تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

تصوير ما سيبقى حيًّا: سينما التوثيق في حرب السودان

23 نوفمبر, 2025
الصورة
تصوير ما سيبقى حيًّا: سينما التوثيق في حرب السودان
Share

حين شرع مخرجو الفيلم الوثائقي "الخرطوم" في صياغة حكايته، لم يكن في حسبانهم أنهم على وشك أن يجدوا أنفسهم في قلب واحدة من أكثر الحروب فتكاً في زمننا. ففي أبريل/نيسان 2023 اندلع القتال بين ميليشيا "قوات الدعم السريع" (RSF) والقوات المسلحة السودانية، في صراع غيّر وجه الحياة في البلاد إلى الأبد.

منذ اندلاع المعارك، نزح داخلياً زهاء ثمانية ملايين شخص، فيما اضطر أربعة ملايين آخرين إلى الفرار خارج الحدود. قُتل عشرات الآلاف، ودفعت المجاعة وأزمة الأمن الغذائي، الناجمتان عن الحرب، بنحو نصف سكان السودان – أي قرابة 25 مليون إنسان – إلى حافة الجوع الحاد. منذ الساعات الأولى، تحولت الخرطوم، ومعها أم درمان والمدن المحيطة، إلى ساحات قتال عنيفة. وبعد أكثر من عامين لم تخمد حدّة الحرب؛ بل اتسعت رقعتها. ففي أكتوبر/تشرين الأول سقطت مدينة الفاشر، المدينة المحورية في إقليم دارفور، في يد قوات الدعم السريع، ما منحها السيطرة على المنطقة.

ورغم أن الصراع يبدو في ظاهره حرباً أهلية، فإن رهاناته وتشابكاته دولية؛ فدعم دولة الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع متواصل، فيما رُصِدت أسلحة مصدرها الصين وروسيا وصربيا وتركيا وغيرها تغذّي آلة الحرب.

أمام هذا المشهد المعقّد، قرر المخرجون إبراهيم سنوبي وأنس سعيد وراوية الحاج وتيميا أحمد أن يلتقطوا تفاصيل الحياة اليومية في الخرطوم بوصفها مرآةً للبلد كله. اختاروا خمسة مدنيين: خَدمَلّة، بائعة الشاي؛ لُقَين وويلسون، وهما صبيان صغيران يجمعان قوارير البلاستيك مقابل المال؛ مجدي، الموظف الحكومي؛ وجواد، منظّم في حركة المقاومة من خلفية صوفية راستافارية. أرادوا، من خلال هؤلاء، الكشف عن البنية الداخلية للمدينة.

جاء كل واحد من خلفية اجتماعية وطبقية وإثنية مختلفة، ليجسّدوا معاً خليط الطبقات والأعراق الذي يتشكّل منه نسيج الخرطوم. صُوِّر جزء من الفيلم قبل الدمار الذي جلبته حرب 2023، فتحوّل، من غير تخطيط مسبق، إلى كبسولة زمنية توثّق ما كان قبل الانهيار.

ومع احتدام القتال واستحالة الاستمرار في التصوير، اتخذ المخرجون وشخصيات الفيلم قرار الرحيل، فلجأوا تباعاً إلى نيروبي. في بعض اللحظات، يتراجع الفيلم خطوة إلى الوراء ليوجه الكاميرا إلى نفسه: نرى المخرجين وشخصياتهم يوقفون التصوير ليواسوا بعضهم بعضاً في مواقع العمل، بينما تعود شوارع الخرطوم في الخلفية إلى كونها مجرد صورة على شاشة خضراء، كأنها ذكرى تُستعاد.

رغم ذلك، وبرغم مواجهة فريق العمل بعضاً من أقسى الظروف التي يمكن أن يمرّ بها أي إنتاج سينمائي، تمكن المخرجون الأربعة، ومعهم المخرج الإبداعي فيل كوكس وفريق الإنتاج، من إتمام "الخرطوم". صدر الفيلم هذا العام، وبدأ رحلته عبر عروض ومهرجانات حول العالم. في هذا الحوار، يتحدث سنوبي وكوكس عن تجربة صناعة فيلم في زمن الحرب، وعن علاقة المخرجين بشخصياتهم، وآمالهم المعلّقة على هذا العمل.

فيفن ميريد: لنبدأ من البداية. كيف وُلد هذا الفيلم أصلاً؟

إبراهيم سنوبي: بدأ المشروع كشراكة إنتاجية بين شركة «نيتف فويس فيلمز» البريطانية، وشركة «سودان فيلم فاكتوري» العاملة في السودان، إضافة إلى شبكة «عين» الإخبارية السودانية. كانت الفكرة الأولى بسيطة نسبياً، لكنها حملت في داخلها بذرة ما أصبح لاحقاً فيلم «الخرطوم».

فيل كوكس: كنتُ في الخرطوم عام 2021 أعمل على فيلم آخر بعنوان «رجل العنكبوت في السودان». حصلنا آنذاك على تمويل أولي صغير، فكتبتُ تصوراً لورشة عمل هدفها صنع «قصيدة» عن المدينة، قصيدة سينمائية عن الخرطوم. أطلقنا نداء مفتوحاً، واختَرنا مجموعة من السينمائيين الشباب، وبدأت الورشة؛ كان التصوير أشبه بقصيدة بصرية غير سردية عن المدينة في لحظة مفصلية.

في تلك الفترة كان المجتمع المدني لا يزال في الشارع، وكان الانقلاب العسكري يتبلور في الخلفية. طرحنا على أنفسنا سؤالاً: ماذا يمكن أن نفعل لنضيف عمقاً آخر إلى هذه اللحظة التاريخية؟ من هذا السؤال خرج المشروع الذي تطور لاحقاً إلى «الخرطوم».

برز مساران أساسيان. الأول؛ أن الجميع بات يرى الصورة الكبرى: الحياة والموت والفقدان. لم يعد أحد يملك رفاهية النزاع حول تفاصيل صغيرة تخص الفيلم. والثاني؛ أن العمل على الفيلم تحوّل إلى عملية تطهير نفسي، إلى سبب للنهوض كل صباح، ووسيلة لتوجيه الطاقة نحو فعل إيجابي، لا أن نكون مجرد لاجئين ننتظر المجهول

فيفن ميريد: الفيلم يبدأ بلقطات صُوِّرت قبل اندلاع الحرب عام 2023. كيف أثّر اندلاع القتال على عملية الإنتاج؟

إبراهيم سنوبي: بدأنا التصوير في الربع الأخير من عام 2022، واستمر حتى بدايات 2023. اتفقنا جميعاً على تكثيف العمل في أواخر أبريل/نيسان، لأن الفترة التي تسبق ذلك كانت شهر رمضان، والصيام تحت الشمس الحارقة يجعل التصوير مرهقاً للغاية. كان مخططنا أن تكون ذروة التصوير في نهاية أبريل/نيسان.

لكن الحرب اندلعت في 15 أبريل/ نيسان. فجأة انهار كل شيء، وتبددت الخطة بالكامل. بعد بضعة أشهر اضطررنا إلى إعادة تجميع أنفسنا في نيروبي.

بدأنا نسأل: هل نيروبي هي المكان الأنسب للانطلاق مجدداً؟ بدا أنها خيار مثالي نسبياً: مناخها معتدل، وظروفها الأمنية أفضل بكثير. في الوقت ذاته كانت هناك محاولات معقدة لإخراج الناس من السودان؛ المخرجون استطاعوا الخروج أولاً، ثم بدأنا نفكر في الخطوة التالية.

عقدنا عدة ورش في نيروبي لمناقشة السؤال الجوهري: هل نستمر في الفيلم أم نتوقف؟ وكيف يمكن أن نكمله في ظل هذه الظروف؟ توافَقنا في النهاية على أن إنجاز الفيلم أصبح ضرورة، لا مجرد خيار؛ فقد اكتسب، بعد الحرب، معنى إضافياً؛ أن يسلّط الضوء على ما يحدث في السودان، خاصة في ظل ضعف التغطية الإعلامية الدولية للمشهد الذي عشناه ورصدناه.

بعد ذلك بدأنا نستقدم المشاركين واحداً تلو الآخر. البعض كان الأمر أيسر معه، لامتلاكه جواز سفر صالحاً، فاستطاع الوصول إلى نيروبي سريعاً. البعض الآخر استغرق أسابيع أو شهوراً لإنهاء الأوراق وسط الفوضى التي فرضتها الحرب والنزوح.

فيل كوكس: حصلنا على تمويل من «صندوق السينما العالمية» وجهات أخرى، لكن الجزء الأكبر من هذا المال استُخدم عملياً في إنقاذ الناس لا في الإنتاج. استغرق الأمر نحو ستة أشهر لإخراج المخرجين والمشاركين، ثم نقل كل الوثائق والمواد المصوّرة إلى كينيا.

وفّرنا بعد ذلك دعماً نفسياً للجميع لفترة قصيرة، في شكل جلسات جماعية لمواجهة الصدمة، ومناقشة ما مرّوا به، ثم نفد المال. عشرات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية صُرفت على عمليات الإجلاء: لديك نحو خمسة عشر شخصاً موزعين على مناطق مختلفة داخل السودان، وكل واحد منهم يحتاج إلى وثائق، ومسارات سفر سرّية أحياناً، وتذاكر طيران وحافلات وطعام، وأشخاص يتولّون تنسيق الحركة واللوجستيات.

أمّنا للجميع أسابيع قليلة من الرعاية النفسية، وجلسنا معاً نطرح سؤالين بسيطين وعميقين في آن واحد: كيف أنتم حقاً؟ وهل تريدون الاستمرار في هذا الفيلم؟

من تلك اللحظة برز مساران أساسيان. الأول؛ أن الجميع بات يرى الصورة الكبرى: الحياة والموت والفقدان. لم يعد أحد يملك رفاهية النزاع حول تفاصيل صغيرة تخص الفيلم. والثاني؛ أن العمل على الفيلم تحوّل إلى عملية تطهير نفسي، إلى سبب للنهوض كل صباح، ووسيلة لتوجيه الطاقة نحو فعل إيجابي، لا أن نكون مجرد لاجئين ننتظر المجهول. من هنا بدأ التحدي الإبداعي: كيف نكمل الفيلم بطريقة خلاقة، وميزانيتنا شبه منعدمة؟

فيفن ميريد: كيف وجدتم عملياً الطريقة للاستمرار في الإخراج والتصوير؟

إبراهيم سنوبي: كان في حوزتنا ما صوّرناه في السودان، لكن لم نكن نعرف ما الخطوة التالية. جزء أساسي من الحكاية هو خروج المشاركين أنفسهم من السودان، لكننا لم نستطع تصوير رحلة خروجهم؛ كان ذلك خطراً للغاية، كما أن العودة إلى الخرطوم لتصوير شيء جديد لم تكن مطروحة. مجرد إخراجهم من البلد كان تحدياً هائلاً.

لذلك بدأنا نجرّب كثيراً باستخدام تقنية الشاشة الخضراء والمقابلات، وأشكال مختلفة من السرد البصري، مع الحرص على توفير أكبر عدد من الخيارات كي نجد لاحقاً، في مرحلة المونتاج، أفضل طريقة لحكي القصة. جرّبنا الرسوم المتحركة والمقابلات المباشرة ومشاهد إعادة تمثيل الأحداث، واستفدنا من أفلام شاهدناها في ظروف مشابهة.

من بينها فيلم بعنوان "Neighbor Abdi"، استخدم إعادة التمثيل أمام شاشة خضراء لتجسيد وقائع الحرب في الصومال. بدا لنا هذا الأسلوب مناسباً جداً في سياقات لا يمكن فيها العودة إلى أماكن التصوير، أو في مناطق تحوّلت إلى ساحات حرب مفتوحة.

فيل كوكس: الإبداع في هذا المشروع جاء من الفراغ. فجأة لم يعد لدينا ما يكفي من الصور الجديدة. صار السؤال: أين تكمن القصة الآن؟ واكتشفنا أن الإجابة واضحة: في داخل شخصياتنا أنفسهم.

لذلك لجأنا إلى إعادة بناء المشاهد عبر الذاكرة. طلبنا من كل واحد منهم أن يستحضر في ذهنه مكاناً محدداً في الخرطوم: شارعاً، مقهى، سوقاً… بكل ما يحمله من تفاصيل حسّية. الفكرة الجوهرية هي أننا جميعاً نحمل الأمكنة داخلنا كذاكرة مجسّدة؛ نحمل الشارع والبيت ومقهى الحيّ، حتى لو صار الوصول إليها مستحيلاً في الواقع. ومع الشاشة الخضراء، أمكن تحويل هذه الذاكرة إلى مشاهد سينمائية.

فيفن ميريد: كيف عثرتم على هؤلاء الأشخاص من الأساس؟ وكيف أقنعتموهم بأن يفتحوا حياتهم أمام الكاميرا، بل وأن يعيدوا تمثيل ما مرّوا به؟

إبراهيم سنوبي: في السودان لا تزال ثقافة الكاميرا ضعيفة. الكثيرون يرون الكاميرا أداة يمكن أن تفضحهم أو تعرّضهم للخطر. احتجنا وقتاً طويلاً حتى نبني جسور الثقة.

من الأمور التي ساعدت أننا، نحن المخرجين، بدأنا بإعادة تمثيل أجزاء من تجاربنا الشخصية أمام الكاميرا. تعرّينا عاطفياً أمام المشاركين، وهذا القدر من الهشاشة من جانبنا كسر مسافة السلطة بين المخرج والشخصية. لم نعد أولئك الذين يملكون القرار من خلف الكاميرا، كما كان يمكن أن يحدث في الخرطوم.

في نيروبي أصبحنا جميعاً نقيم في المبنى نفسه. لم نعد مخرجين في مواجهة شخصيات؛ صرنا مجموعة من البشر يشتركون في المكان ذاته: نتقاسم الألم والحزن، ونقتسم أيضاً لحظات الفرح الصغيرة، من مائدة الإفطار حتى لحظة إطفاء الأنوار في نهاية اليوم. حين تفتح قلبك لشخص ينام في الغرفة المقابلة لغرفتك، ويشاركك طعامك وقلقك وكوابيسك، لا يعود وجود الكاميرا حاجزاً مخيفاً.

توافَقنا في النهاية على أن إنجاز الفيلم أصبح ضرورة، لا مجرد خيار؛ فقد اكتسب، بعد الحرب، معنى إضافياً؛ أن يسلّط الضوء على ما يحدث في السودان، خاصة في ظل ضعف التغطية الإعلامية الدولية للمشهد الذي عشناه ورصدناه

كثير من الحوارات التي تظهر في الفيلم بدأت أساساً كأحاديث يومية عفوية خارج التصوير. ما فعلناه لاحقاً هو أن منحنا تلك الأحاديث إطاراً تصويرياً؛ شغّلنا الكاميرا بينما تستمر الحكايات نفسها. عندما شعر المشاركون بأن أصواتهم مسموعة، وأن ما يقولونه جزء أساسي من العمل، ازداد حماسهم للتعبير عن تجاربهم، أحلامهم وطموحاتهم، بحثهم عن يوم أفضل، وعن مستقبل بعيد عن الحرب.

فيل كوكس: طوال فترة العمل تقريباً لم نكن متأكدين مما إذا كان المخرجون أنفسهم سيظهرون في الفيلم أم لا. لذلك تجد أن العمل يتخذ طبقات متراكبة من ما بعد الكاميرا: تصوير عملية التصوير، وتصوير المخرجين أثناء عملهم، ثم تصوير ما يجري خلف الكواليس. يصبح الفيلم، في جانب منه، فيلماً عن نفسه أيضاً.

فيفن ميريد: أحد العناصر الأكثر حضوراً في الفيلم هو الروابط الإنسانية التي تشكّلت بينكم جميعاً. كيف تنظرون إلى ذلك اليوم؟

إبراهيم سنوبي: القصة، في جوهرها، عن خمسة أفراد يعيشون في مدينة واحدة هي الخرطوم، لكن ما يميزهم هو الطبقات المتعددة التي يمثّلونها: طفلان يجمعان البلاستيك، بائعة شاي، موظف حكومي، ناشط في المقاومة… خلف كل شخصية عالم اجتماعي وطبقي مختلف.

أردنا من خلالهم تقديم صورة بانورامية للمدينة؛ فالخرطوم، مثل السودان كله، مدينة تتقاطع فيها قبائل ومكوّنات عديدة، وتبدو – إلى حدّ ما – وكأنها تعيش في انسجام. لكن تحت هذا السطح هناك غضب وتهميش واحتقان يتراكم منذ سنوات. الحرب التي انفجرت لم تأتِ من فراغ؛ كانت شيئاً يُصنَع على مهل.

لذلك حاولنا أن نسلّط الضوء على أفراد من أعراق وطبقات اجتماعية مختلفة، لأن هذا التوتر الكامن هو ما يساعد على فهم ما حدث لاحقاً.

فيل كوكس: أستطيع القول إن هذا الفيلم ما كان ليُصنَع بالطريقة نفسها لولا ظروف الحرب. المشاركون ما كانوا، في الظروف العادية، ليجلسوا معاً أصلاً؛ فهم ينتمون إلى طبقات وأوساط اجتماعية متباعدة.

مجدي، الموظف الحكومي، لم يكن ليتعامل في حياته اليومية مع ويلسون ولُقَين، الصبيين اللذين يجمعان البلاستيك، وهما بدورهما لم يكونا ليدخلا العالم الاجتماعي نفسه الذي يتحرك فيه مجدي. وفجأة، تجدهم جميعاً يتقاسمون الفراش نفسه خلف الكاميرا.

الأمر نفسه ينطبق على المخرجين؛ هم أيضاً يأتون من خلفيات وجندر وهويات إثنية مختلفة. قبل الحرب كانوا مجموعة من صانعي الأفلام الشباب التقت في ورشة عمل. بعد الحرب، أصبحوا يعيشون تحت سقف واحد. هذا القرب الجسدي والعاطفي هو ما رسّخ الروابط بينهم. يمكن القول إن الإبداع الذي نراه في الفيلم وُلد من رحم الضرورة، وأن الوحدة التي تشكلت بينهم وُلدت من التجربة المشتركة للحرب والاقتلاع.

فيفن ميريد: الآن بعد أن خرج الفيلم إلى العالم، كيف تنظران إليه؟ وما الذي يليه بالنسبة لكما؟

إبراهيم سنوبي: مشروعي التالي أيضاً يدور، بشكل أو بآخر، حول الحرب. لكنه، مثل «الخرطوم»، ليس فيلم حرب مباشراً؛ الحرب حاضرة فيه كخلفية لا يمكن الفكاك منها، كظل يمر في كل شيء.

كل القصص التي أعمل عليها اليوم، رغبتُ أو لم أرغب، تدور حول السودان. أحياناً أفكر في أن عليّ أن أبتعد قليلاً، أن أصنع أفلاماً لا ترتبط مباشرة بما يحدث الآن، لكنني أشعر أيضاً بأن لدينا مسؤولية أخلاقية وتاريخية. علينا أن نوثّق هذه المرحلة، لأن أهم ما يمكن أن نقدّمه لأنفسنا وللأجيال القادمة هو الذاكرة. ماذا حدث في حرب 2023؟ ما الذي قاد إليها؟ كيف كان الناس يعيشون قبلها وأثناءها؟

وسائلنا للتعلّم من التاريخ محدودة. نقرأ الكتب، نشاهد الأفلام، نستمع إلى الشهادات. وأشعر أن عقوداً طويلة مضت في السودان دون توثيق كافٍ لما جرى. لهذا نجد أنفسنا نكرر الأخطاء نفسها مرة بعد مرة. ربما تساهم هذه النوعية من الأفلام في كسر هذه الحلقة.

فيل كوكس: ربما يكمن الفارق بيني وبين المخرجين الشباب في أنني أعرف، من الخبرة، أن الأفلام يمكن أن تفشل وأن تُنسى. هم كانوا يؤمنون بالفيلم إيماناً كبيراً، وكان ما نقوم به من الناحية الإبداعية مغامرة حقيقية؛ كان يمكن أن يتحول إلى فتح سينمائي، وكان يمكن في الوقت نفسه أن ينتهي إلى كارثة.

نقطة الارتكاز بالنسبة لي كانت دائماً أن الفيلم، حتى لو فشل بمعايير النجاح التقليدية، سيبقى وثيقة كافية لمدينة وزمن سبق الحرب. كل اللقطات التي صوّرناها في الورش توثّق لخرطوم لم تعد موجودة كما كانت.

حتى لو لم يشاهد أحد الفيلم، سيظل العمل نفسه – بما يضمّه من صور وشهادات ومشاهد يومية صغيرة – وثيقة ذات قيمة حقيقية؛ قيمة لخرطومٍ كانت، لمدينة وزمن طمرتهما الحرب، لكنهما يعيشان اليوم، ولو جزئياً، على شاشة السينما.