الاثنين 9 مارس 2026
لم يكن إرسال فريق عسكري أمريكي إلى نيجيريا مجرد تفصيل تقني في سجل "أفريكوم"، بل هو كلمة السر في استراتيجية إدارة ترامب التي بدأت تخلع عباءة التهديد الصاخب لتعتمد سياسة التسلل الهادئ. فبعد الضجيج الملفت للأنظار في فنزويلا والخليج، تلتفت واشنطن اليوم نحو المحاور الأفريقية ليس فقط لمحاربة الإرهاب، بل لترسيخ نفوذها في وجه "المنافسين" الإقليميين والدوليين.
يشي هذا الانخراط "الحذر" بأن الولايات المتحدة أدركت أن كسب المعارك في أفريقيا لا يتطلب جيوشاً جرارة، بل تواجدا استراتيجياً ذكيا يدير المخاطر الأمنية، ويحمي المصالح الحيوية. نحن أمام مشهد يعيد صياغة الوجود الأمريكي في المنطقة؛ حيث تتحول المساعدة العسكرية من مجرد "دعم فني" إلى أداة جيوسياسية لتعزيز الدور القيادي في منطقة تعج بالتجاذبات الدولية.
اعتبر الجنرال داغفين آر إم أندرسون، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، أن الشراكة مع نيجيريا تعد مثالا رائعا لشريك كفؤ ومستعد تماما، أعقب تصريحاته بالإعلان عن نشر فريق عسكري يقاتل إلى جانب القوات النيجيرية، يؤكد مكانة أبوجا في التقديرات الاستراتيجية الأمريكية، لمكانتها ودورها الإقليمي وإمكاناتها الطبيعية، وأبعد من ذلك، محورية ومكانة خليج غينيا في الاستراتيجيات الدولية.
دون أن يعفي ارتباطاتهما من سوء الفهم من حين لآخر، إذ تتسم العلاقات الثنائية بين واشنطن وأبوجا بكونها نموذجا "للمحالفة القلقة"؛ حيث يتداخل فيها التوصيف الاستراتيجي بمرارات سوء الفهم التاريخي المتراكم منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. فرغم الثقل الذي تمثله نيجيريا في المنظور الأمريكي، إلا أن هذه العلاقة لم تكن يوما صكا على بياض، بل خضعت لاختبارات قاسية كشفت عن فجوة في القيم السياسية بين الطرفين.
ستنجرف العلاقات إلى ما أبعد من التشكيك في الصفقات، حيث ستنضاف اتهامات جديدة، خلال فترة أوباما، بارتكاب الجيش النيجيري لانتهاكات ضد المدنيين، لتشكل سياسة الضغوط القصوى، عجلت بإعادة ترتيب مسارات التعاون العسكري وتبادل الخبرات
في أعقاب انقلاب يونيو/حزيران 1993، اصطدمت التطلعات العسكرية النيجيرية بالخطوط الحمراء الأمريكية؛ ما دفع واشنطن لتبني سياسة "العصا الغليظة" عبر فرض رزمة عقوبات شاملة، لم تقتصر على تجميد التعاون العسكري فحسب، بل وصلت إلى ذروة التصعيد الدبلوماسي باستدعاء السفير، كإشارة صريحة لرفع الغطاء الشرعي عن السلطات آنذاك. مع ذلك، أثبتت أحداث عام 1999 أن الديمقراطية هي "ترمومتر" هذه العلاقة والشرط الشارح لاستمرارها؛ فبمجرد طي صفحة الحكم العسكري، سارعت القوتان إلى إعادة ترميم القنوات الدبلوماسية، لتعود العلاقات إلى سكّتها الطبيعية، محكومةً بمزيج من المصالح الأمنية المشتركة والتوجس المتبادل الذي لا يزال يطل برأسه بين الحين والآخر.
شهدت العلاقات الثنائية طفرة ملحوظة في مسارات التنسيق الأمني، مدفوعة بضرورة التصدي المشترك للتنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها "بوكو حرام" و"داعش". وقد تبلور هذا التعاون من خلال مبادرات جماعية لمواجهة التهديدات المتنامية في منطقة غرب أفريقيا، حيث تراوح الدعم بين الإمداد اللوجستي والتقني، وامتد ليشمل مجالات التنسيق الاستخباري والميداني، في محاولة لمحاصرة الأزمات الأمنية وتداعياتها الإقليمية.
كانت حقبة إدارة الرئيس أوباما محطة مفصلية في هذا السياق؛ حيث تعزز التعاون العسكري بين جيشي البلدين عقب أزمة "اختطاف تلميذات تشيبوك" بولاية بورنو في أبريل/نيسان 2014. تلك الحادثة التي أثارت موجة تعاطف دولي واسعة شاركت فيها السيدة الأولى ميشيل أوباما، مما دفع واشنطن لإرسال خبراء رهائن وفرق من مكتب التحقيقات الفيدرالي والجيش الأمريكي لمساندة القوات النيجيرية. غير أن هذه الجهود لم تخلُ من عقبات، حيث حالت الخلافات البينية والتوترات الميدانية دون تحقيق خرق حقيقي في عملية إنقاذ المختطفات.
لا ينظر للاتهامات الموجهة للجيش النيجيري بعدم الكفاءة والفساد كمجرد شماعة لوقف التعاون الأمريكي معه، إنما كان تصورا لوضع طبيعي، جسدته محاولات السلطات احتواء الوضع عبر تحقيق رئاسي حول هذه الشبهات خلال عهد محمد بخاري. ستنجرف العلاقات إلى ما أبعد من التشكيك في الصفقات، حيث ستنضاف اتهامات جديدة، خلال فترة أوباما، بارتكاب الجيش النيجيري لانتهاكات ضد المدنيين، لتشكل سياسة الضغوط القصوى، عجلت بإعادة ترتيب مسارات التعاون العسكري وتبادل الخبرات، مشفوعة بقرار تقييد مبيعات الأسلحة، ووقف تزويده بالذخائر وتجميد برامج الشراكات الأمنية، وتعليق صفقة أسلحة بحوالي مليار دولار في يوليو/ تموز من عام 2021، وتجدد الأمر ذاته قبل سنتين.
تحقق الانفراج في النصف الأخير من السنة الفارطة، بعد الموافقة على صفقة استثنائية لتزويد أبوجا بصواريخ وذخائر متنوعة لتعزيز قدرات المؤسسات العسكرية النيجيرية، دون أن تتخلص من عصا تصريحات ترامب وانتقاداته وبحثه الدائم عن صفقة جديدة.
حملت عودة ترامب للبيت الأبيض استعادة لإرثه الثقيل والتخوف من سنوات إدارته الأولى، ولم يخالف هذه التوقعات، فقد استكمل حملته من المحطة التي توقف عندها في ولايته الأولى. كان قد أدرج نيجيريا على قائمة الحكومات التي ترتكب أو تساهلت مع انتهاكات جسيمة للحرية الدينية، كما ثم تصنيفها ضمن قائمة الدول المشمولة بحظر السفر للولايات الأمريكية. وتجدد الأمر ذاته بشدة في هذه الولاية، إذ لم تستثنى، كدول أفريقية كثيرة، من سياسة الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارته، أياما قليلة بعد وصوله للبيت الأبيض، تم أعقبها بتشديد التأشيرات على المواطنين النيجيريين.
الإعلان عن نشر فريق عسكري يقاتل إلى جانب القوات النيجيرية، يؤكد مكانة أبوجا في التقديرات الاستراتيجية الأمريكية، لمكانتها ودورها الإقليمي
سيخلق ترامب وضعا مأزوما جديد بحثا عن صفقات محتملة، بتكثيف الضغط على أبوجا لإعادة هندسة العلاقات بينهما، بادعاء وجود تهديد وجودي ومذبحة يتعرض لها المسيحيون. مزاعم سارعت أبوجا إلى رفضها، منوهة بأن الأزمة لا تستهدف المسيحين فحسب إنما كل فئات المجتمع.
سيرتفع حجم الضغط على الحكومة النيجيرية، بعودة واشنطن إلى سردية اتهامها بانتهاك الحرية الدينية وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، فتحولت لغة الضغط والمساومة إلى تهديد مباشر ثم هجمة مباغتة؛ فعشية أعياد الميلاد، شن الجيش الأمريكي ضربة صاروخية في ولاية سوكوتو، أعقبها احتفال ترامب وتهليله بالإنجاز، رغم كل المؤشرات المؤكدة لمحدوديته، وتكراره الوعيد بضربات أخرى.
لم يتصدع التعاون العسكري بين البلدين رغم هذه المحطات الكثيرة، يبدو بأن صفقة ما مرت في الخفاء، وساهمت في تجديد الدماء في عروق الارتباط بينهما. وقد جسد ذلك الإعلان عن وصول فريق عسكري أمريكي إلى البلد، تحت عنوان رفع مستوى التنسيق الأمني بينهما، ومبرره تصريح قائد أفريكوم بأنها جاءت بناء على طلب نيجيري، وتركز حصرا على الدعم الاستخباراتي لمكافحة الحركات المتطرفة، تصريح مقتضب لم ينجح في إغلاق فراغات كثيرة طرحتها هذه الخطوة المباغثة، وبالمقابل، يفتح مجالا لأسئلة كثيرة معلقة بلا أجوبة إلى حين.
أعادت التحولات العميقة التي بدأها ترامب في الولاية الأولى، ويستكمل شوطها الثاني من أجل إعادة أمريكا أولا، طرح أسئلة جدوى الشراكة مع واشنطن، وتداعيات الانقلاب الاستراتيجي على مستقبل وجودها في مجالات جغرافية كثيرة، ليست منطقة الساحل إلا جزءا منها.
كان يوحى بأن واشنطن تنظر للساحل الأفريقي من زاوية المكاسب الآنية، فسارعت لإنهاء الوجود العسكري وتقليص المساعدات من أجل إعادة رسم دورها على الساحة العالمية. لكن تأكد بأن القوى المنافسة جنت ثماره، لاسيما القوى الصينية والروسية، فراهنت بيكين على التعاون التجاري منطلقا لتغلغلها بالمنطقة، وتعويض التقهقر الأمريكي وسياساته الحمائية، بينما تتحرك موسكو لمقاربة التحديات الأمنية بانفتاحها على دعم شركائها، بقواتها شبه العسكرية وعقود توريد الأسلحة، وهي أقل المؤشرات عن تآكل الحضور الأمريكي بالمنطقة.
كان يوحى بأن واشنطن تنظر للساحل الأفريقي من زاوية المكاسب الآنية، فسارعت لإنهاء الوجود العسكري وتقليص المساعدات من أجل إعادة رسم دورها على الساحة العالمية، لكن تأكد بأن القوى المنافسة جنت ثماره، لاسيما القوى الصينية والروسية
في المقابل، تكشفت الفجوة للسلطات النيجيرية، بين صفقات مؤجلة وشراكات مشروطة بضغوط سياسية واقتصادية، فبدأت تتوسع خيارات الشراكات بعيدا عن المقاربة الأمريكية. ردا على تعليق صفقات التسلح، برزت معالم سياستها الجديدة القائمة على تنويع الموردين، بانفتاحها على واردات الأسلحة الصينية والروسية. كما توسعت صوب قوى أخرى، جسدتها صفقة ضخمة لشراء 24 طائرات مقاتلة من إيطاليا استثنائية، ومثلها مع تركيا.
تحول التسليح إلى اختبار حقيقي للشراكة بين البلدين، وبرز مدى الإلحاح النيجيري على التعامل مع شركاء جدد، فكان رسالة مشفرة للجانب الأمريكي بأنها قادرة على التحليق بعيدا عن فلكها. ما عجلت إدارة ترامب بإعادة ربط الاتصال بين البلدين، بالمسارعة إلى تزويد شريكها قبل أسابيع بشحنة "إمدادات عسكرية حيوية"، وفق منشور على حساب أفريكوم في منصة الإكس، دون أن تستفر على حجمها ونوعيتها، وتزامنت مع زيارة رئيس أركان القوات النيجيرية لواشنطن، اعتبرت تحركا نيجيريا من أجل تسريع تزويد قواته بطائرات هليكوبتر حديثة هجومية.
برزت تحركات واشنطن المعبرة عن فتح صفحة جديدة ومسار جديد مع ما تسرب بعد مباحثات رفيعة المستوى مع السلطات الانتقالية في مالي تؤسس لتوجه جديد على قاعدة الاحترام المتبادل، مع التركيز على مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني، وستتوسع إلى محاور أخرى كالنيجر وبوركينافاسو شركائها السابقون بالساحل الافريقي.
فضلا عن تعزيز حضورها بالشرق، بجيبوتي فإثيوبيا ثم الصومال إلى محورها الجديد في كينيا بالقاعدة العسكرية ماندا باي وعبرها إلى فروعها مجمل القرن الأفريقي. ترتبط هذه العودة بمحددات التنافس مع القوى التقليدية ومعركة إعادة تشكيل النظام الدولي ومراجعة السياسات الامريكية في معالجة القضايا الدولية.
وجدت واشنطن نفسها اليوم أمام أعقد التحديات الاستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل نظام عالمي تساهم في تفكيكه وإعادة تشكيل الجديد، وعلى ضوئه حاول البيت الأبيض إعادة رسم معالم الانخراط الأمريكي بالعالم، وفي قلب هذا التحول الاستراتيجي وضعت وثيقة الأمن القومي نصف الكرة الغربية محورا لاهتماماتها، بينما تقهقرت أفريقيا إلى ما دون الهامش.
كما تقلصت مساحات التحالفات التقليدية والتركيز على التزاماتها التقليدية بالمسائل السياسية والتنموية والعسكرية، فلم تعد تعنيها مسائل الشراكة والتعاون ودعم قدرات شركائها، بقدر ما تركز على توجه برغماتي، محوره الوحيد الاستحواذ على الموارد الطبيعية والمعادن الحرجة. لكن ما سُجّل بأنه مغادرة أمريكية للقارة، سرعان ما تأكد بأنها لم تدوم طويلا، فها هي واشنطن تعود إلى أبوجا لإعادة ترتيب محددات الجوانب العسكرية والأمنية مع شركائها، وبكل المرونة السياسية الممكنة، تظهر كمن ينفك عن عهوده السابقة وببطء يعود إلى المناطق التي غادرها بمنطق جديد.
من المؤكد بأن عودة الجيش الأمريكي إلى الأراضي النيجيرية تعكس تحولا تاريخيا لملامح جديدة لانخراط واشنطن بالفضاء الأفريقي، يتأسس التمركز الجديد بمناطق النزاع على انخراط محدود وحذر ومرامي واضحة، حدودها الأولى والأخيرة "أمريكا أولا". فأيا كانت مستويات التعاون وملامح التنسيق المشترك، فواشنطن تستدير في كل مرة لحماية وتأمين مصالحها بالمنطقة.