تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

عودة إريك برنس.. إمبراطورية مرتزقة جديدة تتمدد في أفريقيا

3 سبتمبر, 2025
الصورة
عودة إريك برنس.. إمبراطورية مرتزقة جديدة تتمدد في أفريقيا
Share

يعود اسم إريك برينس إلى الواجهة مجددًا من خلال شركات عسكرية خاصة، تحمل شعارات متعددة وأهدافًا متكررة. تقدم هذه الكيانات نفسها كحلول أمنية لدول غارقة في النزاعات، أو عاجزة عن بسط سيادتها، إلا أن التجارب تكشف أن حضورها غالبًا ما يرتبط بتأمين الموارد الطبيعية، وتثبيت النفوذ الخارجي. إذ تشكل تحركات برينس الأخيرة في أفريقيا، وبالأخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية، استمرارًا لمسار طويل من استغلال الفوضى الأمنية لتعظيم الأرباح، وتعزيز النفوذ الدولي.

إريك برينس يعود إلى أفريقيا: سُلطة بالمرتزقة

أسس إريك برينس، مالك شركة بلاك ووتر سابقا، شركة جديدة باسم فيكتوس غلوبال في فبراير/ شباط 2025، متخصصة في تقديم خدمات عسكرية وأمنية خارجية. وسرعان ما دفعت الشركة بعناصرها إلى الميدان، حيث نُشرت بالفعل في ثلاث دول على الأقل: الكونغو الديمقراطية وهايتي والبيرو. يطرح برينس هذا النموذج باعتباره صيغة تجارية تقوم على تسويق القوة العسكرية الخاصة في بيئات هشة أمنيًا، مستفيدًا من حاجة الحكومات إلى دعم فوري لمواجهة التحديات الداخلية. تشكل الشركة مرحلة جديدة من توسيع نفوذ الشركات العسكرية الخاصة، في ظل الطلب المتزايد على الحلول الأمنية البديلة.

في هذا السياق، لم يتأخر برينس في ترجمة حضور شركته الجديدة إلى عقود ميدانية. ففي أبريل/نيسان 2025، أبرم اتفاقًا مع حكومة الكونغو الديمقراطية، يتضمن تأمين المناجم وجمع الضرائب، تحت ذريعة حماية الثروات المعدنية والحد من تهريبها عبر الحدود. وقد استعان في ذلك بجنود فرنسيين سابقين، لتشكيل فريق أمني خاص يتولى حماية عمليات التعدين. وتزامنت هذه الترتيبات مع تقارير عن محادثات إضافية لاحتمال الاستعانة بمرتزقة سلفادوريين لتأمين القصر الرئاسي في كينشاسا، في مؤشر على توسع نطاق المهام التي تُسند إلى شركات برينس.

غير أن هذا الانخراط أثار مخاوف متزايدة. فقد رأى الباحث في قضايا الصراع الأفريقي ريشاب راثي أن الجاذبية الفورية لتعزيز الأمن وتشديد الرقابة على عائدات المعادن قد تُخفي آثارًا بعيدة المدى، من بينها تعميق الاعتماد على الشركات العسكرية الخاصة، وما يرافقه من تهديد للسيادة الوطنية وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان. أما صحيفة الغارديان البريطانية فقد ذهبت أبعد من ذلك، محذّرة من أن مثل هذه الشراكات تُعيد إنتاج آليات النهب المنظم لثروات الكونغو الديمقراطية، لكن بأساليب أكثر دهاءً وحداثة من تلك التي ميّزت الماضي الاستعماري.

يطرح برينس هذا النموذج باعتباره صيغة تجارية تقوم على تسويق القوة العسكرية الخاصة في بيئات هشة أمنيًا، مستفيدًا من حاجة الحكومات إلى دعم فوري لمواجهة التحديات الداخلية

يمثل هذا الانخراط في الكونغو الديمقراطية، وغيره من تحركات فيكتوس غلوبال، انعكاسًا لتغير أوسع في البيئة السياسية الدولية. فظهور إريك برينس مجددًا في أفريقيا ونشره للمرتزقة في القارة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025. مع بداية الولاية الجديدة، سارع برينس إلى تقديم قواته الخاصة باعتبارها الأداة القادرة على سد الفجوات الأمنية التي نتجت عن إحجام الإدارة الأميركية عن تمويل بعض وظائف الأمن الدولي.

تجاوز عرضه القارة الأفريقية؛ إذ تشير تقارير إلى أن برينس قدّم لمستشاري ترامب، في مارس/آذار الماضي، مقترحًا بقيمة 25 مليار دولار، يهدف إلى ترحيل نحو 12 مليون مهاجر من الولايات المتحدة إلى قواعد عسكرية في أفريقيا وأميركا الجنوبية.

لم يقتصر تحرك إريك برينس على الصفقات الميدانية أو العروض المالية الضخمة، بل رافقه خطابٌ سياسي يعكس رؤيته الأوسع لدور الشركات العسكرية الخاصة. ففي فبراير/شباط 2024، ظهر في أحد البرامج الإعلامية مدافعًا عن منطق أعماله، مؤكّدًا أن "العديد من الدول غير قادرة على حكم نفسها". وتجاوز هذا الحد حين دعا صراحة إلى أن "نرتدي القبعة الإمبراطورية مجددًا، ونعلن أننا سنتولى حكم هذه البلدان، لأن الأمر قد بلغ حدّه". وبرأيه، ينطبق هذا الوصف على معظم القارة الأفريقية، التي اعتبر شعوبها عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها.

من الكونغو إلى الصومال وليبيا... مرتزقة لخدمة المصالح الدولية

يمتلك إريك برينس سجلًا طويلًا من التدخل في القارة الأفريقية. فعلى الرغم من بيعه شركته بلاك ووتر عام 2011، بعد إدانتها بارتكاب جرائم قتل بحق مدنيين عراقيين، فإن نفوذه لم يتراجع؛ بل استعاد بعض الزخم مع قرار الرئيس الأميركي ترامب عام 2020 العفو عن المتورطين في تلك الجرائم. منذ ذلك الحين، واصل برينس نشاطه في بؤر النزاعات والفوضى، لا سيما في أفريقيا.

في عام 2023، وجّهت إليه الأمم المتحدة اتهامات بنشر نحو 2500 مرتزق من أميركا الجنوبية في شرق الكونغو الديمقراطية، بذريعة مواجهة التمرد، بينما تمثل الهدف الفعلي في تأمين مناطق التعدين الاستراتيجية. ولم يكن ذلك الحادث معزولًا؛ ففي عام 2017، اتُهمت إحدى شركاته بالضلوع في تهريب الذهب من الكونغو الديمقراطية، في إطار نمط متكرر يقوم على استغلال الفوضى لترسيخ نفوذ اقتصادي وأمني متشابك.

شمل نشاط برينس الكونغو الديمقراطية وأبعد من ذلك، فقد لعبت الإمارات العربية المتحدة دورًا محوريًا في توظيف خبراته وشركاته، حيث كشف تقرير لمجلة إنتليجنس أونلاين عن تعاون وثيق بين إريك برينس وأبوظبي في إدارة عمليات داخل ليبيا، وهو ما أكده تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2021، في إطار مساعٍ لتعزيز النفوذ الإماراتي عبر أدوات عسكرية غير تقليدية.

مثل هذه الشراكات تُعيد إنتاج آليات النهب المنظم لثروات الكونغو الديمقراطية، لكن بأساليب أكثر دهاءً وحداثة من تلك التي ميّزت الماضي الاستعماري

في السياق ذاته، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن برينس وقّع اتفاقًا مع ولي عهد أبوظبي آنذاك، محمد بن زايد، بلغت قيمته نحو 529 مليون دولار. بموجب هذا العقد، جرى استقدام ما يقارب 800 مرتزق، غالبيتهم من جنوب أفريقيا وكولومبيا، لتدريبهم ونشرهم للقتال تحت إمرة القوات الإماراتية، إلى جانب تكليفهم بحماية المصالح الاستراتيجية للإمارات في أفريقيا.

امتد هذا النمط كذلك إلى القرن الأفريقي، حيث كشف تقرير لصحيفة التايمز عام 2010 أن برينس لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس شركة "ساراسين إنترناشونال"، مستهدفًا استكشاف صفقات تجارية وأمنية مع الصومال. وقد عملت الشركة في ولاية بونتلاند على تشكيل ميليشيا قوامها نحو 1050 مقاتلًا، تولّت حماية المسؤولين الحكوميين وتدريب وحدات من الجيش الصومالي، إلى جانب تنفيذ عمليات قتالية ضد حركة الشباب.

جُهِّزت هذه القوة بمركبات قتالية خفيفة وطائرات مروحية فرنسية الصنع، بتمويل إماراتي بلغ نحو 50 مليون دولار. غير أن هذه التجربة سرعان ما أثارت جدلًا واسعًا؛ إذ أدانت الأمم المتحدة المشروع، متهمة بونتلاند بانتهاك حظر السلاح المفروض على الصومال منذ عام 1992.

وسيط المرتزقة في خدمة المصالح المتنافسة

غير أن تدخلات برينس لم تتوقف عند هذا الحد، بل سرعان ما اتجه نحو بناء مظلة أكثر اتساعًا تمنحه شرعية اقتصادية واستراتيجية. ففي عام 2014، أسس شركة "فرونتير سيرفيسز" (FSG)، بوصفها منصة لوجستية وأمنية مدعومة من مجموعة CITIC الصينية المملوكة للدولة.

جاءت الشركة لتقدّم خدمات مرتبطة بالقطاعات الحيوية مثل: النفط والغاز، مستندة إلى شبكة من الأذرع التجارية واللوجستية الممتدة في 12 دولة أفريقية وآسيوية، بما في ذلك امتلاك حصص في شركات طيران في كينيا. ومع توسع أنشطتها لاحقًا ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، تمكن برينس من نقل تجربته من ميدان الصفقات الأمنية الرمادية إلى فضاء يتداخل فيه الأمن مع الاقتصاد في سياق المنافسة الدولية.

سارع برينس إلى تقديم قواته الخاصة باعتبارها الأداة القادرة على سد الفجوات الأمنية التي نتجت عن إحجام الإدارة الأميركية عن تمويل بعض وظائف الأمن الدولي

برغم سعي برينس إلى تصوير هذه الشراكة باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا بحتًا، مؤكدًا أنها ليست مسعى وطنيًا بل مجرد محاولة لبناء عمل وكسب بعض المال، إلا أن خلفيته الممتدة مع الأجهزة الأمنية الأميركية تجعل من الصعب فصل أنشطته عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع. فبحسب مسؤولين أميركيين، حصلت بلاك ووتر والشركات المرتبطة بها بين عامي 2001 و2010 على ما يقارب 600 مليون دولار من عقود سرية مع وكالة الاستخبارات المركزية، وهو ما يعكس عمق التشابك بين مؤسسات برينس ودوائر صنع القرار في واشنطن.

هذا التداخل بين المصالح الصينية والأميركية عبر نشاط برينس يعكس بوضوح كيف تحوّل الرجل إلى وسيط عابر للحدود، يوظّف أدواته الأمنية الخاصة لخدمة قوى متنافسة، بينما يظل المحرّك الأساسي هو الربح، مستفيدًا من هشاشة البيئات الأمنية في أفريقيا، وغياب الرقابة الفعّالة على أنشطة الشركات العسكرية الخاصة.

إن عودة إريك برينس إلى أفريقيا عبر فيكتوس غلوبال لا تمثل مجرد مغامرة فردية، بل تجسّد صعود اقتصاد المرتزقة كأداة لإدارة النزاعات وتثبيت النفوذ الدولي. فمع انسحاب القوى التقليدية من بعض وظائف الأمن وضعف الحكومات الأفريقية في بسط سيادتها، تظهر الشركات العسكرية الخاصة كبدائل مغرية، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج منطق الهيمنة ونهب الموارد. والأخطر أنها تُحوّل الدولة نفسها إلى مجرد عميل يتلقى الأمن مقابل التنازل عن استقلالية قراره، مما يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل السيادة الوطنية واستقلال القرار في القارة؟