الأحد 8 مارس 2026
في ظل تصاعد التوترات الأمنية والتنافس الدولي على النفوذ في القرن الأفريقي، بدأت الولايات المتحدة في إعادة رسم حضورها العسكري في المنطقة من خلال خطط لتوسيع قاعدة ماندا باي في كينيا. القاعدة، التي كانت حتى الآن منشأة محدودة، يُنظر إليها اليوم كعنصر محوري في الاستراتيجية الأميركية في شرق أفريقيا، لما توفره من قدرة على مراقبة التهديدات المتصاعدة، خصوصًا نشاط حركة الشباب وتنظيم الدولة في الصومال، إلى جانب التحديات الأمنية على طول البحر الأحمر.
بدأت الولايات المتحدة وكينيا، في 29 يناير/ كانون الثاني 2026، تنفيذ مشروع لتوسيع قاعدة ماندا باي البحرية الواقعة في مقاطعة لامو الكينية، بتمويل أميركي بلغ نحو 71 مليون دولار. ويتمحور المشروع حول إنشاء مدرج جوي بطول 3.5 كيلومتر، ليحل محل المدرج الحالي الذي كان يقتصر استخدامه على الطائرات الصغيرة، بما يتيح استقبال طائرات أكبر وقدرات تشغيلية أكثر تعقيدًا.
يشمل التطوير إنشاء برج مراقبة جوي جديد، ومرافق موسعة لتخزين الوقود، وأنظمة طاقة محدثة، إضافة إلى مبانٍ سكنية حديثة تهدف إلى إيواء مئات الأفراد الأميركيين، في خطوة تعكس تحول القاعدة من منشأة تكتيكية محدودة إلى بنية عسكرية ذات طابع شبه دائم. ومن المقرر الانتهاء من المشروع بحلول منتصف عام 2027، ما يعزز من قدرة الولايات المتحدة على ترسيخ وجودها العسكري في الساحل الكيني المطل على خليج عدن والمحيط الهندي.
بدلا من الانتشار المباشر داخل الدول التي تعاني هشاشة سياسية وأمنية، باتت الولايات المتحدة تميل إلى اعتماد وجود عسكري محدود ومتحكم فيه، ينطلق من دول مجاورة أكثر استقرارًا، مع تحميل الشركاء الإقليميين العبء الأكبر من الاحتكاك الميداني
أكدت قوة المهام المشتركة التابعة للجيش الأميركي في القرن الأفريقي أن المشروع يندرج ضمن جهود تعزيز الشراكة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وكينيا، من خلال توسيع القدرات العملياتية العسكرية، وتعميق التعاون الثنائي في مجال مكافحة الإرهاب. وأضافت أن التوسعة ستوفر منصة أكثر متانة لكلا البلدين لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة في شرق أفريقيا والفضاء البحري المحيط به.
جاء ذلك في سياق جولة أجراها نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو إلى كل من كينيا وإثيوبيا وجيبوتي ومصر خلال الفترة بين 24 يناير/ كانون الثاني و1 فبراير/ شباط الجاري. يوضح تشارلز أمو، المحاضر في العلوم السياسية بجامعة غانا، أن اختيار هذه الدول لم يكن عشوائيًا، بل يعكس حسابات استراتيجية واضحة، إذ تنظر الولايات المتحدة إلى شرق أفريقيا والبحر الأحمر بوصفهما مسرحًا استراتيجيًا واحدًا مترابطًا.
يضيف أمو أن هناك إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار الأميركية بتراجع النفوذ الأميركي داخل القارة الأفريقية، يقابله حرص على ضمان قدرة واشنطن على إعادة إدخال نفسها في معادلات التفاعل العالمي المرتبطة بأفريقيا، ولاسيما في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية والبحرية.
تقع قاعدة ماندا باي على بُعد نحو 100 كلم من الحدود الصومالية، ويُستخدم معسكر سيمبا، الواقع داخل القاعدة، نقطة انطلاق لطائرات الاستطلاع الأميركية وقوات العمليات الخاصة الأميركية العاملة بالتنسيق مع قوات الأمن الكينية في المنطقة الحدودية بين كينيا والصومال شمالًا. كما تُعدّ القاعدة مركزًا محوريًا للعمليات الأميركية في الصومال. ووفقًا لقيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، يتمركز في كينيا نحو 350 جنديًا أميركيًا.
يأتي تطوير قاعدة ماندا باي في سياق تصاعد حادّ للغارات الجوية الأميركية على حركة الشباب وتنظيم داعش في الصومال منذ فبراير/ شباط 2025. وفقًا لبيانات مؤسسة "نيو أميركان فاونديشن"، نفذت إدارة ترامب خلال عام 2025 نحو 126 غارة جوية استهدفت التنظيمين، وهو عدد يفوق إجمالي الغارات التي نفذتها إدارات بوش وأوباما وبايدن مجتمعة، بما يعكس تحولًا واضحًا نحو الاعتماد على القوة الجوية كأداة مركزية في المقاربة الأميركية للصومال.
ووفقًا لوزارة الدفاع الأميركية، أصبحت إجراءات الأمن في خليج ماندا باي أولوية قصوى في أعقاب الهجوم الذي شنته حركة الشباب في يناير/ كانون الثاني 2020 على القوات الأميركية في معسكر سيمبا. وأسفر الهجوم عن مقتل جندي أميركي واثنين من المتعاقدين الأميركيين، وإصابة ثلاثة آخرين، فضلًا عن خسائر مادية قُدرت بنحو 71 مليون دولار، ومن ثم شكّل نقطة تحوّل في مقاربة الولايات المتحدة لأمن القاعدة.
في هذا الصدد، يتزامن توطيد الوجود الأميركي في شرق أفريقيا مع عمليات انسحاب واسعة للولايات المتحدة من وسط وغرب القارة. ففي عام 2024، سحبت واشنطن غالبية قواتها من تشاد، وانسحبت بالكامل من النيجر، بما في ذلك من قاعدة أغاديز الجوية، التي استثمرت في تطويرها نحو 250 مليون دولار لتكون منصة رئيسية لعمليات الطائرات المسيّرة في أفريقيا، إضافة إلى القاعدة الجوية 101 في نيامي.
تُظهر واشنطن اهتمامًا متزايدًا بميناء بربرة في صوماليلاند، خاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند أواخر عام 2025، ما يتيح للولايات المتحدة استكشاف مواقع بحرية إضافية لتعزيز نفوذها في الممرات البحرية للقرن الأفريقي
من الواضح أنه بعد عقدين من العمليات المكثفة لمكافحة الإرهاب في أفريقيا، خلصت واشنطن إلى ضرورة توجيه وجودها العسكري في القارة على نحو أكثر دقة وانتقائية. فبدلًا من الانتشار المباشر داخل الدول التي تعاني هشاشة سياسية وأمنية، باتت الولايات المتحدة تميل إلى اعتماد وجود عسكري محدود ومتحكم فيه، ينطلق من دول مجاورة أكثر استقرارًا، مع تحميل الشركاء الإقليميين العبء الأكبر من الاحتكاك الميداني.
في السياق ذاته، أعلن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في يونيو/ حزيران 2024 عن خطط لتصنيف كينيا كأول حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو في أفريقيا جنوب الصحراء. وبالتالي قد يساهم ذلك في توسيع نطاق التعاون العسكري بين البلدين، وزيادة فرص كينيا في الحصول على التدريب المتقدم، والتكنولوجيا العسكرية، بما يعمّق شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن.
على الرغم من التضييق الاستراتيجي الذي نصّت عليه استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، ظلّ القرن الأفريقي متجذرًا في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. ولا يعود ذلك إلى اعتبارات إنسانية أو التزامات تنموية، بقدر ما تحكمه الجغرافيا السياسية للإقليم. وذلك لأن أي اضطراب محلي من شأنه أن يمتد سريعًا إلى ما هو أبعد من حدوده الإقليمية، بما يفرض على الولايات المتحدة التعامل مع القرن الأفريقي كمساحة أمنية لا يمكن تحييدها، حتى في ظل تقليص التزاماتها الخارجية.
تُظهر قاعدة ماندا باي الدور المحوري الذي تلعبه كينيا كركيزة موثوقة للانخراط الأميركي في بنية الأمن الإقليمي، في ظل التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي. ويشير تقرير وول ستريت جورنال إلى أن قرار الولايات المتحدة بالموافقة على توسيع القاعدة جاء استجابة لطلب من الحكومة الكينية، وسط خشية واشنطن من أن يؤدي أي رفض إلى لجوء نيروبي إلى شركات صينية، ما قد يفضي بدوره إلى تواجد قوى أجنبية داخل قاعدة عمليات أميركية حساسة.
على الرغم من التضييق الاستراتيجي الذي نصّت عليه استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، ظلّ القرن الأفريقي متجذرًا في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن
في هذا الإطار، ترتكز الولايات المتحدة في شرق أفريقيا على قاعدة لومونييه في جيبوتي، التي منحها اتفاق رسمي بين البلدين عام 2003 حق استخدام المعسكر، ما أتاح لواشنطن تأسيس وجود عسكري مستدام في المنطقة. ومع ذلك، يشير تقرير موقع صومالي ديسباتش في 1 فبراير/ شباط الجاري إلى أن الولايات المتحدة بدأت بإخلاء مقرها الرئيسي في جيبوتي، بعد سماح حكومة جيبوتي بإنشاء قاعدة عسكرية صينية على أراضيها.
كما يعكس توسيع قاعدة ماندا باي في كينيا نهجًا أميركيًا واضحًا يقوم على تنويع الوجود العسكري، وتقليل الاعتماد على دولة واحدة. وفي الوقت ذاته، تُظهر واشنطن اهتمامًا متزايدًا بميناء بربرة في صوماليلاند، خاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند أواخر عام 2025، ما يتيح للولايات المتحدة استكشاف مواقع بحرية إضافية لتعزيز نفوذها في الممرات البحرية للقرن الأفريقي.
إن تطوير قاعدة ماندا باي لا يقتصر على تحسين البنية التحتية العسكرية فحسب، بل يمثل خطوة محورية في التموضع الاستراتيجي الأميركي في شرق أفريقيا. فهو يعكس حرص الولايات المتحدة على بناء شراكات أكثر استقرارًا مع كينيا وتعزيز قدراتها العملياتية في مواجهة التهديدات الإرهابية. وفي ظلّ المنافسة المتزايدة، يقدّم هذا التوسّع نموذجًا لمشهد إقليمي تتغير فيه التحالفات، ويتبلور فيه السعي نحو إطار أمني موثوق في منطقة مضطربة.