الأحد 12 يوليو 2026
يعود الإيبولا مجددًا إلى حوض الكونغو، المنطقة التي شهدت أول ظهور للفيروس قبل نحو نصف قرن، ليعيد إلى الواجهة مخاوف صحية وإنسانية متجددة في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا هشاشة. وبينما تتسع رقعة الإصابات في الكونغو الديمقراطية وأوغندا، تواجه جهود الاحتواء تحديات معقدة ترتبط بالنزاعات المسلحة وضعف البنية الصحية وغياب لقاح معتمد للسلالة المتفشية حاليا، ما يثير تساؤلات حول قدرة الاستجابة الدولية على منع تحول التفشي الحالي إلى أزمة إقليمية واسعة.
عاد وباء الإيبولا إلى واجهة التهديدات الصحية في حوض الكونغو مع منتصف مايو/أيار 2026. إذ سجلت وزارة الصحة في الكونغو الديمقراطية 321 حالة إصابة مؤكدة، بينها 48 حالة وفاة، إضافة إلى 116 حالة مشتبه بها، تركزت في مقاطعات إيتوري وكيفو الشمالية والجنوبية، بينما سجلت أوغندا 15 إصابة مؤكدة وحالة وفاة واحدة. غير أن تقديرات منظمة الصحة العالمية تشير إلى نطاق انتشار أوسع بكثير، إذ قدرت إجمالي الإصابات بنحو 906 حالات، من بينها 223 حالة وفاة، ما يعكس الفجوة بين الحالات المبلغ عنها والانتشار الفعلي للمرض، ويثير مخاوف من تحوله مجددًا إلى أزمة صحية إقليمية.
تُعد مقاطعة إيتوري بؤرة انطلاق موجة الإيبولا الحالية في الكونغو الديمقراطية، إذ تحتضن منطقة مونغباولو، التي تمثل مركزًا إقليميًا لتعدين الذهب وتشهد حركة كثيفة للعمالة غير الرسمية والتنقلات المستمرة، ما يسهم في تسريع انتشار العدوى. وتكتسب إيتوري أهمية إضافية بسبب موقعها الحدودي مع أوغندا وجنوب السودان، الأمر الذي يزيد من مخاطر انتقال المرض عبر الحدود. كما تعيق الأوضاع الأمنية جهود الاحتواء، إذ حدّ نشاط الجماعات المسلحة في أجزاء من المقاطعة من قدرة فرق الاستجابة على تعقب المخالطين ومتابعتهم، ما يعقد السيطرة على الوباء.
ارتبطت بعمليات صيد الحيوانات البرية المصابة أو تقطيعها وتجهيزها والتعامل المباشر مع دمائها وأنسجتها. لذلك تمثل أسواق لحوم الأدغال نقاط تماس محتملة بين الإنسان والحيوانات الحاملة للفيروس
في هذا السياق، أسهمت الأنماط الاقتصادية والاجتماعية السائدة في حوض الكونغو في زيادة مخاطر تفشي الإيبولا، ومن أبرزها التجارة الواسعة في لحوم الحيوانات البرية، التي تُعد جزءًا راسخًا من العادات الغذائية والثقافية في الكونغو الديمقراطية والعديد من دول وسط وغرب إفريقيا. ورغم أن فيروس الإيبولا لا ينتقل مباشرة عبر استهلاك الغذاء المطهو، فإن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها تشير إلى أن العديد من حالات التفشي ارتبطت بعمليات صيد الحيوانات البرية المصابة أو تقطيعها وتجهيزها والتعامل المباشر مع دمائها وأنسجتها. ولذلك تمثل أسواق لحوم الأدغال نقطة تماس محتملة بين الإنسان والحيوانات الحاملة للفيروس، ما يجعلها أحد العوامل التي تُبقي خطر ظهور بؤر جديدة للمرض قائمًا في المنطقة.
حذّر المدير العام لـمنظمة الصحة العالمية من أن تفشي الإيبولا الحالي في الكونغو الديمقراطية قد يكون بدأ فعليًا منذ يناير/كانون الثاني 2026، ما منح الفيروس بداية كبيرة قبل اكتشافه واحتواء انتشاره. وأوضح أن جهود الاستجابة تواجه تحديات متعددة، من بينها القيود الواسعة على التنقل والسفر، وارتفاع مستويات انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والسلطات الصحية، فضلا عن ضعف عمليات تتبع المخالطين، وهي عوامل أسهمت في تعقيد احتواء الوباء.
ومع ذلك، أشار إلى أن الاستجابة الصحية بدأت تستعيد زخمها من خلال إنشاء مراكز علاج متخصصة في أنحاء مقاطعة إيتوري. وفي هذا السياق، أعلنت المنظمة وشركاؤها خطة مشتركة تمتد لستة أشهر بقيمة 518 مليون دولار لمكافحة الإيبولا، داعية المجتمع الدولي إلى توفير التمويل اللازم وتعزيز الالتزام السياسي لاحتواء المرض، الذي يُصنف بالفعل كأحد أكبر موجات تفشي الإيبولا المسجلة في التاريخ.
يتزامن تفشي الإيبولا مع أوضاع إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ما يزيد من تعقيد جهود الاحتواء والاستجابة الصحية. فبحسب التقديرات، يعاني ما يقرب من 26.5 مليون شخص على مستوى البلاد من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتؤدي هذه الظروف إلى إضعاف قدرة السكان على الالتزام بالإجراءات الوقائية والحصول على الرعاية الصحية المناسبة، كما تدفع كثيرين إلى التنقل بحثًا عن الغذاء والعمل.
يعود تاريخ الإيبولا في الكونغو الديمقراطية إلى عام 1976، عندما سُجل أول تفشٍ معروف للمرض بالقرب من نهر إيبولا، الذي استمد الفيروس اسمه منه. وأسفر ذلك التفشي عن وفاة نحو 280 شخصًا، لتصبح البلاد منذ ذلك الحين أكثر دول العالم تعرضًا لموجات الإيبولا المتكررة، إذ شهدت ما لا يقل عن 17 تفشيًا مختلفًا حتى عام 2026. كما انتشر الفيروس في 19 دولة أفريقية وأصاب 35 ألف شخص.
على الرغم من ارتباط المرض تاريخيًا بحوض الكونغو، فإن أخطر موجاته سُجلت في غرب أفريقيا، حيث مثّل تفشي الإيبولا بين عامي 2014 و2016 نحو 80٪ من إجمالي الحالات المسجلة عالميا منذ اكتشاف الفيروس. وخلال تلك الأزمة، تصدرت سيراليون بـ 14 ألف مصاب، وليبيريا بـ 10 ألاف مصاب قائمة الدول الأكثر تضررا، في واحدة من أكبر الكوارث الصحية التي شهدتها القارة الأفريقية في العصر الحديث، ما أظهر قدرة الفيروس على التحول من تفشيات محلية محدودة إلى أزمات إقليمية واسعة النطاق.
إن تفشي الإيبولا الحالي في الكونغو الديمقراطية قد يكون بدأ فعلياً منذ يناير/كانون الثاني 2026، ما منح الفيروس بداية كبيرة قبل اكتشافه واحتواء انتشاره
كما شكّلت أزمة الإيبولا التي شهدتها الكونغو الديمقراطية بين عامي 2018 و2020 أخطر تفشٍ للمرض في تاريخ البلاد. وعلى الرغم من الاستجابة الدولية الواسعة التي شاركت فيها منظمات صحية وإنسانية عديدة، استمر الفيروس في الانتشار عبر مقاطعتي إيتوري وشمال كيفو، مستفيدًا من النزاعات المسلحة وضعف البنية الصحية. وأدى ذلك إلى إصابة نحو 3500 شخص ووفاة ما يقرب من 2300 آخرين، في أزمة كشفت كيف يمكن للعوامل الأمنية والإنسانية أن تعرقل جهود مكافحة الأوبئة حتى مع توافر الدعم الدولي الواسع.
تكتسب موجة التفشي الحالية خطورتها من ارتباطها بسلالة بونديبوغيو من عائلة فيروسات الإيبولا، وهي إحدى السلالات المسببة للحمى النزفية القاتلة. ووفقًا لـمنظمة الصحة العالمية، يمكن أن تتجاوز معدلات الوفاة الناجمة عن الإصابة بهذه السلالة 50٪ في بعض حالات التفشي، ما يجعلها من أخطر الأمراض الفيروسية المعروفة. وقد اكتُشفت سلالة بونديبوغيو لأول مرة خلال تفشٍ شهدته منطقة بونديبوجيو بأوغندا، ومنها استمدت اسمها. وتزداد صعوبة احتواء الوباء الحالي بسبب عدم توافر لقاح أو علاج معتمد بصورة رسمية لهذه السلالة حتى الآن.
مع اتساع تفشي سلالة بونديبوجيو من فيروس الإيبولا، تتسابق المؤسسات العلمية وشركات الأدوية لتطوير لقاحات وعلاجات فعالة في ظل غياب أي لقاح أو دواء معتمد لهذه السلالة. وفي هذا الإطار، خصص تحالف ابتكارات التأهب للأوبئة تمويلاً طارئاً يقدر بحوالي 60 مليون دولار لدعم ثلاثة لقاحات واعدة، أبرزها لقاح تطوره IAVI، ولقاح من تطوير جامعة أكسفورد يعتمد على تقنية الناقل الفيروسي التي استُخدمت سابقا في لقاح أسترازينيكا لكوفيد-19، إضافة إلى لقاح تطوره موديرنا. وتعكس هذه الجهود إدراكا متزايدا لخطورة السلالة الحالية.
تكتسب إيتوري أهمية إضافية بسبب موقعها الحدودي مع أوغندا وجنوب السودان، الأمر الذي يزيد من مخاطر انتقال المرض عبر الحدود. كما تعيق الأوضاع الأمنية جهود الاحتواء، إذ حد نشاط الجماعات المسلحة في أجزاء من المقاطعة من قدرة فرق الاستجابة
في موازاة ذلك، تبنت الإدارة الأمريكية خطة لإنشاء مركز للحجر الصحي ومراقبة الإيبولا في كينيا داخل قاعدة لايكيبيا الجوية، بهدف استقبال المواطنين الأمريكيين الذين يتعرضون للفيروس أثناء وجودهم في الكونغو الديمقراطية أو أوغندا. إلا أن هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل كينيا، حيث واجهت اعتراضات شعبية خشية تحول البلاد إلى نقطة استقبال للمخاطر الوبائية الإقليمية، في حين دافع عنها الرئيس الكيني ويليام روتو معتبراً أنها تمثل مساهمة مسؤولة في جهود الاستجابة الدولية لمواجهة الوباء.
في المحصلة، لا يمثل تفشي الإيبولا الحالي في حوض الكونغو مجرد أزمة صحية عابرة، بل يكشف مجددًا هشاشة البيئات التي تتقاطع فيها النزاعات المسلحة مع الفقر وضعف البنية التحتية الصحية والتنقلات السكانية الكثيفة. وبينما تراهن السلطات الصحية والمنظمات الدولية على احتواء سلالة بونديبوجيو عبر تعزيز قدرات الرصد والعلاج وتسريع تطوير اللقاحات، فإن نجاح هذه الجهود سيظل مرهونًا بقدرتها على تجاوز التحديات الأمنية والاجتماعية التي تعيق الوصول إلى المجتمعات المحلية.