تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 13 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

تعيين فرانك غارسيا.. هل تقرأ واشنطن ملفات أفريقيا بعيون استخباراتية؟

31 مايو, 2026
الصورة
تعيين فرانك غارسيا.. هل تقرأ واشنطن ملفات أفريقيا بعيون استخباراتية؟
Share

أنهت إدارة دونالد ترامب حالة الشغور التي طالت منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية لأكثر من عام، وذلك عقب مصادقة الكونغرس على تعيين الضابط البحري السابق، فرانك غارسيا، لقيادة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في القارة السمراء؛ في خطوة تُدشن مرحلة مغايرة في مسار العلاقات بين واشنطن والعواصم الأفريقية.

في الوقت الذي يُفسر فيه هذا التأخير الطويل في دوائر التحليل السياسي كدليل على تراجع الملف الأفريقي في قائمة أولويات واشنطن، فإن اختيار غارسيا بخلفيته العسكرية والاستخبارية القوية - يحمل مؤشرات دالة على طبيعة التوقيت الجديد لإدارة ترامب. إذ يعكس هذا التعيين إصرارا على تبني مقاربة براغماتية ترتكز على الأبعاد الأمنية، وتتماشى بدقة مع العقيدة السياسية للإدارة الحالية القائمة على مبدأ "أمريكا أولا".

غارسيا يكسر قالب الدبلوماسية المخضرمة

صادق الكونغرس الأمريكي على تعيين فرانك غارسيا مساعدا لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية، وهو أرفع منصب دبلوماسي تديره واشنطن في أفريقيا، وجاء اختيار اختيار ترامب لغارسيا؛ الموظف الجمهوري في الكونغرس والضباط السابق في سلاح البحرية، والمستشار الأسبق للجنة الاستخبارات الدائمة في مجلس النواب، ليحمل عنصر المفاجأة في الأوساط السياسية؛ إذ يوسف بخربته المحدودة في الشؤون الأفريقية، على النحو الذي يمثل تراجعا عن النهج التقليدي للرؤساء السابقون الذين أبوا على إسناد هذا الملف لشخصيات دبلوماسية مخضرمة متمرسة في قضايا المنطقة.

في الواقع، لم يكن هذا التحول مفاجئا، إذ خضعت معظن التعيينات القيادية في إدارة ترامب لاعتبارات مغايرة للعرف السياسي التقليدي، وجاءت متسقة مع نهجها المرتكز على تقديم الولاء السياسي على حساب الخبرة الدبلوماسية والميدانية. وهي التوليفة التي أضحت بمثابة بطاقة عبور لتولي مثل هذه المناصب الرفيعة.

وتتجلى أهمية هذا المنصب في كونه بمثابة المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في القارة، حيث اكتسب مكانا حيويا بوصفه أرفع منصب يعنى بالشؤؤن الأفريقية، وحقق مكاسب مؤسساتية عديدة منذ تعيين أول مستشار عام 1958؛ إذ تتركز مهامه الأساسية على صياغة السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، وتوجيه مساراتها في العلاقات مع مختلف دول القارة.

بالنظر إلى سجله المهني، يتكئ غارسيا على خبرة عسكرية تمتد لأكثر من عشرين عاما، تولى خلالها رئاسة مكتب الاستطلاع الوطني؛ وهي الوكالة المسؤولة عن تصميم وتشغيل أقمار الاستخبارات الصناعية، فضلا عن خبرة ناهزت 15 عاما في العمل مع لجنة الاستخبارات بمجلس النواب. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه المهام ذات الطابع الفني والأمني لا تعوض افتقار سجله لانشغال حقيقي بقضايا القارة، سواء على مستوى الدعم أو التأليف أو الاستشارة الدبلوماسية.

في الواقع، لم يكن هذا التحول مفاجئا، إذ خضعت معظم التعيينات القيادية في إدارة ترامب لاعتبارات مغايرة للعرف السياسي التقليدي، وجاءت متسقة مع نهجها المرتكز على تقديم الولاء السياسي على حساب الخبرة الدبلوماسية والميدانية

وردا علي هذه الانتقادات التي تطعن في كفاءته الإقلمية، اعتبر غارسيا أن أولى تجاربه مع القارة الأفريقية، والتي خاضها كضابط مبتدئ أثناء زيارته لميناء مومباسا في كينيا، قد أشعلت شغفه بأفريقيا؛ وكأن هذا الحدث العابر يمثل مسوغا كافيا لإدارة الملف، وهو المنطق الذي يبدو مألوفا وسائدا لدى رجالات ترامب.

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ترسخت ملامح استراتيجيته القائمة على القطيعة مع التوجهات السابقة، إذ جاء تأخير تعيين مسؤول في منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية لبعث رسالة واضحة مفادها تراجع مكانة القارة في قائمة أولويات الإدارة الجديدة. كما شكّل اختيار فرانك غارسيا تحديدا تجاهلا تاما للأعراف الدبلوماسية المستقرة، وتأكيدا إضافياً على هذا التوجه.

يمثل هذا التعيين انعطافة جوهرية في مسار السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة السمراء، تعكس في جوهرها فحوى خطاب ترامب ورؤيته؛ الأمر الذي يبرهن على أن التعاطي مع القضايا الأفريقية بات محكوما بالفلسفة ذاتها التي توجه خياراته ومنهجه الدبلوماسي العام على الساحة الدولية.

هندسة السياسية الأفريقية

شكل ترشيح غارسيا تحولا لافتا في التوجهات الأمريكية لم يحد عن التوقعات، إذ حدد خلال جلسة الاستماع لتأكيد تعيينه أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، في 5 مارس/آذار الماضي ملامح سياسته المرتقبة. واستهل غارسيا إفادته بانتقاد التوجهات السابقة للإدارات المتعاقبة، القائمة على جعل المساعدات مشروطة بنشر "الأيديولوجيات المثيرة للانقسام" حسب وصفه، موضحا أن المقاربة الجديدة سترتكز على مساري التجارة والاستثمار بما يتماشى مع تحقيق المصالح الأمريكية وحمايتها. كما شدد على أنه سيعمل على تعزيز أولويات استراتيجية "أمريكا أولا" في القارة عبر نهج عملي "يمنح الأولوية لبناء الفرص والتعاون الاقتصادي بدلا من إلقاء المحاضرات".

على هذا الصعيد، لم تخرج مواقف غارسيا عن سياق تحركات إدراة ترامب أو رؤية رئيسه المباشر، وزير الخارجية ماركو روبيو، القائمة على أطروحة "أمريكا أولا"؛ إذ أكد التزامه بمقاربتهما على المستوى الاقتصادي، والمختزلة في التبادل التجاري ومنطق الصفقات والمصالح المتبادلة. أما على الصعيد الأمني، فقد شدد على تبني مقاربة "السلام من خلال القوة"، معتبرا في هذا السياق بأن الاتفاقية التي ترعاها واشنطن لإرساء السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وروندا تشكل نموذجا يحتذى به، متعهدا بالعمل على دعمها وضمان التزام الأطراف ببنودها.

يحمل اختيار غارسيا بخلفيته العسكرية والاستخبارية القوية مؤشرات دالة، فهذا التعيين يعكس إصرارا على تبني مقاربة براغماتية ترتكز على الأبعاد الأمنية، وتتماشى بدقة مع العقيدة السياسية القائمة على مبدأ "أمريكا أولا"

وكملمح أولية لنهج العمل الدبلوماسي المتوقع خلال ولايته، استشهد غارسيا بممر لوبيتو نموذجا عمليا لهذا التوجه الجديد، بوصفه ممرا استراتيجيا لنقل المعادن نحو الأسواق العالمية عبر ميناء لوبيتو الأنغولي انطلاقا من الكونغو الديمقراطية وزامبيا. ووصف غارسيا هذا الممر بأنه مشروع حيوي بين خلق فرص العمل، وتعزيز التكامل الإقليمي، وتنشيط حركة التجارة والاستثمار، متعهدا بمنح الأولية للاستثمار في مثل هذه القطاعات والمشاريع ذات العائد المرتفع.

اختتم كلماته بتأكيد التزامه بتقديم التجارة على المساعدات، وتفضيل الفرص الاستمارية على منطق التبعية، لتشكل هذه الثلاثية ركائز المقاربة المنتظرة للتعاطي مع تحديات المنطقة، وخارطة طريق كفيلة بتحقيق المصالح الأمريكية. ويبدو غارسيا واثقا من المضي قدما في هذا المسار تماشيا مع رؤية الرئيس، ما لم تطرأ متغيرات غير متوقعة قد تربك هذه التوجهات، إذ بدون هذا الحسم، فإن الإبحار في المسارات ذاتها لن يسهم إلا في تكريس التحديات بدلا من حلها، وهو ما دأبت واشنطن على الوقوع فيه مرارا.

يعكس هذا الخطاب المعلن توجها أمريكيا أحاديا البعد، يرتكز بالدرجة الأولى على تحقيق المكاسب الاقتصادية. فجاءت أفكاره استمرارا لسياسة تهميش قضايا القارة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، إذ لا تحظى أفريقيا إلا بالنزر اليسير من الاهتمام، المرتبط حصرا بمحددات الصفقة وضمان الوصول للمعادن الحيوية. تكرس التحركات هذا المنحى، الذي يمكن اختزاله بوصفه نموذجا فجا لدبلوماسية المعاملات والصفقات، على حساب العلاقات الدبلوماسية العميقة والطويلة الأمد.

غارسيا وشيفرة أفريقيا

لن تكون مهمة سفينة فرانك سهلة في أفريقيا، وقد يبدو هذا الحكم مسترعا، لكنها الحقيقة ما لم تتغير البوصلة والأولويات. فقد تخرب الطريق المعبد الذي رسمه الطرفان الأمريكي-الأفريقي قبل سنوات، وبات الرابط بين القارة السمراء وواشنطن ملغوما بمطبات كثيرة. لا تكمن العلة هنا في المنافسة المحتدمة مع القوى الكبرى، ولا في التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، بل إن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق ترامب، إذ كان سيد العلاقة الملتبسة بينهما، بسياسات انتقائية وتصريحات استفزازية واستراتيجيات إقصائية، بانتقاصه من دولها والتضييق بالرسوم على أغلبها والتحرش الدبلوماسي بلائحة أخرى.

علاوة على ذلك، يتجلى الفراغ الدبلوماسي في المؤسسات المعنية بالشأن الأفريقي؛ فكثيرة هي المناصب الدبلوماسية الشاغرة بعد مرور أكثر من عام على ولايته الثانية. وتتصدر أفريقيا قائمة هذا الشغور، حيث تحتاج القارة إلى تعيين أكثر من 37 سفيرا من أصل 51 سفارة أمريكية هناك، من بين نحو 100 منصب شاغر حول العالم. وقد تسبب سياسة الاستدعاء الجماعي لعشرات السفراء، ضمن خطة لإعادة الهيكلة داخل الوزارة، في خلق فراغا دبلوماسيا، وهو تحدي ينعكس على العمل والحضور الدبلوماسي الأمريكي بالقارة، ويقدم كدليل على تراجع النفوذ الأمريكي لصالح الصين وروسيا وغيرها.

جاء اختيار ترامب لغارسيا... ليحمل عنصر المفاجأة في الأوساط السياسية؛ إذ يُوصَف بخبرته المحدودة في الشؤون الأفريقية، على النحو الذي يمثل تراجعا عن النهج التقليدي للرؤساء السابقين الذين دأبوا على إسناد هذا الملف لشخصيات دبلوماسية مخضرمة متمرسة في قضايا المنطقة

يعزز هذا التوجه مراهنة ترامب على المبعوثين الشخصيين على حساب تهميش الدبلوماسيين الرسميين، فضلا عن التضييق على العمل المؤسساتي والاستعاضة عنه بمنطق الصفقات. فالأمر هنا يتجاوز محدودية الأداء الدبلوماسي إلى الإصرار المتعمد على تهميش الشؤون الأفريقية، التي لم تعد تحظى بأي أولوية استراتيجية داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.

يلخص المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي، هيرمان كوهين، الذي تولى منصه خلال ولاية جورج بوش الأب (1989-1993)، المشهد في تغريدة له على منصة إكس، مؤكدا أن "التحدي الأساسي المنتظر من غاريسا يمكن في إعادة بناء ثقة القادة الأفارقة". لعل هذا الأمر تلميح صريح بأن إدارة ترامب خسرت هذه المعركة إثر الأزمات المفتعلة في مسار العلاقات بين الجانبين، والتي يتحمل الرئيس مسؤوليتها المباشرة. ويضيف بأن أفريقيا "تستحق التزاما دبلوماسيا أمريكيا مستداما لتحقيق المنفعة المتبادلة والشراكة الاستراتيجية والتجارة والتنمية الاقتصادية والصحة العامة والمساعدات الإنسانية"، ويختتم تغريدته بأنها "مسؤولية جسيمة أمام فرانك".

إنها مهمة جسيمة تنتظر مساعد الوزير الجديد، ولن تتحقق إلا بخطوات حقيقية؛ إذ سيطلب الأمر في البداية ترتيبا سريعا للأولويات، وتموقعا جديدا لاستعادة ثقة الحلفاء والاستعداد لمواجهة التحديات المتعددة. وقد يستهل جهوده بمعالجة أزمة المناصب الشاغرة، وضخ دماء جديدة في العمل المؤسساتي. ومن دون شك، لن تدور عجلة الدلوماسية ما لم تقدم مراجعة شاملة لتداعيات تقليص برامج الدعم والمساعدات الخارجية، وتعطيل دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، والتضييق على فرص التنمية المستدامة وجهود بناء السلام في القارة. وبخلاف ذلك، ستتأكد حقيقة واحدة، وهي أن أفريقيا، في منظور إدارة ترامب، لا تعدو كونها منجما كبيرا للمعادن، ومحطة للتعامل مع ملف الهجرة، وساحة للاستعراض العسكري والضربات الجوية. فهل ينجح غاريسا في إصلاح ما أفسدته الإدارة السابقة؟

في المحصلة، تضيق هوامش المناورة أمام غاريسا منذ البداية مع تشابك التحديات الإقليمية والدولية، مما يجعل مهمته بالغة التعقيد أمام جسامة الرهانات والملفات التي تنتظر حسما نهائيا. ولن يكتسب الملف الاقتصادي والتجاري بعده الحقيقي، ولن يستقيم الأمر، ما لم يجر تفعيل أدوات القوة الناعمة الأمريكية، وتبني سياسة تعاون مشترك مستدام. بعيدا عن تصحيح هذه البوصلة، فإن الخبرة الاستخباراتية لغاريسا قد لا تشفع له وحده في تفكيك المعضلات الأفريقية المعقدة.