الأحد 8 مارس 2026
تطرح مسألة عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي نفسها اليوم بوصفها سؤالا سياسيا مركبا، يتجاوز الإجراء البروتوكولي إلى اختبار أعمق لمعنى الانتماء القاري وحدود الفعل الأفريقي في زمن الانكسارات الكبرى. فالسودان لا يناقش فقط وضعه القانوني داخل منظمة إقليمية، بل يعيد النظر في موقعه ضمن معادلة أفريقية تتقاطع فيها الشرعية، والسيادة، وتوازنات النفوذ الخارجي. هذه العودة، إن تحققت، لن تكون مجرد استعادة مقعد شاغر، بل محاولة لإعادة إدماج دولة مأزومة في منظومة تعاني بدورها من تراجع الفاعلية وفقدان المبادرة.
وجد السودان نفسه خارج الإطار المؤسسي منذ تجميد عضويته، الذي طالما شكّل أحد روافد حركته الدبلوماسية، في لحظة كان أحوج ما يكون فيها إلى عمق أفريقي داعم لا وسيطا منحازا ولا شريكا انتهازيا. ومع تعقّد الحرب، تزايدت الأسئلة حول جدوى استمرار هذا التعليق، وحول ما إذا كان يعاقب الأطراف المتصارعة فعلاً أم يضاعف من عزلة المجتمع والدولة معاً. في هذا السياق، يصبح النقاش حول العودة مدخلاً لفهم أوسع لعلاقة السودان بالقارة، وليس مجرد رد فعل على قرار سابق.
الرهان الحقيقي لا يكمن في رفع التجميد بحد ذاته، بل في طبيعة العودة وشروطها وسياقها السياسي. الاتحاد الأفريقي، كما السودان، يقف عند مفترق طرق؛ إما إعادة تعريف أدواره وأدواته بما يسمح له بالتعامل مع الأزمات المركبة، أو الاستمرار في إدارة الأزمات من موقع المتفرج الأخلاقي. من هنا، فإن السؤال حول عودة السودان يفتح بالضرورة نقاشاً أوسع حول مستقبل العمل الأفريقي المشترك وحدود قدرته على إنتاج حلول من داخل القارة.
في النقاش حول إمكانية عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي، لا يمكن تجاوز الدور التاريخي الذي لعبه هذا البلد في تشكّل الفكرة الأفريقية ذاتها قبل أن تتحول إلى مؤسسة قارية. السودان كان من أوائل الدول التي انخرطت في منظمة الوحدة الأفريقية منذ تأسيسها عام 1963، واحتضن مبكراً خطاب التحرر الأفريقي بوصفه امتداداً طبيعياً لمعركة الاستقلال الوطني. النخب السودانية، المدنية والعسكرية، شاركت بفاعلية في صياغة تصورات الأمن الجماعي الأفريقي، وفي دعم حركات التحرر في شرق وجنوب القارة، مستندة إلى موقع السودان الجغرافي كجسر بين أفريقيا العربية وأفريقيا جنوب الصحراء. هذا الموقع منحه وزناً سياسياً وفكرياً جعل حضوره في المنابر الأفريقية يتجاوز كونه دولة عضو إلى كونه وسيطاً ومبادرًا في أزمات إقليمية معقدة.
إن عودة السودان ليست مجرد استحقاق سياسي، بل جزء من معركة أوسع لاستعادة الدولة نفسها، وإعادة ربطها بعمقها الأفريقي في لحظة تاريخية شديدة الهشاشة
كما أسهم السودان، خاصة خلال العقود الأولى للاستقلال، في ترسيخ مبدأ عدم الانحياز داخل الفضاء الأفريقي، وربط القضايا الأفريقية بالسياق الدولي الأوسع دون الوقوع في ارتهان كامل لأي محور. في هذا الإطار، لم يكن السودان مجرد متلقٍ لقرارات المنظمة، بل طرفاً فاعلاً في النقاش حول السيادة، وعدم التدخل، وحل النزاعات بالوسائل السلمية. هذه الخلفية تمنح مسألة عودته للاتحاد الأفريقي بعد التجميد بعداً رمزياً يتجاوز الإجراء الإداري، إذ تتصل بإعادة وصل تاريخ انقطع قسراً بفعل أزمات الحكم والانقلابات المتكررة.
تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي جاء في سياق انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، حين أطاح المكون العسكري بالترتيبات الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر. الاتحاد الأفريقي، التزاماً بنصوصه التأسيسية التي تجرّم التغييرات غير الدستورية للسلطة، اتخذ قرار التعليق باعتباره أداة ضغط سياسية وأخلاقية في آن واحد. هذا القرار لم يكن استثناءً، بل انسجم مع سوابق قارية في التعامل مع حالات مشابهة في مالي وغينيا وبوركينا فاسو، ما جعل السودان جزءاً من موجة أوسع من الأزمات الدستورية التي ضربت القارة.
غير أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في أن التجميد لم يأتِ نتيجة انقلاب تقليدي مكتمل الأركان، بل في سياق انتقال هش أصلاً، تتنازع فيه الشرعية بين قوى مدنية منقسمة ومؤسسة عسكرية متعددة المراكز. هذا التعقيد جعل التجميد يمتد زمنياً دون وجود خارطة طريق واضحة للعودة، خاصة مع اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، التي نقلت الأزمة من مستوى سياسي إلى مستوى وجودي يهدد الدولة نفسها. في هذه اللحظة، تحول قرار التعليق من أداة ضغط إلى عامل إضافي في عزل السودان عن محيطه الأفريقي، دون أن ينجح في تعديل سلوك الفاعلين على الأرض.
على مستوى الخطوات الدستورية، لا يمكن إنكار أن السودان، رغم الحرب، شهد محاولات متعددة لإعادة إنتاج إطار دستوري يُعيد تعريف السلطة والشرعية. في سياق إعادة هيكلة السلطة، برزت خطوة مفصلية تمثلت في إلغاء دور المجلس السيادي في الإشراف على الوزارات، وتمكين كامل للمكون المدني بقيادة رئيس مجلس الوزراء، كامل ادريس ، في تعيين الوزراء وإدارة الحكومة. هذا التحول يعكس رغبة واضحة في تقليص النفوذ العسكري المباشر على الجهاز التنفيذي، وتفكيك آليات السيطرة التي كانت تمنح المجلس السيادي صلاحيات واسعة تتجاوز الإطار الاستشاري.
من الناحية العملية، أتاح هذا التعديل لرئيس الوزراء المدني حرية أكبر في اختيار القيادات الوزارية، وتشكيل سياسات تتسق مع البرامج الانتقالية، بما في ذلك الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، دون تدخلات ميدانية أو سياسية من طرف المجلس السيادي. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة يرتبط بمدى قدرة الحكومة على فرض سلطتها على الأرض والدفع نحو سياسات إصلاحية أكثر في المجال المدني المرتبط بعملها.
إن خصوصية الحالة السودانية تكمن في أن التجميد لم يأتِ نتيجة انقلاب تقليدي مكتمل الأركان، بل في سياق انتقال هش أصلاً، تتنازع فيه الشرعية بين قوى مدنية منقسمة ومؤسسة عسكرية متعددة المراكز
الموانع التي تعرقل عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي لا تتعلق فقط بالمعايير الشكلية للحكم، بل بتشابكات إقليمية ودولية معقدة. عوامل تجعل الاتحاد متردداً في رفع التجميد. إضافة إلى ذلك، تلعب بعض القوى الإقليمية دوراً في إطالة أمد الأزمة، عبر دعم أطراف بعينها بما يعمق الانقسام ويضعف فرص التسوية السياسية.
في هذا السياق، يبرز دور الإمارات بوصفه عاملاً مثيراً للجدل، حيث تقوم بتقديم دعم سياسي ولوجستي لقوى عسكرية خارج إطار الدولة، ما يسهم في إضعاف أي مسار وطني جامع. هذا الدور لا يعمل فقط على تعطيل العودة إلى الحكم الدستوري، بل يخلق واقعاً ميدانياً يجعل من الصعب على الاتحاد الأفريقي التعامل مع السودان كوحدة سياسية متماسكة. النتيجة أن التجميد يتحول من إجراء مؤقت إلى حالة شبه دائمة، تغذيها مصالح إقليمية لا ترى في استقرار السودان أولوية.
رغم ذلك، فإن تسريع عودة السودان للاتحاد الأفريقي قد يكون ضرورة للاتحاد نفسه إذا كان يسعى إلى استعادة فاعليته. استمرار عزل دولة بحجم السودان، جغرافياً وبشرياً، يضعف من قدرة الاتحاد على التأثير في واحدة من أخطر أزمات القارة. العودة لا تعني مكافأة أطراف الصراع، بل إعادة إدماج السودان في آليات الوساطة والضغط الجماعي، بما يسمح بتدويل الحل الإفريقي بدل ترك الساحة مفتوحة لتدخلات خارج القارة.
كما أن الاتحاد الأفريقي، إن أراد تجاوز صورته كمؤسسة رد فعل، يحتاج إلى مقاربة أكثر مرونة، توازن بين المبادئ والواقعية السياسية. إعادة السودان إلى مقاعده قد تمنح الاتحاد فرصة لاستعادة زمام المبادرة، وفرض شروط واضحة للانتقال، بدل الاكتفاء بمراقبة الانهيار من الخارج. غياب السودان عن الاتحاد لم يوقف الحرب، بل حرم القارة من أداة محتملة للتأثير.
في المقابل، لعبت كينيا دوراً إشكالياً في هذا الملف، خاصة من خلال رعايتها لمسارات تفاوضية اتُّهمت بالانحياز وعدم الشمول. نيروبي تحولت من وسيط محتمل إلى طرف يُنظر إليه بريبة من قبل قطاع واسع من السودانيين، بسبب استضافتها لقوى سياسية وعسكرية دون أخرى، وطرحها مبادرات اعتُبرت التفافاً على الإجماع الوطني. هذا السلوك أضعف فرص بلورة موقف إفريقي موحد، وخلق انقسامات داخل الإيقاد نفسها.
لا يمكن لهذه العودة أن تكون فعالة ما لم تُقترن بإعادة نظر جدية في سلوك الاتحاد نفسه، وفي أدوار بعض دوله التي تحولت من شركاء إلى معرقلين
كما أسهمت كينيا، عبر تحركاتها الدبلوماسية، في إرباك أي جهد لإعادة السودان إلى الاتحاد الأفريقي، من خلال تقديم نفسها كقناة بديلة للتعامل مع الأزمة، ما همّش الدور المؤسسي للاتحاد. النتيجة أن المبادرات تشتتت، وتحوّل الملف السوداني إلى ساحة تنافس إقليمي، بدلاً من أن يكون نموذجاً لحل أفريقي جماعي.
يبقى السؤال هل يحتاج السودان فعلاً للعودة إلى الاتحاد الأفريقي، أم أن بإمكانه التفكير في أطر بديلة؟ تجربة دول غرب أفريقيا، التي شهدت تمرداً على منظومة الإيكواس عبر تحالفات جديدة، تفتح نظرياً باب التفكير في مسارات مختلفة. غير أن السياق السوداني مختلف جذرياً، فالدولة تعاني من تفكك داخلي عميق، وأي حديث عن منظومة بديلة يفترض وجود دولة مستقرة قادرة على المبادرة، وهو ما لا يتوفر حالياً.
في هذه اللحظة، تبدو العودة إلى الاتحاد الأفريقي أقل كلفة من المغامرة بخيارات جديدة غير ناضجة. الاتحاد، رغم علّاته، يظل الإطار القاري الأوسع، والانسحاب منه أو تجاوزه قد يعمّق عزلة السودان، ويزيد من ارتهانه لمحاور إقليمية ضيقة. عليه، فإن عودة السودان ليست مجرد استحقاق سياسي، بل جزء من معركة أوسع لاستعادة الدولة نفسها، وإعادة ربطها بعمقها الأفريقي في لحظة تاريخية شديدة الهشاشة.
تبدو عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي خياراً سياسياً أقل مثالية من حيث الشروط، لكنه أكثر واقعية من حيث النتائج المحتملة. فاستمرار العزلة لم ينجح في وقف الحرب، ولم يدفع الفاعلين نحو تسوية، بل فتح المجال لتدويل الأزمة وتكريس نفوذ قوى إقليمية تعمل خارج أي إطار قاري منضبط. العودة، في هذا المعنى، ليست مكافأة ولا تنازلاً، بل أداة لإعادة إدخال الأزمة السودانية في فضاء يمكن، نظرياً، ضبطه بقواعد جماعية.
في المقابل، لا يمكن لهذه العودة أن تكون فعالة ما لم تُقترن بإعادة نظر جدية في سلوك الاتحاد نفسه، وفي أدوار بعض دوله التي تحولت من شركاء إلى معرقلين. فالسودان لن يستفيد من عضوية شكلية داخل مؤسسة عاجزة، كما أن الاتحاد لن يستعيد مصداقيته عبر قرارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ. العلاقة بين الطرفين تحتاج إلى إعادة تأسيس، لا إلى ترميم شكلي، يقوم على وضوح المصالح وتحديد المسؤوليات.
في لحظة تتراجع فيها الأطر الجماعية عالمياً، وتتصاعد فيها النزعات الانعزالية والتحالفات الضيقة، تبدو عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي اختباراً مزدوجاً؛ لقدرة السودان على استعادة دولته، وقدرة الاتحاد على استعادة دوره. الفشل في هذا الاختبار سيعني ترسيخ نموذج الإفلات من الحلول الأفريقية، أما النجاح، ولو جزئياً، فقد يفتح نافذة ضيقة لإعادة الاعتبار لفكرة أن القارة قادرة، رغم كل شيء، على معالجة أزماتها بأدواتها الخاصة.