الأحد 18 يناير 2026
انقسم الشارع في القرن الإفريقي بين احتفالات صاخبة وتظاهرات غاضبة، عقب قرار إسرائيل الاعتراف رسميًا بصوماليلاند كدولة مستقلة، في سابقة هي الأولى منذ إعلان الإقليم انفصاله عن الصومال عام 1991. ففي حين خرجت حشود في مدن صوماليلاند احتفالاً بما وُصف بأنه «تحقق لحلم الدولة»، شهدت العاصمة الصومالية مقديشو، تظاهرات رافضة لخطوة تل أبيب ومؤكدة على وحدة الأراضي الصومالية.
في هرجيسا، العاصمة الإدارية لصوماليلاند، توافدت آلاف الجماهير إلى أحد الملاعب الرئيسة وسط المدينة، كثير منهم يرتدون ألوان علم صوماليلاند ويحملون صوره، فيما ارتفع هتاف «انتصار لصوماليلاند» في أجواء احتفالية امتدت لساعات. ورفعت إلى جانب علم الإقليم راية إسرائيل في مشهد بُث مباشرة على القنوات المحلية، في إشارة إلى بدء مرحلة جديدة من العلاقات بين الجانبين.
وبحسب تقارير إعلامية دولية، امتدت الاحتفالات إلى مدن بُرعو وجبيلَي، حيث خرج السكان إلى الشوارع للتعبير عن ترحيبهم بما اعتبروه «اعترافًا تأخر لعقود». وقال مواطن من هرجيسا إن سكان الإقليم «انتظروا هذا اليوم منذ تأسيس صوماليلاند»، معربًا عن أمله في أن يمهّد الاعتراف الإسرائيلي لاعتراف دول أخرى.
وزارة خارجية صوماليلاند احتفت بالخطوة في بيان رسمي، مؤكدة أن «الاعتراف التاريخي» يعزز مكانة صوماليلاند في جهود حفظ الاستقرار في القرن الإفريقي، ويفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات الاقتصاد والزراعة والمياه.
على النقيض من مشاهد الاحتفال في هرجيسا، شهدت مدينة بوروما في إقليم أودال، غربي صوماليلاند، تظاهرة احتجاجية ضد قرار الاعتراف الإسرائيلي. ووفق تقرير لموقع «دَوان أفريقيا»، خرج مئات المتظاهرين، غالبيتهم من الشباب، إلى شوارع المدينة يوم الأحد، حاملين الأعلام الفلسطينية ولافتات تندد بما وصفوه بـ«الصفقة بين إسرائيل وإدارة صوماليلاند».».
التقارير أشارت إلى أن هذه الاحتجاجات تعكس رفضًا واسعًا لدى قطاعات من سكان بوروما لطريقة إدارة الملف، وإلى خشية من أن تمتد التظاهرات إلى مناطق أخرى في الإقليم، بما يضع حكومة هرجيسا أمام تحديات سياسية وأمنية داخلية، في الوقت الذي تحاول فيه تسويق الاعتراف الخارجي بوصفه «نصرًا وطنيًا».
في مقديشو، العاصمة الفدرالية للصومال، اتخذت التظاهرات منحًى مختلفًا، إذ تمحورت حول رفض الاعتراف من أساسه والتشديد على وحدة البلاد. وخرج مئات المتظاهرين، ليل الأحد، إلى تقاطع «تليح» في حي هدن، رافعين العلم الصومالي ومرددين شعارات من قبيل «الصومال لا يتجزأ» و«صوماليلاند جزء من الصومال»، بحسب تقارير صحافية وصومالية رسمية.
الاحتجاجات جرت وسط حضور أمني كثيف، لكنها انفضّت من دون تسجيل حوادث عنف، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية. وقال أحد المتظاهرين إنهم خرجوا «للتعبير عن رفضهم الصريح لانتهاك سيادة الصومال»، فيما رأى آخر أن القرار الإسرائيلي «هجوم واضح على وحدة البلاد»، داعيًا المجتمع الدولي إلى عدم الصمت حيال ما يجري.
يأتي حراك الشارع في مقديشو متزامنًا مع تصعيد دبلوماسي من جانب الحكومة الفدرالية، التي وصف رئيسها حسن شيخ محمود قرار إسرائيل بأنه «عدوان سافر» و«غزو عارٍ» للسيادة الصومالية، محذرًا من أن محاولة تقسيم بلاده تشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي.
كما حظيت المواقف الصومالية الداعمة للوحدة بتأييد عربي وإفريقي واسع، إذ أعلنت الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة «إيغاد» تمسّكها بوحدة الأراضي الصومالية ورفضها أي اعتراف أحادي بصوماليلاند، فيما تتجه الأنظار إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تداعيات الخطوة الإسرائيلية على أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وفي حين ترى قاعدة واسعة من أنصار صوماليلاند في الاعتراف مكسبًا تاريخيًا في معركة الاعتراف الدولي، ينظر إليه جزء من سكان إقليم أودال بوصفه خطوة مثيرة للانقسام الداخلي، فيما يعتبره الشارع المقدیشي اعتداءً مباشرًا على سيادة الدولة الصومالية ووحدتها الترابية.
وبين هذه المواقف المتباينة، يبدو أن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند لم يفتح فقط بابًا جديدًا في صراع الخرائط والهويات في القرن الإفريقي، بل أطلق أيضًا موجة من الحراك الشعبي ستظل مؤشرًا مهمًا على اتجاهات الرأي العام في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.