تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

تواديرا: الطريق الشائك نحو ولاية رئاسية ثالثة في أفريقيا الوسطى

26 مايو, 2025
الصورة
تواديرا
Share

صعد البروفيسور فوستان آركانج تواديرا، أستاذ الرياضيات ورئيس جامعة بانغي، على خشبة المشهد السياسي في أفريقيا الوسطى عقب تنصيبه رئيساً للوزراء عام 2008، من قبل الرئيس الأسبق لجمهورية أفريقيا الوسطى فرانسوا بوزيزيه الذي كان يبحث عن رجل من التكنوقراطيين المؤهلين لقيادة سفينة الحكم المضطربة. 

عُزل تواديرا من منصبه مع اندلاع الحرب الأهلية الثانية (2012 -2013)، ليغادر إلى فرنسا رفقة عائلته قبل أن يعود عام 2015، عقب عملية سانغاري التي قامت بها الجيوش الفرنسية لحسم فوضى الحرب الأهلية والاعلان عن فترة انتقالية، انتهت بتنظيم انتخابات رئاسية فاز بها البروفيسور تواديرا. عقب فوزه بدورة رئاسية ثانية عام 2020، صاحبتها كثير من الاضطرابات، يتطلع تواديرا إلى دورة رئاسية ثالثة خلال الانتخابات المزمع إجراؤها نهاية العام الجاري، إلا أن الطريق إليها ليس ممهداً وتكتنفه العوائق. 

دورة رئاسية ثانية مضطربة

لم يكن حصول البروفيسور فوستان آركانج تواديرا على دورة رئاسية ثانية خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت نهاية عام 2020 بالأمر السهل، فقد وضعت الجماعات المسلحة، التي تقاتلت فيما بينها خلال الحرب الأهلية الثانية عقب سقوط نظام الرئيس فرانسوا بوزيزيه (2012)، ثم وقعت في فبراير/ شباط 2019، في العاصمة السودانية الخرطوم، اتفاقاً للسلام مع حكومة تواديرا. 

تركت كل تناقضاتها ومراراتها جانباً لتكوّن تحالفاً سياسياً عسكرياً واسعاً، عُرف بتحالف الوطنيين من أجل التغيير (CPC)، بهدف منع الرئيس تواديرا من الحصول على دورة رئاسية ثانية، وذلك بالدعوة لمقاطعة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ثم بشن هجوم عسكري كبير مطلع عام 2021، قبل إعلان نتائج هذه الانتخابات، على العاصمة بانغي كاد أن يسقطها لولا تدخل العسكريين الروس والروانديين، الحلفاء الجدد للرئيس تواديرا. 

أشار تواديرا إلى أن رئيس الجمهورية ليس الوحيد الذي يقود سياسة البلاد، بل إن الأحزاب السياسية والجمعيات تساهم بمقترحاتها وانتقاداتها لدفع البلاد إلى الأمام

شهدت بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان 2025، عدداً من الفعاليات السياسية التي تشير إلى أنه قد أصبح وشيكاً إعلان الرئيس فوستان آركانج تواديرا ترشيح نفسه لولاية رئاسية ثالثة في جمهورية أفريقيا الوسطى خلال الانتخابات الرئاسية القادمة. وقد أتت هذه اللقاءات في إطار ما أسماه الإعلام الحكومي بالموجة الشعبية في الجمهورية التي تدعو إلى ترشح الرئيس تواديرا، والتي بدأت في مارس/آذار 2025، بالاجتماع الذي عقدته منصة "بي أوكو" المكونة من أربعة أحزاب سياسية متحالفة مع الحكومة. وفي كلمته أمام ذلك الاجتماع، أشار تواديرا إلى أن رئيس الجمهورية ليس الوحيد الذي يقود سياسة البلاد، بل إن الأحزاب السياسية والجمعيات تساهم بمقترحاتها وانتقاداتها لدفع البلاد إلى الأمام. 

في سياق هذه الموجة، تظاهرت منظمات شبابية وطلابية ومدرسية، وسلمت مذكرة إلى البروفيسور تواديرا أمام قصر النهضة في بانغي تحثه على الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وخاطب تواديرا المظاهرة مؤكداً أنه أخذ طلب المتظاهرين بعين الاعتبار، وأنه سيرد على طلبهم في الوقت المناسب. أيضاً نظمت لجنة دعم الجامعيين اجتماعاً وسلمت تواديرا، بصفته رئيس الدولة والقائد الأعلى للفنون والآداب، مذكرة تطالبه بالترشح للانتخابات المقبلة للحصول على دورة رئاسية ثالثة، وأوضح منسق اللجنة بأن دعوتهم لترشح رئيس الجمهورية نابعة من إنجازاته المتعددة في سبيل النهوض الاجتماعي والاقتصادي، واستعادة سلطة الدولة على كامل التراب الوطني لجمهورية أفريقيا الوسطى.

الطريق الشائك نحو فترة رئاسية ثالثة

بعد مرور فقط عام وشهرين تقريباً على ولايته الثانية التي تمتد لخمس سنوات، بدأ الرئيس تواديرا التمهيد للترشح لولاية ثالثة لا تتيحها له النصوص الدستورية، فقد نص دستور 30 مارس/آذار 2016 على دورتين رئاستين فقط للرئيس الواحد، إذ تقدم أنصار الرئيس بمقترح لمناقشة تعديل الدستور ضمن الحوار الجمهوري الذي ضم أحزابا من المعارضة. 

في مايو/أيار 2022، دفعت الكتلة البرلمانية لحزب "القلوب المتحدة"، حزب الرئيس تواديرا، المقترح للأمام بتقديمها مشروعاً لمجلس الوزراء لتعديل عدد من مواد الدستور، مبررةً ذلك بأن دستور 30 مارس/آذار 2016 عفا عليه الزمن، ولم يعد يتناسب مع واقع أفريقيا الوسطى الاقتصادي، وأن الدستور بطبيعته متغير تبعاً للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأن الأحكام الدستورية في دستور 2016 تنطوي على أوجه قصور ينبغي معالجتها؛ وأن الدستور لا يؤكد بوضوح على سيادة دولة أفريقيا الوسطى ولا استقلالها الوطني، ولا يؤكد على حق تقرير المصير لشعب أفريقيا الوسطى، ولا يعكس بما فيه الكفاية التطلعات العميقة لشعبها؛ وأن أنصار الرئيس يروا أن دول إقليم وسط أفريقيا، مثل: الكونغو والكاميرون والغابون، لا تتضمن دساتيرها تحديداً لعدد الفترات الرئاسية للرئيس الواحد، فليس ثمة ضرورة لأن يتضمن دستور أفريقيا الوسطى هذا التقييد. 

معركة تعديل الدستور

عقب إجازة مجلس الوزراء للمقترح المقدم من الجمعية الوطنية (البرلمان)، الذي رأى ليس فقط تعديل الدستور بل ضرورة إعادة كتابته ليصبح دستوراً جديداً، لأن التعديل المقترح يشمل عدداً من البنود التي سينتج عنها تغيير كبير في الدستور القديم، أصدر الرئيس تواديرا مرسوماً بتسمية أعضاء اللجنة المكلفة بكتابة الدستور الجديد، إلا أن أحزاب المعارضة المدنية التي أسست تحالفاً سياسياً أسمته "الكتلة الجمهورية للدفاع عن دستور 30 مارس 2016" يقف على رأسه رئيس الوزراء الأسبق مارتين زيقيليه، تقدمت بشكوى للمحكمة الدستورية ضد هذا المرسوم.

أصدرت المحكمة الدستورية حكماً ببطلانه، وأكدت في حيثيات الحكم أن عملية الإصلاح الدستوري يجب أن تتم عبر مجلس الشيوخ الذي لم ينشأ بعد، وأشارت إلى أن لرئيس الجمهورية الحق في طرح استفتاء على تعديل الدستور. لكن الرئيس تواديرا لا يحق له ذلك، لأنه أقسم على الكتاب المقدس وأمام الأمة عند تنصيبه لولايته الرئاسية الثانية، نهاية مارس/آذار 2021، أنه لن يعيد النظر في مدة ولايته، وعدد مراتها، وأكدت المحكمة أنه لا يمكنه الحنث بهذا القسم.

إن أنصار الرئيس يرون أن دول إقليم وسط أفريقيا، مثل: الكونغو والكاميرون والغابون، لا تتضمن دساتيرها تحديداً لعدد الفترات الرئاسية للرئيس الواحد، فليس ثمة ضرورة لأن يتضمن دستور أفريقيا الوسطى هذا التقييد

جاء رد فعل الرئيس تواديرا سريعاً وقوياً عبر إصدار مرسومين متتابعين، أحال بموجب الأول منهما رئيسة المحكمة الدستورية العليا السيدة/ دانييل دارلان إلى التقاعد، وألغى بموجب المرسوم الثاني انتخاب السيدة/ دارلان رئيسةً للمحكمة الدستورية في أفريقيا الوسطى مستنداً على وجود عائق يحيل دون ممارستها لعملها، والمتمثل في أنها قد احيلت للتقاعد! ليتمكن بعدها من الحصول على موافقة المحكمة الدستورية، التي عين على رأسها أحد الموالين له، على تشكيل لجنة صياغة الدستور الجديد التي قدمت بنهاية عملها مسودة حوت بنود إشكالية.

أبرز م احتوته المسودة تحديد الفترة الرئاسية الواحدة بعدد سبع سنوات، ولعدد غير محدد من المرات، ومنع مزدوجي الجنسية من الترشح لمنصب الرئيس، وإجراء إصلاحات على عضوية المحكمة الدستورية ليضم مجلسها أحد عشر عضواً؛ ثلاثة من بينهم يختارهم رئيس الجمهورية وثلاثة آخرين يختارهم رئيس الجمعية الوطنية، وينتخب بقية الأعضاء من المؤسسات القانونية، وإنشاء منصب نائب لرئيس الجمهورية يختاره الرئيس بنفسه. 

تمكن تواديرا من تمرير الدستور الجديد في استفتاء أجري بتاريخ 30 يوليو/ تموز 2023، ومن ثم المصادقة عليه في 30 أغسطس/آب 2023، ليصبح بعدها الرئيس تواديرا مؤهلاً دستورياً للترشح في انتخابات نهاية عام 2025. وعليه فقط أن يواجه المعارضة المدنية والجماعات العسكرية المسلحة الناشطة في عدد من أقاليم بلاده.  

المعارضة المدنية والتنظميات السياسية المسلحة

رغم النشاط الإعلامي المكثف للمعارضة المدينة في أفريقيا الوسطى بفضل ما تجده من دعم من منصات إعلامية دولية قريبة من خطها السياسي، إلا أن هذه المعارضة المدنية لن تمثل، نظراً للمعطيات الحالية، عقبة كبيرة أمام ترشح الرئيس تواديرا لولاية ثالثة وفوزه بها، فقد عمل البروفيسور تواديرا خلال ولايته الثانية على التقليل من فعالية هذه المعارضة، وتقليص قدرتها على المقارعة الانتخابية. إذ تمكن أنصار الرئيس تواديرا، بمعاونة من حلفاء أفريقيا الوسطى الجدد، من قيادة حملات إعلامية ممولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ضد أحزاب المعارضة المدنية، بهدف تشويه صورتها عبر وصفها بالعمالة للأجنبي، واتهامها بالارتهان لأجندات خارجية ضد مصالح أفريقيا الوسطى، وبعملها من أجل تحقيق مصالح شخصية ضيقة لكوادرها على حساب شعب أفريقيا الوسطى. 

نتيجة لهذه الحملة، أصبح ناخبو أفريقيا الوسطى ينظرون لهذه الأحزاب بأنها غير ذات مصداقية، وأنها غير قادرة على تطوير استراتيجية موحدة لمناهضة سلطة الرئيس تواديرا وعاجزة عن صياغة أهداف واضحة، وأنها غارقة في صراعات داخلية تمنعها من تكوين تحالفات سياسية مشتركة ذات فاعلية. 

شكلت الجماعات السياسية المسلحة خلال الولاية الثانية للرئيس تواديرا خطراً كبيراً على سلطته، بما ملكته من قدرات على الحركة واحتلال المدن والبلدات، ومضايقة شركات التعدين الأجنبية التي تعمل في أكثر من موقع، وذلك عقب انسحابها من اتفاقية الخرطوم للسلام والمصالحة في أفريقيا الوسطى احتجاجاً على ترشح الرئيس تواديرا لفترة رئاسية ثانية.  

أشارت المحكمة الدستورية أن لرئيس الجمهورية الحق في طرح استفتاء على تعديل الدستور، لكن لا يحق له ذلك لأنه أقسم على الكتاب المقدس وأمام الأمة عند تنصيبه أنه لن يعيد النظر في مدة ولايته وعدد مراتها، وأكدت المحكمة أنه لا يمكنه الحنث بهذا القسم

إلا أنه مع التغييرات الجيوسياسية التي ضربت منطقة وسط أفريقيا، لا سيما عقب اندلاع النزاع في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، وجد الرئيس تواديرا نفسه قريباً من محور إقليمي متورط في النزاع في السودان، مما أتاح له دعما استخباراتيا ممكنه من التقليل من فعالية معظم الجماعات المسلحة المعارضة، التي انخرط بعضها بصورة واضحة في القتال بجانب الدعم السريع في السودان. 

يمكن قراءة تفكك تحالف الوطنيين من أجل التغيير ضمن هذا السياق. فقد وقّع أهم فصيلين في التحالف، وهما: جماعة "العودة والمطالبة وإعادة التعمير" بزعامة عبد القادر بوبو، وهي جماعة معارضة تم تأسيسها عام 2015، على يد مقاتلي جماعة السيليكا (من المسلمين) لحماية قبيلة الفولاني (الفلاتة) من هجمات جماعة أنتي بالاكا (من المسيحيين)، وجماعة "الوحدة من أجل السلام" بقيادة الجنرال على داراسا التي أسسها عام 2014، عقب انشقاقه عن جماعة السيليكا، وينتمي مقاتلو هذه الجماعة أيضاً إلى قبيلة الفولاني. 

يقلل هذا الاتفاق من فعالية الجماعات العسكرية الأخرى من تمثيل تهديد جدي على سلطة الرئيس تواديرا، لا سيما مع غياب رئيس تحالف الوطنيين فرانسوا بوزيزيه عن الإشراف المباشر على العمليات العسكرية، بسبب إقامته في المنفى في غينيا الاستوائية بعيداً عن أرض المعركة، حيث تطارده مذكرة توقيف دولية لاتهامه بارتكاب جرائم حرب، وضعف الدعم اللوجستي المقدم من بلدان غربية، بسبب نجاح دبلوماسية أفريقيا الوسطى في تبني خطاب براغماتي، يحفز على إنشاء شراكات بناءة مع جميع الدول قائمة على احترام السيادة الوطنية، دون أن تقف علاقاتها المتينة والمتطورة مع الاتحاد الروسي عائقاً لذلك.  

ماري دوندرا مرشحاً للانتخابات الرئاسية

ربما سيمثل ترشيح السياسي هنري ماري دوندرا في الانتخابات الرئاسية القادمة مصدر إزعاج للرئيس تواديرا، فدوندرا يأتي من داخل مؤسسة الحكم، فقد رافق الرئيس تواديرا خلال فترتيه الرئاسيتين، إذ شغل منصب وزير المالية والميزانية خلال كامل الفترة الرئاسية الأولى لتواديرا، ثم شغل منصب رئيس الوزراء في مطلع ولاية تواديرا الثانية، فهو ملم بخفايا الحكم في أفريقيا الوسطى، وبخبايا التحالفات داخل الطبقة الحاكمة، مما سيمكنه من الولوج إلى ملعب يعرف أرضيته، ويفهم كيف يثير حماسة الجمهور الجالس على منصات المشاهدة. 

رأى بعض المراقبين بأن هذه الاتهامات ما هي إلا مناورة سياسية من الرئيس تواديرا لمنع هنري دوندرا من الترشح في الانتخابات الرئاسية 

ولأن تواديرا يدرك خطورة ترشح دوندرا، خصوصاً بعد استقالة هذا الأخير من حزب "القلوب المتحدة" الحاكم، وتأسيسه لحزب "الوحدة الجمهورية"، فإن المدعي العام بجمهورية أفريقيا الوسطى أصدر في مارس/آذار 2025 مذكرة اعتقال ضد الأخوين كريستيان ويوسيب دوندرا، أخوي هنري ماري دوندرا، لاتهامهما بالتخطيط للقيام بعملية اغتيال للرئيس فوستان أركانج تواديرا تهدف إلى قلب نظام الحكم الدستوري. ورأى بعض المراقبين بأن هذه الاتهامات ما هي إلا مناورة سياسية من الرئيس تواديرا لمنع هنري دوندرا من الترشح في الانتخابات الرئاسية. 

يُذكر أن حزب "الوحدة الجمهورية" أعلن بتاريخ 17 مايو/آيار 2025، عقب تنظيمه لمؤتمر استثنائي في العاصمة بانغي، عن اختياره هنري ماري دوندرا مرشحا للانتخابات الرئاسية، وأشارت المتحدثة باِسم الحزب جيلدا بنام إلى أن اختيار دوندرا تم بإجماع المشاركين في المؤتمر. 

خاطب دوندرا المشاركين في المؤتمر مؤكداً أن جمهورية أفريقيا الوسطى تحتاج إلى دولة قوية بمؤسسات قوية، وإلى إعادة بناء الجيش، وإلى ضمان أن تقف الدولة على قدمين من خلال مؤسساتها المختلفة، ومن خلال رأس المال البشري. وأشار إلى أن الخطوة التالية، عقب اختياره مرشحا للرئاسة، تتمثل في ضمان تنظيم انتخابات حرة وشفافة، وأن ثمة شروط لا بد من طرحها ومناقشتها، خصوصاً فيما يتعلق بشفافية الانتخابات وتنظيمها من الناحية اللوجستية.