الثلاثاء 20 يناير 2026
في مشهد ينذر بمزيد من الاضطرابات والمواجهة، أعلن منتدى الإنقاذ الصومالي المعارض، برئاسة الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، تعثّر مفاوضاته مع الرئيس حسن شيخ محمود، في بيان صدر عقب اجتماعهما الأخير في 13 أغسطس/آب الجاري، والذي مثّل الجولة الخامسة من الحوار بين الطرفين خلال أقل من شهرين. عزا المنتدى فشل المفاوضات إلى رفض الرئيس تقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها التعديلات التي أُدخلت على الدستور الانتقالي الفيدرالي، وآلية تنظيم الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة.
في البداية، لم يُعلن المنتدى انهيار المفاوضات أو إغلاق باب الحوار مع الرئيس، بل أكد استمرار لجنة خاصة تمثّله في مواصلة النقاشات، لكن التطورات اللاحقة بدت وكأنها أغلقت عمليًا أي أفق لعقد جلسات محتملة؛ إذ شدّد الرئيس محمود على تمسّكه بكل وعد قطعه، متّهِما المنتدى بانعدام البرنامج أو الرؤية الموحّدة، فيما صعّد بعض أعضاء المنتدى خطابهم بتوجيه اتهامات وانتقادات حادّة ضدّه، لترتسم ملامح مشهد يوحي بأن مسار التفاوض بدأ ينتقل من دائرة الحوار إلى أفق المواجهة.
لم يتشبث الرئيس حسن شيخ محمود بموقف جامد؛ إذ أظهر في البداية قدرا من المرونة، محاولا عبر المراوغة إطالة أمد المفاوضات، وإبراز نفسه بمظهر الجاد الساعي إلى تسوية الخلافات، وهو ما دفعه إلى تكرار طلبات التأجيل حتى الجولة الأخيرة، التي شكل الطرفان قبيل انعقادها لجنة فنية تتولى مناقشة البنود الأكثر جدلاً، في محاولة لبلورة أرضية مشتركة قبل انعقاد الجلسة العامة.
لكن اللجنة، التي عقدت اجتماعين على الأقل قبل الجلسة الرسمية، أخفقت في التوصل إلى تفاهمات حول النقاط الخلافية، لتنعقد إثر ذلك الجلسة العامة التي استمرت معظم ساعات النهار من 13 أغسطس/آب الجاري، قبل أن تُختتم دون أن يعلن الطرفان أي نتائج لوسائل الإعلام.
يُعدّ المنتدى الصوت المعارض الأبرز في مقديشو، إلا أنه يفتقر إلى أدوات ضغط فعّالة، ويعاني من هشاشة داخلية وتباينات في الرؤى والمصالح بين أعضائه، ما يضعف قدرته على مواجهة سياسات الرئيس محمود، وفرض رؤيته على الواقع
وفي اليوم التالي، أصدر المنتدى بيانا رسميا أعلن فيه تعثر المفاوضات، رغم تأكيد بعض أعضائه في تصريحات إعلامية بأن الرئيس قدّم بعض التنازلات، من بينها التراجع عن تعديل النظام السياسي للبلاد، والإبقاء على نظام المحاصصة 4.5 القائم على تقاسم السلطة، والموافقة على انتخاب رئيس الجمهورية عبر البرلمان، كما جرى في الاستحقاقات السابقة، إضافة إلى عدم المساس بصلاحيات رئيس الوزراء. لكن في مقابل ذلك، تمسّك الرئيس حسن شيخ محمود بانتخابات أعضاء البرلمان عبر الاقتراع المباشر، بمنافسة ثلاثة أحزاب فقط، وتحت إشراف لجنة الانتخابات الحالية التي لا تحظى باعتراف المنتدى، ولا ولايتَي بونتلاند وجوبالاند.
لم ترقَ هذه التنازلات إلى مستوى مطالب المنتدى، الذي اعتبرها محاولة مكشوفة لتمهيد الطريق أمام ولاية رئاسية جديدة له، عبر ترتيب يتيح عقد انتخابات النواب المنتمين إلى صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند في مقديشو، بذريعة تعذّر تنظيمها في مناطقهم، وهو ما يمنح مرشحي حزبه أفضلية تضمن له غالبية برلمانية تصوّت لصالحه في الاستحقاق الرئاسي المقبل. وأمام ذلك، قلّل المنتدى من شأن هذه التنازلات، متمسّكًا بمطلبه الرئيس المتمثل في الإلغاء الكامل للتعديلات الدستورية، وما ترتّب عليها، وفي مقدّمتها تشكيل اللجنة الانتخابية.
مع ذلك ترددت أنباء عن وجود خلافات داخل المنتدى نفسه، وانحياز بعض الأعضاء إلى قبول تنازلات الرئيس، وسط حديث عن اختراق الرئاسة في المنتدى وصناعة أصوات تدافع عن مصالحها داخله، لكن وزير الخارجية السابق وعضو المنتدى، أحمد عيسى عود، نفى ذلك، مؤكّدا أن ما يُتداول لا يعدو كونه تباينات طبيعية بين الأعضاء، حول خيار الاستمرار في المفاوضات أو الانسحاب منها وإعلان انهيارها بشكل كامل.
ورغم أن المنتدى يُعدّ الصوت المعارض الأبرز في مقديشو، إلا أنه يفتقر إلى أدوات ضغط فعّالة، ويعاني من هشاشة داخلية وتباينات في الرؤى والمصالح بين أعضائه، ما يضعف قدرته على مواجهة سياسات الرئيس محمود، وفرض رؤيته على الواقع، وهو ما انعكس في مسار المفاوضات والبيان الأخير الصادر عنه، الذي اتسم بلغة متحفظة وخالية من أي انتقادات صريحة للرئيس، على الرغم من أن بعض أعضائه وجهوا استنكارات حادّة له عبر تصريحاتهم الخاصة ومنابرهم المنفردة.
لا تقتصر الأزمة السياسية في الصومال على الخلافات القائمة بين الحكومة الفيدرالية ومنتدى الإنقاذ المعارض، والتي قد تنتهي بتفاهمات حول القضايا العالقة، بل تمتد إلى طرف أشدّ ثِقلا في معادلة القوة، يتمثل في ولايتَي بونتلاند وجوبالاند واللتان ينزع غيابهما عنصر الشرعية عن أي صيغة توافقية قد يتوصل إليها الطرفان، ويقوّض فرص تطبيقها عمليا مما يفقد القيمة لها، لا سيما إذا كانت مرتبطة بالآلية الانتخابية الفيدرالية أو بإعادة هندسة النظام السياسي القائم في البلاد.
تملك ولايتا بونتلاند وجوبالاند سلطة فعلية على الأرض، تجعل منهما طرفا حاسما في صناعة القرارات المصيرية للبلاد، بخلاف المنتدى الذي يقتصر حضوره على لعب دور المعارض والمراقب الناقد لسياسات الحكومة
تملك ولايتا بونتلاند وجوبالاند سلطة فعلية على الأرض، تجعل منهما طرفا حاسما في صناعة القرارات المصيرية للبلاد، بخلاف المنتدى الذي يقتصر حضوره على لعب دور المعارض والمراقب الناقد لسياسات الحكومة؛ إذ شهدت علاقتهما بالحكومة الفيدرالية خلال السنوات الماضية تدهورا كبيرا بلغ حدّ اللاعودة، مما جعل فرص المصالحة بينهما شبه مستحيلة، وفتح الباب أمام قطيعة سياسية مرشّحة لمزيد من التصعيد.
في جوبالاند، لم تكتفِ الحكومة الفيدرالية برفض الاعتراف بشرعية رئاسة أحمد مدوبي، بل دفعت الصراع إلى أقصى مداه بخوض مواجهات مسلّحة معها، والتي ما تزال نيرانها مشتعلة في مناطق من الولاية، فيما تعمل حاليا على تحضيرات لعقد مؤتمر في مدينة جربهاري بهدف تشكيل إدارة موازية تنازع إدارة كسمايو سلطتها، في خطوة تعكس تجاوزا لكل الخطوط التي كان يمكن أن تتيح للطرفين فرصة فتح باب للتسوية.
لا يختلف المشهد في بونتلاند كثيرا عنه في جوبالاند، غير أنّ خلافها مع مقديشو أكثر عمقا وتجذّرا، إذ تعود إلى أيام انتخاب الرئيس حسن شيخ محمود، حين طلب حاكم بونتلاند، سعيد عبد الله دني، تعيينه رئيسا للوزراء مكافأة على دعمه لمحمود في الجولة الثانية من السباق الرئاسي. لكن حسابات الرئيس مضت في اتجاه آخر، فاختار رفيق دربه حمزة عبد بري للمنصب، لتتشكّل منذ ذلك الحين قطيعة جمعت بين أبعاد شخصية ومؤسسية، والتي باتت عقدة سياسية عصيّة على الحل. وبجانب هذا الصراع المتشابك، تقف بونتلاند في خندق واحد مع جوبالاند والمنتدى في رفض سياسات الرئيس محمود المتعلقة بالانتخابات والتعديلات الدستورية، ويجمعها مع جوبالاند تحالف معلن يقوم على التنسيق وتوحيد المواقف للدفاع عن مصالحهما المشتركة في مواجهة سياسات مقديشو.
أمام هذا المشهد، سعى الرئيس حسن شيخ محمود، إلى استثمار ورقة المفاوضات مع المنتدى، الممثل الفعلي للمعارضة في مقديشو، لتهميش ولايتي بونتلاند وجوبالاند عن أي دور مؤثر في السياسات الانتخابية، إذ هدف من خلالها من جهة إلى قطع الطريق أمام أي تنسيق محتمل بينهما وبين المعارضة في العاصمة، ومن جهة أخرى إلى تحقيق المصالحة مع المنتدى، بما يتيح له شرعنة خطته، وجعلها قاعدة لتمهيد الطريق أمام مساعيه للعودة إلى ولاية رئاسية جديدة.
لم يعد الرئيس محمود يملك أوراقا فعّالة تمكنه من فرض رؤيته الانتخابية دون المساس بالوحدة السياسية والإدارية للبلاد، فإقناع خصومه يشكل حجر عثرة، ما يجعل خياراته تضيق يوما بعد يوم، وتتأرجح بين مسارين
مهما يكن الأمر، تجدر الإشارة إلى أنّ أي تفاهم محتمل بين الرئيس والمنتدى لن يُحدث فارقا ملموسا على الأرض، ولن يضع حدا للأزمة الراهنة في البلاد، التي كانت سياسية في جوهرها سابقا حين تركزت على الأداء، لكنها تحوّلت الآن إلى صراعٍ حول انتقال السلطة وآليات إجراء الانتخابات، ما لم يكن الولايتان طرفا فيه.
تراهن المعارضة، بمختلف أطيافها بما في ذلك بونتلاند وجوبالاند، على ورقة انتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود التي لم يتبقَّ منها سوى أقل من تسعة أشهر، معتبرة أن ذلك سيُفقده القدرة على التمسك بمواقفه الحالية. لكن الرئيس ليس غافلا عن هذه التداعيات التي تهدد مشروعه، وتضعف إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، وهو يسعى جاهدا لإيجاد السبل الكفيلة بتفاديها، بغض النظر عمّا إذا كان سينجح في ذلك أم لا.
لكن هذا المسعى، لم يعد الرئيس محمود يملك أوراقا فعّالة تمكنه من فرض رؤيته الانتخابية دون المساس بالوحدة السياسية والإدارية للبلاد، إذ إن إقناع خصومه يشكل حجر عثرة، ما يجعل خياراته تضيق يوما بعد يوم وتتأرجح بين مسارين.
يتمثل الأول في تراجع الرئيس عن مشروعه الحالي والموافقة على مطالب المعارضة، بدءا من إلغاء التعديلات الدستورية وما ترتب عليها، مرورا بطرح آلية الانتخابات على طاولة النقاش مع خصومه، وصولا إلى ضمان استقلالية اللجنة التي ستشرف على العملية الانتخابية، إذ من شأنه إنقاذ البلاد من انهيار التوافقات التي تشكّل عماد النظام السياسي القائم، وضمان انتقال السلطة بشكل سلمي وفي موعده المحدد.
أما الثاني، فيتمثل في إصرار الرئيس على المضي قدمًا بمشروعه، وفرض انتخابات أحادية الجانب تضمن له العودة إلى ولاية جديدة، من دون اكتراث للتبعات الكارثية المحتملة، التي قد تدفع البلاد إلى أتون الفوضى، وتهدد بترسيخ الانقسام السياسي وتفكيك التماسك الداخلي، ما يفتح الباب أمام صراع مفتوح لا يُعرف أين سينتهي.
وبين هذين المسارين، يقف الرئيس عند مفترق طرق حاسم؛ فخيار التنازل والسعي إلى تسوية توافقية، مهما كان ثمنه، يبدو المخرج الوحيد الذي يحمي البلاد من الانزلاق نحو الفوضى، بينما خيار الإصرار على انتخابات أحادية سيكلف البلاد سياسيا وأمنيا بتهديد وحدتها واستقرارها.