تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

واشنطن تُوفد نائب وزير الخارجية في جولة بشرق أفريقيا وسط سباق النفوذ والمعادن الحرجة

14 يناير, 2026
الصورة
واشنطن تُوفد نائب وزير الخارجية في جولة بشرق أفريقيا وسط سباق النفوذ والمعادن الحرجة
Share

تستعد الولايات المتحدة لإيفاد نائب وزير خارجيتها، كريستوفر لاندو، في جولة إلى شرق أفريقيا أواخر يناير/كانون الثاني الجاري، يُتوقع أن تشمل كينيا وإثيوبيا وجيبوتي، في زيارة تُقرأ بوصفها مؤشراً على عودة الدبلوماسية الاقتصادية إلى واجهة الاشتباك الدولي في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع المنافسة على المعادن “الحرجة” مع صراع النفوذ حول الموانئ والممرات البحرية.

وبحسب ما يتردد في أوساط متابعة للملف، يُرجّح أن تبدأ الجولة من نيروبي، على أن تتقدم “قضايا التعدين” جدول الأعمال، في وقت تتزايد فيه حساسية سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالتحول الطاقي والصناعات عالية التقنية، وتتحول فيها أفريقيا إلى ساحة تفاوض مفتوحة بين القوى الكبرى على الاستثمار والتمويل والحقوق الاستخراجية.

لا تبدو أجندة التعدين تفصيلاً تقنياً في زيارة دبلوماسية من هذا المستوى، بقدر ما تعكس توجهاً أوسع في السياسة الدولية: المعادن التي تدخل في البطاريات، وتقنيات الطاقة المتجددة، والصناعات الدفاعية والإلكترونيات، أصبحت جزءاً من معادلة النفوذ الجيوسياسي، لا مجرد نشاط تجاري. وفي هذا السياق، صارت الدبلوماسية تُستخدم لتأمين فرص الاستثمار، وتسهيل الوصول إلى الموارد، وبناء شراكات تضمن استقرار الإمدادات وتقلّص المخاطر.

هذا المنطق يفسر لماذا تتجه الأنظار إلى كينيا تحديداً، حيث يحتل ملف “العناصر الأرضية النادرة” مساحة متزايدة في النقاشات الاقتصادية، وسط تنافس شركات وتحالفات دولية على مواقع يُعتقد أنها واعدة.

تتزامن الزيارة المرتقبة مع تصاعد الجدل حول موقع “ميرِيما هيل” في مقاطعة كوالي الساحلية، وهو موقع جذب اهتماماً متزايداً بوصفه واعداً بعناصر أرضية نادرة ومعادن أخرى. وفي الأشهر الماضية، برزت تحركات شركات أجنبية وتحالفات تعدين تسعى للدخول إلى المشروع، وسط حديث متكرر عن أهمية الموقع وقربه من موانئ رئيسية وبنية تحتية تسهّل الخدمات اللوجستية.

لكن الملف لا يتحرك على أرضية اقتصادية صرفة؛ إذ يرافقه نقاش حول الحوكمة والشفافية وحقوق المجتمعات المحلية، مع استعادة ذاكرة نزاعات ترخيص سابقة، ومخاوف من أن تتحول “الشهية الدولية” إلى ضغوط سياسية واقتصادية على الدولة، أو إلى صفقات لا تحظى بما يكفي من الرقابة العامة.

وبينما ترى الحكومة الكينية في التعدين فرصة لتعظيم الإيرادات وخلق وظائف وتطوير صناعات تحويلية، يحذر منتقدون من أن التجارب الأفريقية في الموارد الطبيعية تُظهر أن العائدات وحدها لا تكفي إذا غابت قواعد واضحة للتعاقد، وآليات معلنة لتقاسم المنافع، وضمانات للبيئة والمجتمعات.

أما التوقف المحتمل في إثيوبيا وجيبوتي فيحمل دلالات تتجاوز التعدين وحده. فإثيوبيا تمثل سوقاً كبيراً وثقلاً سياسياً في القرن الأفريقي، كما أنها محور لخطط بنية تحتية ومشاريع ربط إقليمي تعيد تشكيل حركة التجارة نحو البحر الأحمر. في المقابل، تظل جيبوتي عقدة استراتيجية عند مدخل باب المندب، حيث تتداخل مصالح الأمن البحري مع حسابات الاستثمار في الموانئ والخدمات اللوجستية.

وتأتي هذه التحركات الأمريكية بينما تكثّف قوى دولية أخرى نشاطها في المنطقة. فالصين، على سبيل المثال، تدفع منذ سنوات باتجاه تعزيز الوصول إلى طرق التجارة وإمدادات الموارد في أفريقيا، وهو ما يعيد إنتاج مشهد “التنافس الهادئ” على النفوذ عبر الاستثمارات والبنية التحتية والتمويل.

على مستوى الرسائل، تبدو الجولة محاولة لربط السياسة بالاقتصاد، حيث تحاول واشنطن تقديم كشريك قادر على الاستثمار، لا مجرد جهة مانحة؛ وكطرف يسعى إلى “شراكات موارد” طويلة الأمد، لا إلى ترتيبات قصيرة الأجل. كما تحمل الزيارة، إن تمت وفق التوقعات، إشارة إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع القرن الأفريقي باعتباره مساحة حيوية لخطوط الإمداد والتجارة العالمية، وليس مجرد هامش للأزمات السياسية.

غير أن السؤال العملي يبقى هل ستقترن الزيارة بحزمة مبادرات واضحة—تمويل، استثمارات، اتفاقات إطارية—أم ستظل في إطار جسّ النبض وفتح القنوات؟ التجارب السابقة تشير إلى أن الشركاء الأفارقة باتوا أكثر حساسية تجاه الوعود غير المترجمة إلى مشاريع، وأكثر ميلاً للموازنة بين القوى الكبرى بدل الارتهان لطرف واحد.

في المحصلة، تُقدّم الجولة المرتقبة اختباراً مزدوجاً: لاختبار قدرة واشنطن على تحويل خطاب “الشراكة الاقتصادية” إلى أدوات ملموسة في سوق شديد التنافس، ولاختبار قدرة دول شرق أفريقيا على إدارة الموارد والممرات ضمن قواعد شفافة تحمي السيادة وتضمن حصة عادلة من القيمة المضافة.