الأربعاء 12 أغسطس 2026
تشهد منطقة القرن الأفريقي تطورا أمنياً جديداً قد يحمل تداعيات تتجاوز الحدود الإثيوبية، بعد أن كشفت تقارير إقليمية واستخباراتية عن قيام الحكومة الإثيوبية بتعزيز انتشار قواتها العسكرية والأمنية في إقليم عفر شمال شرقي البلاد، في ظل تنامي نشاط جماعات مسلحة محلية وظهور مؤشرات على انشقاقات داخل بعض الوحدات العسكرية العاملة في المنطقة. ويعكس هذا التطور حجم التحديات الأمنية التي لا تزال تواجه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب المفتوحة في إقليم تيغراي.
ووفقاً لتقرير نشرته منصة "أفريكا إنتليجنس" المتخصصة في الشؤون الأفريقية، بدأت السلطات الفيدرالية الإثيوبية بالتنسيق مع حكومة إقليم عفر تنفيذ إجراءات أمنية استثنائية، شملت إعادة نشر وحدات من الجيش الفيدرالي وتعزيز نقاط التفتيش والمراقبة، وذلك عقب تزايد المخاوف من انضمام عناصر عسكرية منشقة إلى حركة "أوغوغومو" المسلحة، وهي جماعة متمردة تنشط تاريخياً في إقليم عفر وتطالب بمزيد من الحكم الذاتي والتمثيل السياسي والاقتصادي لسكان الإقليم. وتشير التقارير إلى أن السلطات الإثيوبية تنظر بقلق متزايد إلى قدرة الحركة على استقطاب عناصر مدربة عسكرياً، الأمر الذي قد يحولها من تمرد محلي محدود إلى تهديد أمني أوسع نطاقاً.
يكتسب إقليم عفر أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة لإثيوبيا، إذ يشكل البوابة البرية الرئيسية التي تربط البلاد بموانئ البحر الأحمر عبر جيبوتي، والتي تمر عبرها أكثر من 90٪ من التجارة الخارجية الإثيوبية. كما يقع الإقليم على تماس مباشر مع إريتريا وإقليم تيغراي، ما يجعله أحد أكثر المناطق حساسية في الحسابات الأمنية الإثيوبية. وقد أثارت التقارير الأخيرة مخاوف من أن يؤدي تدهور الوضع الأمني في عفر إلى تعطيل خطوط الإمداد الحيوية التي تعتمد عليها أديس أبابا، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
تأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الحكومة الإثيوبية تواجه أزمات أمنية متزامنة في عدة أقاليم. ففي إقليم أمهرة، تستمر المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية ومقاتلي "فانو" في عشرات المقاطعات، بينما لا تزال الأوضاع في تيغراي هشة رغم اتفاق السلام، وسط مخاوف دولية من احتمال تجدد النزاع بسبب الخلافات الداخلية بين الفصائل السياسية والعسكرية التيغرانية. وقد حذرت مؤسسات بحثية دولية من أن تراكم بؤر الصراع في شمال إثيوبيا قد يؤدي إلى إعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
يرى محللون أن التحركات العسكرية الأخيرة في عفر لا ترتبط فقط بالوضع الداخلي للإقليم، بل تعكس أيضاً استعدادات إثيوبية أوسع لمواجهة سيناريوهات إقليمية متعددة، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا خلال الأشهر الأخيرة، وتزايد المخاوف من انهيار الترتيبات الأمنية التي أعقبت اتفاق بريتوريا. كما تشير بعض التقارير إلى أن السلطات الإثيوبية كثفت عمليات المراقبة والتحركات العسكرية على الطرق الاستراتيجية الممتدة بين عفر وشمال البلاد، بهدف منع انتقال السلاح والمقاتلين بين مناطق النزاع المختلفة.
تحذر المؤسسات الدولية من أن استمرار الاضطرابات الأمنية في عفر ستكون له تداعيات إنسانية واقتصادية كبيرة، خاصة أن الإقليم يعاني بالفعل من هشاشة اقتصادية ومناخية مزمنة. وتشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن انعدام الأمن المستمر يعطل حركة التجارة الداخلية ويؤثر على سبل العيش التقليدية للسكان، كما يفاقم الأزمات الغذائية التي تشهدها أجزاء واسعة من شمال شرق إثيوبيا.
يبدو أن الحكومة الإثيوبية تجد نفسها اليوم أمام معادلة أمنية معقدة؛ فبينما نجحت في إنهاء الحرب المفتوحة مع جبهة تحرير شعب تيغراي، فإنها تواجه في المقابل اتساع رقعة التحديات الأمنية المحلية والإقليمية، من أمهرة إلى أوروميا وعفر، في وقت تزداد فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية على الدولة الإثيوبية. ويعكس الوضع في عفر حقيقة أن اتفاقات السلام، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة نهاية الصراعات العميقة التي تشكلت خلال العقود الماضية، بل قد تفتح الباب أمام ظهور مراكز توتر جديدة داخل الدولة نفسها.