السبت 14 فبراير 2026
لم يكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعرض في خطاب هام موجه لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي (16 يناير/كانون الثاني الجاري) وساطة بلاده في ملف سد النهضة، حتى أبدت القاهرة والخرطوم ترحيبهما بالمبادرة، وسط توجس إثيوبي من نوايا ترامب في هذا الملف بالغ الحساسية لكافة الأطراف.
لكن متابعة التعليقات المصرية التي صدرت عن معنيين بالملف، وملاحظة نبرة الحذر التي شابت جل هذه التعليقات، عوضًا عن قدر من عدم التفاؤل نحوها، يكشف عن تخوف مفهوم من أي تورط عسكري مصري في مقاربة هذا الملف، على غرار ما وقع فيه العراق عام 1990، أي بعد المقابلة الشهيرة بين زعيمه صدام حسين والسفيرة الأمريكية في بغداد كاثرين غلاسبي لنقل موقف بلادها من حشد صدام قواته على الحدود مع العراق، وما نُقل عنها لاحقًا من تأكيدها لصدام أن "الولايات المتحدة ليس لها رأي بخصوص الصراعات العربية- العربية، مثل خلافكم الحدودي مع الكويت"، الأمر الذي اعتبره صدام، حسب روايات كثيرة، ضوءً أمريكيًا أخضرًا لتحركه العسكري ضد الكويت (أغسطس/آب 1990)، دون توقع رد أمريكي حاسم، وهو السيناريو الذي لم يتحقق، ليعيش العراق عقودًا تالية تحت وطأة العقوبات الأمريكية والحرب التي قطعت أوصاله؛ وهو تخوف مدفوع بعضوية الصلات الأمريكية- الإثيوبية تاريخيًا حتى في أحلك توتر المصالح بينهما.
سبق للرئيس ترامب في فترة رئاسته الأولى رعاية تحرك دبلوماسي قوي في ملف سد النهضة، وقادته وزارة الخزانة الأمريكية لرعاية محادثات ثلاثية بين إثيوبيا ومصر والسودان للوصول إلى حل قانوني ملزم بشأن إدارة السد وملأه وتشغيله في نهاية فبراير/شباط 2020، والتي شارك فيها وزير الخزانة ستيفن ت. منوشين مع وزراء الخارجية والموارد المائية في مصر والسودان في شكل اجتماعات منفصلة.
أعلنت الوزارة وقتها التوصل لاتفاق هام بعد ماراثون محادثات لأربعة أشهر، وبناء على "سبعة أعوام من الدراسات الفنية والمشاورات بين الدول الثلاثة"، وأكدت ان الاتفاق "الذي تم التوصل إليه يقدم حلًا لجميع المشكلات العالقة حول ملء السد وتشغيله"، وأن الاتفاق "الجديد" يقوم على اتفاق 2015 حول إعلان المبادئ، ولاسيما مبادئ الاستخدام العادل والمنصف وعدم إلحاق الضرر والتعاون. لكن إثيوبيا رفضت الاتفاق، واتهمت بشكل مستمر واشنطن بالوقوف في صف مصر (والسودان) في ملف سد النهضة، واستمرت هذه الاتهامات قائمة مع وصول ترامب مرة أخرى للرئاسة مطلع عام 2025.
إن حل أزمة سد النهضة ممكنًا على طريقة دونالد ترامب، الذي يميل إلى فرض خيارات محددة على أطراف النزاع (لاسيما الجانب الإثيوبي)، وتعظيم استفادة واشنطن من تناقضات مواقف أطرافها؛ مثل موقف مصر المتشدد (على نحو مفهوم) إزاء وصول إثيوبيا لمنفذ على البحر الأحمر "بشروط سيادية"
وفي خطوة مفاجئة نسبيًا، لاسيما مع تصاعد التوتر في القرن الأفريقي، وانفتاحه على مزيد من المواجهات الإقليمية، قارب ترامب ملف سد النهضة مجددًا منتصف يناير/كانون الثاني الجاري، عبر خطاب وجهه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، استهله بتقدير دور السيسي في وساطة وقف إطلاق النار في غزة قبل إعلان استعداده لإطلاق الوساطة الأمريكية مجددًا بين إثيوبيا ومصر من أجل "تسوية مسؤولة لقضية التشارك في مياه النيل" مرة واحدة وللأبد؛ وأن بلاده تريد التوصل لنتيجة تضمن حاجات مصر والسودان وإثيوبيا المائية، عبر دور أمريكي قوي في "مراقبة الأطراف والتنسيق فيما بينها، وعلى خلفية توفر خبرة فنية سليمة ومفاوضات نزيهة وشفافة، لتحقيق حل دائم؛ الأمر الذي اعتبره مراقبون إثيوبيون اتساقًا تامًا مع مطلب مصر الأساسي في الملف بوجود ضامن أمريكي وحل ملزم ودائم.
طالب ترامب في الخطاب بتصريف متوقع للمياه خلال فترات وسنوات الجفاف التي تواجه مصر والسودان، وأنه يجب ألا تسيطر دولة منفردة على النيل وأن تلحق الضرر بجيرانها (في إشارة ضمنية لإثيوبيا)، ويمكن أن تقوم الأخيرة ببيع الكهرباء المتولدة من سد النهضة للسودان ومصر. ولفت في ختام خطابه إلى أن المسألة تأتي في قمة أجندته فيما يعمل على تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا، قبل أن يعبر عن أمله ألا يؤدي النزاع (حول سد النهضة مستدركًا وصفه بكلمة مثيرة للغاية نصها (DAM!) إلى صراع عسكري ضخم.
وتتسق عودة ترامب تلك مع سمات شخصيته إلى حد بعيد، لاسيما تحويل العقبات إلى نجاحات، أو ما وصفه في كتابه "ترامب لا يستسلم أبدًا" (2008) "بفن العودة" The art of the comeback. ويكشف لنا سبر أغوار عقل ترامب، كما يبديه لنا، عن رؤيته للقضايا الدولية، وقد أبان في الفصل الأخير من كتابه هذا، والذي حمل عنوان "ثمة فرصة لك حيثما فشل الآخرون"، عن جانب مهم للغاية؛ إذ سرد الفصل قصة واحدة من أهم نجاحات ترامب (قبل الرئاسة) وهي استحواذه على ما ستعرف لاحقًا ببناية ترامب (40 شارع وول ستريت)، وهي ناطحة سحاب بارتفاع 283مترًا في حي المال بنيويورك، والذي ظل يراقبه طيلة عقود حدته فيها الرغبة في امتلاكه، وتمكن من الاستحواذ عليه بالفعل عبر استثمار أولي بقيمة مليون دولار، حسبما يحكي ترامب، واعتبره تفنيدًا لسردية النجاح بين ليلة وضحاها. فالمبنى كان مملوكًا للديكتاتور الفلبيني السابق فرديناند ماركوس في ثمانينيات القرن الماضي، وتنقلت ملكيته بين مجموعات مصرفية هامة دخلت في علاقات مع ترامب خلال الأزمة العقارية في الولايات المتحدة، حتى تحول المبنى إلى ملكية الأخير بعد تشبيك المصالح الاقتصادية والسياسية مع عائلة والتر هينبيرج في ألمانيا والتي كانت من ملاك المبنى بعدئذ، وتحول استثمار ترامب البالغة قيمته مليون دولار فقط إلى تحقيق عوائد إيجارية بقيمة 20 مليون دولار سنويًا (قبل 2008)، وارتفعت قيمة المبنى بفضل تحسن أحوال السوق لأكثر من 500 مليون دولار. وما يهم في هذه القصة قدرة ترامب على الضغط المستمر على مختلف الأطراف، ووضع عقبات مسبقة بحيث تبرز قيمة دور ترامب، وحالة عدم القدرة على الاستغناء عنه، وإلا فإن الأمور ستتجه إلى خسارات شاملة لمختلف هذه الأطراف، ووفق حسابات أمريكية- ترامبية دقيقة للغاية.
وكشف السيسي عن إرساله خطابًا بهذا الصدد لترامب كان من أهم ما ورد فيه دعم مصر لجهود ترامب وتأكيد موقفها "ومخاوفها ذات الصلة إزاء أمن مصر المائي"
ويمكن النظر لمقاربة ترامب تجاه "سد النهضة" وحقوق مصر المائية، كما وردت في الخطاب الراهن، ضمن هذا التصور بشكل متطابق، لاسيما أن الولايات المتحدة تقوم راهنًا بتفكيك كامل لأمن القرن الأفريقي وإعادة ترتيبه بضربات متلاحقة تطال الحلفاء قبل الغرماء، وكذا ترك مساحات لحركة القوى الإقليمية "المتنافسة" والتي تتمتع جميعها بصلة وثيقة مع واشنطن تتراوح بين الشراكة الاستراتيجية إلى التخادم المتوازن. لكن الجديد في مقاربة ترامب هنا هو تقديم أفق لتسوية أزمة ملف سد النهضة، وكذلك في توقيت إعلان الخطاب قبل ساعات من مضي العام الأول على إدارة ترامب، بينما كانت جهود الخزانة الأمريكية السابقة لحل الأزمة في العام الأخير من ولاية ترامب الأولى؛ مما يلمح إلى إمكانية متابعة ترامب للملف في سياق زمني مواتٍ تمامًا في العوام الثلاثة المتبقية من رئاسته.
رد الرئيس السيسي على مبادرة ترامب بشكل إيجابي للغاية؛ مؤكدًا تقديره لجهود الأخير في دعم أسس السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وكذلك الاهتمام الذي يوليه الرئيس ترامب قضية نهر النيل ذات الأهمية المحورية بالنسبة لمصر، وأعاد السيسي في رده تأكيد التزام مصر بالتعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل استنادًا لمبادئ القاون الدولي وعلى نحو يحقق المصالح المشتركة (لهذه الدول) دول إلحاق الضرر بأي طرف. وكشف السيسي عن إرساله خطابًا بهذا الصدد لترامب كان من أهم ما ورد فيه دعم مصر لجهود ترامب وتأكيد موقفها "ومخاوفها ذات الصلة إزاء أمن مصر المائي".
لكن إثيوبيا رفضت الاتفاق، واتهمت بشكل مستمر واشنطن بالوقوف في صف مصر (والسودان) في ملف سد النهضة، واستمرت هذه الاتهامات قائمة مع وصول ترامب مرة أخرى للرئاسة مطلع العام 2025
لكن الاستجابة الرسمية المصرية المرحبة باقتراح ترامب، والتي عبر عنها الرئيس السيسي ومجموعة من الدبلوماسيين والإعلاميين، لم تخف تخوف عدد من المراقبين المصريين، ومن بينهم مقربون من دوائر صنع القرار، مما تضمنه خطاب ترامب من إشارات لصراع عسكري محتمل أو دلالة اللفظ "DAM!" التي تقترب في دلالتها من تصريحات سابقة لترامب بأن المصريين قد يفجرون السد، وأن تكون الإشارات بمثابة استدراج لمصر للدخول في مواجهة عسكرية مع إثيوبيا.
بالنظر إلى استجابة إثيوبيا بالغة التحفظ إزاء دعوة ترامب، بل واتهامه ضمنًا بالتحيز لمصر في مطالبها التي أعلنتها منذ الشروع في بناء السد، وما نقلته الميديا الإثيوبية (20 يناير/كانون الثاني) عن وزير الري والموارد المائية المصرية هاني سويلم بتوجه مصر للمطالبة بتعويضات إثيوبية عن تراجع حصتها من مياه النيل بنحو 38 بليون متر مكعب من إجمالي 55 بليون متر مكعب هي "حصة مصر التاريخية السنوية من مياه النهر"، فإن مصر حققت خطوة للأمام في مسار الضغط على الجانب الإثيوبي في هذا الملف، والتراجع عن فرضية أن يكون التوصل لاتفاق ملزم حول تشغيل السد وإدارته مقابل موافقة مصر (والسعودية ربما) على حصول إثيوبيا على منفذ بحري "بشروط سيادية" على البحر الأحمر.
لكن هذا الشعور المطمئن في القاهرة، وفي ظل وثاقة الصلة بين ترامب والسيسي وتقدير الأول لأسلوب عمل الرئيس المصري، كان ماثلًا في محاولة إدارة ترامب الأولى، وسرعان أن بددته صلابة الموقف الإثيوبي (الرافض لاتفاق وزارة الخزانة)، وتردد إدارة ترامب في ممارسة مزيد من الضغوط على حكومة آبي أحمد وقتها، ثم نجاح الأخيرة في الرهان على وصول جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة ومراجعة مجمل سياسات ترامب تجاه ملف سد النهضة "لصالح مصر" حسب الرواية الإثيوبية.
ومن ثم فإن حالة عدم اليقين في جدية مقاربة ترامب الحالية تظل الخيار الواقعي الذي جنح له عدد من المراقبين المصريين، بل والإعراب عن تخوفهم من وجود نوع من الخداع، على طريقة غلاسبي التي لا تزال حاضرة في ذهن النخب السياسية العربية والمصرية، الذي قد يلحق الضرر بمكاسب مصر الأخيرة في سياساتها الأفريقية بشكل عام، وفي القرن الأفريقي على وجه الخصوص، حال الإقدام على مواجهة عسكرية من أي نوع لحماية مصالح مصر المائية، والوجودية في واقع الأمر.
قدم ريتشارد س. كونلي في كتاب عن "دونالد ترامب والشعبوية الأمريكية: رؤى جديدة حول الرئاسة الأمريكية" (2020) تفاصيل حول جذور نهج ترامب الشعبوي، وتحولاته منذ عام 2016، ثم توجه الشعبوي صانعًا للسياسة؛ ولاحظ كونلي ان سلوك ترامب، كرئيس لا يميل للاستئناس بآراء الأكاديميا، لا يميل منذ البداية لفهم القضايا المطروحة امامه في إطار زمني معقول، ثم القيام بالعمل الشاق للتوصل لحلول بالتنسيق مع معاونيه، أو التنسيق مع عدد من خبراء الأمن القومي لوضع "استراتيجية" ما تجاه أية قضية أو مسألة في سياساته الخارجية، بل إن ترامب يميل بالفعل إلى اتخاذ تحركات تنفيذية فورية لإنجاز أهدافه بأقصى سرعة ممكنة، وتجاوز الكونجرس، وتوظيف "فن الصفقات".
ويبدو أن حل أزمة سد النهضة ممكنًا على طريقة دونالد ترامب، الذي يميل إلى فرض خيارات محددة على أطراف النزاع (لاسيما الجانب الإثيوبي)، وتعظيم استفادة واشنطن من تناقضات مواقف أطرافها؛ مثل موقف مصر المتشدد (على نحو مفهوم) إزاء وصول إثيوبيا لمنفذ على البحر الأحمر "بشروط سيادية"، ودعم إثيوبيا للتوجهات الإسرائيلية والإماراتية الراهنة في الصومال كونها تلتقي مع استراتيجيات أديس أبابا الإقليمية بالفعل، واتهامات السودان لإثيوبيا بالتدخل في أزمته الداخلية لصالح ميليشيات الدعم السريع، لتحقيق العلامة الكاملة من مكاسب واشنطن، ليس فحسب عبر فرض رؤيتها لشكل الإقليم والعلاقات القائمة بين دوله وتجاوز "شكل الدولة التقليدي" نحو شكل علاقات السوق، وتهميش أدوار القوى الدولية الأخرى في هذا الإقليم (كما الحال في مناطق تقاطعات النفوذ الأخرى في أمريكا اللاتينية والمحيط الهندي وشرق آسيا وأوروبا)، بل أيضًا ضمان استمرار هشاشة العلاقات بين دوله خارج "المظلة الأمريكية".