الأربعاء 14 يناير 2026
اتهمت الولايات المتحدة، رواندا بشكل مباشر بـ"دفع شرق إفريقيا نحو الحرب" عبر دعمها لمتمردي حركة "إم23" في شرق الكونغو الديمقراطية، في واحدة من أقوى الرسائل الأميركية العلنية ضد كيغالي منذ توقيع اتفاق السلام الذي رعته واشنطن قبل أيام فقط بين الرئيسين الرواندي والكونغولي.
وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، قال سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إن بلاده “تشعر بقلق عميق وخيبة أمل كبيرة” إزاء تجدّد العنف في إقليم جنوب كيفو، محمّلاً رواندا مسؤولية “قيادة المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار والحرب” بسبب دعمها العسكري واللوجستي لحركة "إم23". وأضاف أن واشنطن "ستستخدم الأدوات المتاحة لديها لمحاسبة مخرّبي السلام".
ووفق ما نقلته وسائل إعلام دولية عن مداخلة والتز، اتهم السفير الأميركي القوات الرواندية بتقديم إسناد كبير للمتمردين، شمل الإمداد بالسلاح والذخيرة، والدعم اللوجستي والتدريب، بل والقتال إلى جانبهم داخل الأراضي الكونغولية بقوة تقدَّر بين 5 و7 آلاف جندي، فضلاً عن استخدام طائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي ومدفعية في العمليات الجارية.
التصعيد الكلامي الأميركي جاء بعد أقل من أسبوع على توقيع رئيسي الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي ورواندا بول كاغامي اتفاق سلام في واشنطن، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عُرف باسم “اتفاقات واشنطن”، ونصّ على وقف إطلاق النار في شرق الكونغو وامتناع الأطراف عن دعم الجماعات المسلحة واحترام سيادة الأراضي الكونغولية. واعتُبر الاتفاق آنذاك اختراقاً دبلوماسياً لثلاثة عقود من الصراعات في منطقة البحيرات العظمى.
غير أن الهجوم الواسع الذي شنّته حركة “إم23” منذ مطلع ديسمبر في إقليم جنوب كيفو، وسيطرتها على مدينة أوفيرا الاستراتيجية على ضفاف بحيرة تنجانيقا، نسف عملياً الأجواء الإيجابية التي رافقت توقيع الاتفاق. وتشير تقديرات مسؤولين إقليميين إلى مقتل أكثر من 400 مدني خلال الأسابيع الأخيرة، ونزوح ما لا يقل عن 200 ألف شخص من مناطق القتال، في وقت يتجاوز فيه إجمالي النازحين داخلياً في الكونغو سبعة ملايين شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم حالياً.
وزيرة خارجية الكونغو، تيريز كاييكوامبا فاغنر، استغلت بدورها جلسة مجلس الأمن لتوجيه انتقادات حادة إلى رواندا، متهمةً إياها بـ”الدوس” على اتفاق واشنطن، ومحذرة من أن “العملية برمتها على المحك”. ودعت الوزيرة المجلس إلى فرض عقوبات على القادة السياسيين والعسكريين المسؤولين عن الهجمات، وحظر صادرات المعادن من رواندا، ومنع مشاركتها في عمليات حفظ السلام الأممية، باعتبار أن دعمها للمتمردين يقوّض الجهود الدولية للاستقرار في الكونغو.
في موازاة ذلك، وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انتقادات صريحة لرواندا، معتبراً أن ما تقوم به في شرق الكونغو “انتهاك واضح لاتفاقات واشنطن”، ومؤكداً في رسالة على منصة “إكس” أن الولايات المتحدة “ستتخذ إجراءات لضمان احترام التعهدات التي قُطعت للرئيس” الأميركي خلال توقيع الاتفاق. وتُعد هذه التصريحات مؤشراً على تحوّل في خطاب واشنطن إزاء حليف طالما اعتُبر شريكاً رئيسياً لها في ملفات الأمن الإقليمي وحفظ السلام في إفريقيا.
رواندا، من جانبها، تنفي بشكل قاطع تقديم دعم عسكري لحركة “إم23”، وتؤكد أن وجود قواتها داخل الأراضي الكونغولية مرتبط بـ”ضرورات أمنية مشروعة” لمواجهة تهديدات ميليشيات مناوئة لها، في إشارة خاصة إلى “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا” ذات الجذور المرتبطة بإبادة 1994. كما تتهم كيغالي كينشاسا بخرق وقف إطلاق النار، وبالتغاضي عن نشاط جماعات مسلحة معادية لرواندا على أراضيها.
لكن القلق الإقليمي لا يقتصر على الكونغو وحدها، إذ حذّرت بوروندي من أن تقدم "إم23" المدعومة من رواندا نحو حدودها، وسقوط أوفيرا أو تهديدها، يضع البلاد أمام احتمال مواجهة مباشرة مع كيغالي. واتهم السفير البوروندي لدى الأمم المتحدة رواندا بقصف أراضٍ بوروندية، مؤكداً أن بلاده “تحتفظ بحق الدفاع عن النفس” إذا تكررت هذه الهجمات، بينما نفت كيغالي تلك الاتهامات وقالت إنها لا تخوض حرباً ضد بوروندي ولا تعتزم ذلك.
على المستوى الأممي، حذّر رئيس عمليات حفظ السلام جان بيير لاكروا من أن الهجوم الجديد لـ"إم23" "أحيا شبح اندلاع حريق إقليمي بتبعات لا يمكن التنبؤ بها"، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة تهدد بتفتيت الكونغو، ولا سيما في شرق البلاد، حيث تسيطر عشرات الجماعات المسلحة على مساحات واسعة وتتنافس على موارد معدنية حيوية لسلاسل التوريد العالمية.
وتأتي هذه التطورات بينما كانت واشنطن تراهن على اتفاق 4 ديسمبر بوصفه إنجازاً دبلوماسياً يكرّس دورها كوسيط رئيسي بين كينشاسا وكيغالي. إلا أن التسارع الميداني في جنوب كيفو، والتصعيد الأميركي غير المسبوق في لهجته تجاه رواندا، يعكسان هشاشة التفاهمات التي أُبرمت في العاصمة الأميركية، واحتمال دخول سياسة واشنطن تجاه كيغالي مرحلة جديدة، تتضمن ضغوطاً وعقوبات محتملة إذا لم تتراجع حدة القتال وتثبت رواندا – في نظر الولايات المتحدة – التزامها ببنود الاتفاق.