تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

واشنطن تجمّد مساعداتها للصومال وتلمّح لوقفها نهائياً بحلول مايو

19 يناير, 2026
الصورة
واشنطن تجمّد مساعداتها للصومال بعد هدم مخزن مساعدات وتلمّح لوقفها نهائياً بحلول مايو
Share

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والصومال مرحلة توتر غير مسبوقة بعدما أعلنت واشنطن تجميد برامج المساعدة التي “تستفيد منها الحكومة الفيدرالية” في مقديشو، على خلفية اتهامات بأن سلطات في ميناء مقديشو هدمت مستودعاً تابعاً لبرنامج الأغذية العالمي كان يُخزّن مساعدات غذائية ممولة أميركياً، وسط تضارب في الروايات حول مصير الكميات الموجودة داخله.

القرار الأميركي أُعلن في 7 يناير/كانون الثاني 2026، مقروناً برسالة سياسية مباشرة مفادها أن استئناف الدعم مشروط بـ“المساءلة” واتخاذ “إجراءات علاجية” تضمن عدم تكرار ما تصفه واشنطن بالهدر أو السرقة أو تحويل مسار المساعدات. وفي حين قدّمت الإدارة الأميركية الخطوة باعتبارها تطبيقاً لسياسة “صفر تسامح” مع إساءة استخدام المساعدات، حذّرت أوساط إنسانية من أن أي اضطراب في منظومة التخزين والتوزيع ينعكس سريعاً على الفئات الأكثر هشاشة في بلد يعاني أصلاً من أزمات غذاء وأمن متشابكة.

وفق الرواية الأميركية، فإن المستودع الذي جرى هدمه كان يحتوي على نحو 76 طناً مترياً من أغذية علاجية مخصصة للمحتاجين، بينها منتجات غذائية عالية القيمة تُستخدم لعلاج سوء التغذية لدى النساء الحوامل والمرضعات والأطفال. وتشير معطيات متداولة في هذا الملف إلى أن المستودع كان جزءاً من البنية التشغيلية العاجلة لبرنامج الأغذية العالمي في مقديشو، بما في ذلك الاستجابة للطوارئ خلال فترات الجفاف أو موجات النزوح.

في المقابل، أكد برنامج الأغذية العالمي لاحقاً أنه تمكن من استعادة نحو 75 طناً مترياً من “السلع الغذائية/التغذوية” بعد حادثة الهدم، من دون تقديم تفاصيل موسعة حول حالة المواد أو كيفية تخزينها بعد نقلها، ما أبقى الباب مفتوحاً أمام أسئلة حول الخسائر الفعلية، وحول ما إذا كانت البنية اللوجستية البديلة قادرة على حفظ مواد تتطلب شروط تخزين محددة.

وزارة الخارجية الصومالية رفضت الاتهامات الأميركية، وقالت إن المواد المشار إليها “لم تُدمَّر” وإنها بقيت “تحت حيازة وسيطرة” برنامج الأغذية العالمي، مرجعة ما جرى إلى أعمال توسعة وإعادة توظيف داخل ميناء مقديشو. كما اعتبرت مقديشو أن الأنشطة الجارية في الميناء لا ينبغي أن تُفسَّر باعتبارها مساساً بالمساعدات الإنسانية، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية للقرار الأميركي.

هذا التضارب في الروايات—بين اتهام أميركي بالهدم دون تنسيق مسبق وبين نفي صومالي وتأكيد أممي على استعادة المواد—حوّل القضية من خلاف تقني حول مستودع إلى أزمة ثقة سياسية، خصوصاً أنها تمس “المساعدات المنقذة للحياة” وتثير ملفات قديمة حول الرقابة والشفافية في إدارة المساعدات داخل الصومال.

ضمن ملامح القرار الأميركي، برز الحديث عن مراجعة “فردية ومدققة” لتحديد البرامج التي “تفيد الحكومة الفيدرالية مباشرة أو بصورة غير مباشرة”، مع خيارات تشمل الإيقاف أو إعادة التوجيه أو إنهاء التمويل. هذه الصياغة تعني عملياً أن التجميد لا يقتصر على بند واحد، بل قد يمتد إلى حزمة من البرامج بحسب تقييم واشنطن لمسارات التنفيذ، ومدى تداخلها مع مؤسسات الدولة أو شبكات المتعاقدين المحليين.

ورغم أن جزءاً كبيراً من الدعم الأميركي للصومال يمر تاريخياً عبر وكالات أممية ومنظمات دولية وشركاء تنفيذ، فإن الرسالة الأميركية الجديدة تضع “الاستفادة الحكومية” معياراً حاكماً، بما قد يعيد رسم طريقة تصميم المشاريع وآليات صرفها وتعاقداتها—أو يدفع نحو تقليصها—إذا لم تُقدّم مقديشو ضمانات تعتبرها واشنطن كافية.

زاد من تعقيد المشهد ما تداولته تقارير صحفية أميركية عن اتجاه داخل الإدارة لإنهاء المساعدة الخارجية للصومال نهائياً وبشكل رسمي بحلول مايو/أيار 2026، استناداً إلى إفادات لمسؤولين وإلى مضمون مراسلات دبلوماسية تحدثت عن أن هدم المستودع وقع في 3 يناير/كانون الثاني دون إخطار مسبق للمانحين، وأن البعثة الأميركية أوصت بتعليق المساعدة إلى حين التعويض أو المحاسبة.

غير أن هذا الحديث عن “جدول زمني” لإنهاء دائم لم يُقدَّم—حتى الآن—في صورة إعلان حكومي رسمي نهائي يحمل قراراً تنفيذياً واضحاً، ما يجعله في خانة “الاتجاهات” و”المداولات” أكثر من كونه سياسة مُقفلة، وإن كان يعكس تصعيداً في المزاج السياسي داخل واشنطن تجاه ملف المساعدات للصومال.

تأتي حادثة المستودع في سياق حساس يتعلق بإدارة وتشغيل ميناء مقديشو، إذ تدير شركة تركية الميناء بموجب اتفاق امتياز مع الحكومة الصومالية. وفي ظل هذا الواقع، تزايدت قراءات تربط أعمال التوسعة داخل الميناء—ومنها إزالة مستودعات—بحسابات تشغيلية وتجارية تتقاطع أحياناً مع الاحتياجات الإنسانية، ما يرفع كلفة غياب التنسيق المسبق بين إدارة الموانئ وشركاء الإغاثة.

من الناحية الإنسانية، تحذّر تقديرات متداولة من أن تعطيل مخازن الطوارئ أو التشكيك في سلامة سلاسل الإمداد يهدد الاستجابة السريعة، في وقت تشير بيانات أممية إلى أن نحو 4.4 مليون شخص في الصومال يواجهون مستويات “أزمة” من الجوع أو أسوأ، أي قرابة ربع السكان. أما سياسياً، فتأتي الأزمة ضمن مسار أوسع من تشدد أميركي تجاه الصومال خلال الأسابيع الأخيرة، شمل ملفات تتعلق بالهجرة والرقابة على تدفقات المساعدات.

وبينما تحاول مقديشو احتواء التداعيات عبر النفي والتأكيد على استمرار سيطرة برنامج الأغذية العالمي على المواد، تبدو واشنطن ماضية في اختبار معادلة جديدة: “المساعدة مقابل المساءلة”. وهي معادلة قد تعيد تشكيل علاقة المانحين بالحكومة الفيدرالية، وتضع ملف الشفافية والحوكمة في قلب النقاش الدولي حول الصومال خلال المرحلة المقبلة.