمر لإدارة الرئيس تشيسكيدي، في إنهاء الصراع المشتعل شرقي الكونغو، ومن ثم تدني شعبيته في كافة الأوساط، وبخاصة وأن كابيلا يلقى قبولاً ودعماً معنوياً في الأوساط الشرقية، وهو ما حدا به إلى العودة عبر مدينة جوما، كما يلقى قبولاً بل وقد يتلقى دعماً مادياً ومعنوياً، من الصين ورواندا وأوغندا.