الأربعاء 14 يناير 2026
ما الذي يجعل رؤية توماس سنكارا تتجاوز حدود التجربة السياسية في دولة صغيرة وفقيرة مثل بوركينا فاسو؟ وكيف استطاعت منظومته الأخلاقية أن تتحول إلى مشروع فلسفي للانعتاق الإنساني، لا إلى برنامج حكومي محدود؟ ثم كيف يمكن فهم شخصية ثورية تعيش أربع سنوات فقط في السلطة، لكنها تترك إرثاً يفوق أضعاف ما تركته أنظمة دامت عقوداً؟ هذه الأسئلة تقود إلى جوهر الرؤية الفلسفية لتوماس سنكارا (21 ديسمبر/كانون الأول 1949-15 أكتوبر/ تشرين الأول 1987)، ذلك القائد الذي حوّل السياسة من مجال للهيمنة إلى ممارسة للتطهير الأخلاقي، ومن إدارة الدولة إلى بناء الإنسان، حيث أنه لم يقد ثورة تبحث عن السلطة، وإنما ثورة تُعيد تعريف علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع وبالعالم، ضمن أفق تحرري يمتد من قضايا الغذاء إلى الموقف من الإمبريالية، ومن حقوق المرأة إلى صياغة معنى الكرامة.
تقوم رؤية سنكارا على ما يمكن تسميته بـ"التحرر الشامل"؛ أي التحرر الذي يتفاعل فيه الاقتصادي مع الأخلاقي، والوطني مع الكوني، والسياسي مع الروحي. لأن التحرر في اعتقاده ليس فعلاً عسكرياً، بقدر ما هو خيار وجودي. وقد عبّر عن هذا المبدأ حينما قال في أحد خطاباته: "إن الثورة نَفَسٌ جديد للإنسانية".
"لا يمكن للثوري أن يطلب من شعبه التقشف وهو يعيش حياة مريحة". هذه الجملة تختزل رؤية تكسر "الفصام" الذي يفصل عادة بين خطاب الحكّام "النخب" وحياتهم
إن هذا القول يضع الثورة في مستوى يتجاوز التحولات المادية ليصل إلى بناء معنى جديد للإنسان. كان سنكارا يستحضر دروس التاريخ الثوري العالمي ليصوغ منها فلسفة خاصة، فهو يقول: "إن ثورتنا في بوركينا فاسو مستمدة من مجمل الخبرات منذ النفس الأول للإنسانية، نحن نتمنى أن نكون ورثة لجميع ثورات العالم لجميع نضالات التحرر في العالم الثالث، لقد استخلصنا الدروس من الثورة الأمريكية، وعلمتنا الثورة الفرنسية حقوق الإنسان، أما ثورة أكتوبر الروسية العظمى علمتنا صنع النصر للبروليتاريا، وجعلت من الممكن تحقيق أحلام باريس العادلة". في هذا الاقتباس يقدّم تصوراً للتاريخ بوصفه سلسلة من الدروس الأخلاقية التي تتراكم لتمنح الشعوب القدرة على الانعتاق، حيث أن الثورات عنده ليست فقط محطات سياسية، إنها مدارس لبناء الوعي الإنساني.
"يمكن قتل الثوار، لكن لا يمكن قتل أفكارهم". إن هذا الاقتباس ليس شعاراً، بقدر ما هو إعلان عن أن الفكرة الثورية تمتلك قيمة تتجاوز الزمن
تقوم فلسفة سنكارا على وضع المواطن في مركز الفعل السياسي. لأن السياسة في هذا الإطار لا تُقاس بحجم المشاريع، وإنما بمدى اكتمال إنسانية وكرامة الشعب. ولذلك جعل التعليم أولوية قصوى، لأن المعرفة عنده ليست أداة للترقي الاجتماعي فحسب، بقدر ما هي أساس لتحرير الوعي من التبعية. وقد قال: "إن من يطعمنا يتحكم فينا"، وفي هذا القول تتجسد علاقة الوعي بالغذاء، والمعرفة بالسيادة. يتضح في هذه المقولة تصور راديكالي للسياسة، فالاكتفاء الذاتي لا يعتبر بأي حال من الأحوال سياسة اقتصادية فقط، بقدر ما هو شرط لتحرير الإرادة الإنسانية. لذلك كانت خطته الزراعية محاولة لتأسيس علاقة جديدة بين الإنسان والأرض، علاقة تقوم على العمل المشترك والمسؤولية الجماعية.
علاوة على ذلك، يرى سنكارا أن الأخلاق ليست قيمة إضافية في السياسة، وإنما هي شرط لشرعيتها. فحينما خفّض راتبه إلى مستوى العامل العادي، وحينما باع سيارات الدولة واستبدلها بـسيارات "رينو 5" الاقتصادية، كان يقدم درساً فلسفياً في معنى السلطة. وفي أحد خطاباته يقول: "لا يمكن للثوري أن يطلب من شعبه التقشف وهو يعيش حياة مريحة". هذه الجملة تختزل رؤية تكسر "الفصام" الذي يفصل عادة بين خطاب الحكّام "النخب" وحياتهم. يتجلى هذا البعد الأخلاقي أيضاً في موقفه من حقوق المرأة، إذ يقول في هذا الصدد: "تحرر المرأة شرط لانتصار الثورة". وبهذا، فهو لم يكن ينظر إلى المرأة كموضوع لسياسة اجتماعية، بل كفاعل في إعادة بناء الفضاء العمومي. لذلك أصدر قوانين تمنع زواج القاصرات وتعدد الزوجات والختان، وعيّن نساء في أعلى المناصب، وفرض يوماً وطنياً يقوم فيه الرجال بأعمال المنزل، في رمز ثقافي عميق يمسّ بنية السلطة الأبوية "البطريركية".
شكلت الإمبريالية محوراً أساسياً في فلسفة سنكارا. حيث كان يرى أن السيطرة الغربية هي منظومة قيمية تهدف إلى نزع الشعور بالسيادة. وقد قال في إحدى خبطاته أمام منظمة الوحدة الأفريقية: "إن سياسات الفائدة والمساعدات قد انتهت بنا إلى تشويشنا وإخضاعنا وسلبنا الشعور بالمسؤولية تجاه شؤوننا الاقتصادية والسياسية والثقافية. لقد اخترنا أن نخاطر بأن نمضي في مسارات جديدة لتحقيق رفاهية أفضل". هذا القول يكشف رؤية تجعل من الاقتصاد مجالاً للصراع الوجودي بين الحرية والتبعية. لأن الإمبريالية في نظره ليست قوة خارجية فقط، وإنما هي أيضاً علاقة نفسية: قبول التبعية، والاستسلام لمعادلة القوة، والإيمان بأن التقدم لا يتحقق إلا باستيراد الحلول الجاهزة من الغرب. لهذا، دعا الأفارقة إلى بناء نموذج تنموي مستقل، ووصف اعتماد أفريقيا على المساعدات الخارجية بأنه "تشويش على مسؤوليتنا تجاه بناء مستقبل أفضل".
"لا يمكن للثوري أن يطلب من شعبه التقشف وهو يعيش حياة مريحة". هذه الجملة تختزل رؤية تكسر "الفصام" الذي يفصل عادة بين خطاب الحكّام "النخب" وحياتهم
بالإضافة إلى ذلك، يضع سنكارا الثورة في مستوى الوجود الإنساني لا في مستوى السلطة، وقد عبّر عن ذلك حين قال: "يمكن قتل الثوار، لكن لا يمكن قتل أفكارهم". إن هذا الاقتباس ليس شعاراً، بقدر ما هو إعلان عن أن الفكرة الثورية تمتلك قيمة تتجاوز الزمن. وهكذا، فإن موته ليس نهاية مشروعه، وإنما بداية تحوله إلى رمز فلسفي للإنسان الإفريقي. لقد فهم أن الثورة لا تعتبر فقط حدثاً عادياً بل مساراً في طريق التحرر، كما أن السلطة ليست هدفاً بقدر ما هي وسيلة لتأسيس إنسان جديد، وأن مقاومة الإمبريالية تبدأ من مقاومة الاستهلاك الأعمى، وكذلك أن المساواة لا تتحقق بالخطاب، وإنما بقطع الامتيازات "الريع" من جذورها.
في الأخير، إن رؤية توماس سنكارا لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال برنامج لدولة نامية، بقدر ما هي فلسفة تحررية إنسانية تقوم على أسس واضحة: الإنسان يقاس بكرامته لا بثروته، والسيادة تبدأ من السيطرة على الغذاء والمعرفة، والثورة تحتاج إلى أخلاق كي تظل ثورة، والمرأة ليست موضوعاً لتفضل عليها بالقوانين لحمايتها وإنما هي شريكٌ في بناء المستقبل. كما أن الإمبريالية تتحكم بالشعوب عبر حاجاتها وأوهامها أكثر مما تتحكم بقوتها. وهكذا، يتحول سنكارا إلى نموذج فلسفي للسياسي الأفريقي الذي يربط بين الواجب الأخلاقي والعمل الواقعي، ويجعل من الدولة فضاءً للتحرر لا للتسلّط. لقد عاش أربع سنوات في حكم بوركينا فاسو، لكنه أسس لما يشبه "الميثاق الأخلاقي للثورة الأفريقية". ولذلك بقي اسمه محفور في الذاكرة ليس كزعيم فقط، وإنما كفيلسوف مارس فكره قبل أن يعلّمه، ومات قبل أن يخون رؤيته التحررية.