الاثنين 9 مارس 2026
في تطور سياسي لافت يحمل أبعادًا داخلية وإقليمية، تسلّمت سلطات بوركينا فاسو الرئيس المؤقت السابق بول هنري ساندوجو داميبا، ونُقل إلى العاصمة واغادوغو، بعد فترة من وجوده خارج البلاد عقب الإطاحة به من السلطة. عملية التسليم، التي جرت بالتنسيق مع جمهورية توغو، أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر المحطات حساسية في المسار السياسي لبوركينا فاسو منذ سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وصل داميبا إلى السلطة في يناير/كانون الثاني 2022 إثر انقلاب أطاح بالرئيس المنتخب روش مارك كريستيان كابوري، وقدّم نفسه آنذاك باعتباره قائد مرحلة انتقالية هدفها الأساسي استعادة الأمن ومواجهة تصاعد هجمات الجماعات المسلحة، إضافة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية. غير أن فترة حكمه القصيرة اتسمت بتعقيدات كبيرة، إذ لم يتمكن من تحقيق اختراق حاسم في الملف الأمني. كما واجه انتقادات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، انتهت بإطاحته في سبتمبر/أيلول 2022 عبر انقلاب ثانٍ قاده النقيب إبراهيم تراوري.
غادر داميبا البلاد، منذ خروجه من السلطة، واستقر لفترة في توغو، في ظل صمت رسمي حول وضعه القانوني، ومستقبله السياسي. ومع إعلان تسليمه إلى واغادوغو، تعود التساؤلات بقوة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت السلطات الانتقالية تعتزم فتح ملفات قانونية وسياسية مرتبطة بفترة حكمه، أم أن الخطوة تأتي في إطار تسوية سياسية – أمنية أوسع تهدف إلى طي صفحة الانقسامات داخل الجيش.
سياسيًا، يُقرأ تسليم داميبا كإشارة إلى سعي السلطة الحالية إلى إحكام السيطرة على المشهد الداخلي، خاصة في ظل استمرار التحديات الأمنية، وتزايد الضغوط الشعبية والعسكرية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض. فوجود رئيس سابق في المنفى، خصوصًا في سياق انقلابي متقلب، ظل يمثل عامل قلق دائم لاحتمالات الاستقطاب أو إعادة الاصطفاف داخل المؤسسة العسكرية. وعليه، فإن عودته القسرية أو المنظمة إلى البلاد تُفهم على أنها خطوة استباقية لتحييد أي سيناريوهات محتملة لزعزعة الاستقرار.
من الناحية القانونية، لم تصدر حتى الآن بيانات رسمية تحدد الوضع القضائي لداميبا، أو ما إذا كان سيُعرض على التحقيق بشأن قراراته خلال المرحلة الانتقالية التي قادها. غير أن سوابق التجارب الانتقالية في منطقة الساحل تشير إلى أن مثل هذه الخطوات غالبًا ما تكون محكومة بتوازنات دقيقة بين منطق المحاسبة ومنطق الحفاظ على تماسك الجيش، خاصة في دول تواجه تهديدات أمنية وجودية. وبالتالي، فإن أي مسار قضائي محتمل سيخضع على الأرجح لحسابات سياسية وأمنية تتجاوز البعد القانوني الصرف.
إقليميًا، يعكس التنسيق مع توغو في عملية التسليم دور لومي المتنامي كوسيط هادئ في أزمات غرب أفريقيا، في وقت تشهد فيه المنطقة تراجع أدوار تقليدية لبعض الأطر الإقليمية. كما يسلط الضوء على شبكة العلاقات المعقدة بين الأنظمة الانتقالية في دول الساحل، حيث تتداخل اعتبارات السيادة، والاستقرار، وتجنب التصعيد بين الجيوش الحاكمة.
أما على المستوى الداخلي، فإن ردود الفعل لا تزال حذرة، في ظل غياب معلومات رسمية مفصلة. فأنصار السلطة الحالية يرون في الخطوة تعزيزًا لهيبة الدولة وإغلاقًا لملف رموز المرحلة السابقة، بينما يتخوف آخرون من أن يؤدي التعامل غير الشفاف مع قضية داميبا إلى تعميق الانقسامات داخل الجيش أو فتح الباب أمام صراعات مكتومة.
في المحصلة، لا يمثل تسليم بول هنري ساندوجو داميبا مجرد إجراء أمني أو قانوني معزول، بل يندرج ضمن سياق أوسع من إعادة ترتيب السلطة في بوركينا فاسو، حيث تحاول القيادة الانتقالية تثبيت شرعيتها في بيئة شديدة الهشاشة. وستتوقف دلالات هذه الخطوة النهائية على الكيفية التي ستتعامل بها السلطات مع الملف: هل ستتجه نحو المحاسبة، أم نحو التسوية، أم نحو صيغة وسط توازن بين الاستقرار والعدالة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير داميبا، بل أيضًا جزءًا مهمًا من مسار المرحلة الانتقالية في البلاد.