السبت 11 أبريل 2026
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية الإثنين، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أدرجت جماعة الإخوان المسلمين بالسودان على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص، وأنها تعتزم تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية اعتبارا من 16 مارس/آذار الجاري.
اتُخذت هذه الإجراءات بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، والأمر التنفيذي رقم 13224، عقب اتهامات أمريكية للجماعة بتلقي عناصرها تدريبات عسكرية بواسطة الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب مساهمتها في عرقلة جهود حل الأزمة السودانية.
تأتي هذه الخطوة عقب شهرين من تصنيف إدارة ترامب الفروع اللبنانية والأردنية والمصرية لجماعة الإخوان المسلمين على أنها منظمات إرهابية، وذلك كخطوة أولى لدعم التزام الرئيس ترامب بالقضاء على قدرات وعمليات فروع جماعة الإخوان المسلمين التي تُشكل تهديداً للولايات المتحدة.
يأتي القرار كذلك في خضم الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفيتها إسرائيل منذ 28 فبراير/ شباط، ضد إيران التي تربطها علاقة إستراتيجية بجماعة الإخوان المسلمين في السودان، في وقت أعلن بعض قادتها وقوفهم الصريح مع طهران في هذه الحرب.
وفي ظل استمرار الحرب في السودان منذ أبريل/ نيسان 2023، وما نتج عنها من أزمة إنسانية وأمنية واسعة، تراقب الولايات المتحدة تطورات الصراع باعتباره عاملاً مؤثراً في استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية للملاحة الدولية والأمن الإقليمي.
أكدت الخارجية الأمريكية وفقا لوزيرها مارك روبيو، في قراراها أن جماعة الإخوان المسلمين السودانية تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان ونشر أيديولوجيتها الإسلاموية العنيفة. وذكرت أن مقاتليها، الذين يتلقى العديد منهم التدريب والدعم من الحرس الثوري الإيراني، قد نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق المدنيين.
وسبق أن تم تصنيف كتيبة البراء بن مالك التابعة لجماعة الإخوان المسلمين السودانية بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر/أيلول 2025 لدوره في الحرب الدائرة في السودان تنظيما إرهابيا. فيما أكد المبعوث الأمريكي السابق لمنطقة الساحل بيتر فام، عزم الولايات المتحدة إدراج المجموعة، المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، على أنها "منظمة إرهابية أجنبية".
أشار القرار الأمريكي كذلك إلى قيام النظام الإيراني بتمويل وتوجيه أنشطة خبيثة على مستوى العالم من خلال الحرس الثوري الإيراني، وأن الولايات المتحدة ستستخدم جميع الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد اللازمة لممارسة الإرهاب أو دعمه.
تقديم أي دعم مادي أو مالي أو لوجستي للجماعة جريمة جنائية في الولايات المتحدة، ويتضمن ذلك التبرعات المالية وتقديم خدمات أو تدريب أو توفير معدات أو تسهيلات
وفي تعليقه على القرار قال كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إنه بإدراج جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية أجنبية وإرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، تواصل الولايات المتحدة استخدام جميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب، ومواجهة النفوذ الإيراني "الخبيث"، ومحاسبة مرتكبي الجرائم ضد المدنيين في السودان.
كما لفت بولس النظر لما وصفها بمعاناة الشعب السوداني من الصراع الدائر، بما في ذلك الفظائع التي يرتكبها طرفي النزاع، وأكد أنه حان الوقت للقبول بهدنة إنسانية لإنقاذ حياة المدنيين وإفساح المجال للحوار.
بدوره اعتبر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور جيم ريش، القرار خطوة حاسمة للحد من نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، لا سيما مع سعي المتشددين الإسلاميين إلى استعادة نفوذهم. ودعا للنظر بجدية في تصنيف قوات الدعم السريع التي اتهمها بالمتورطة في الإبادة الجماعية، وتنفيذ حملات إرهابية في السودان لوضعها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
ترتبط جماعة الإخوان المسلمين في السودان بتاريخ طويل من النشاط السياسي منذ منتصف القرن العشرين، وبرز نفوذها بشكل كبير خلال فترة حكم الرئيس عمر البشير، التي بدأت بعد انقلاب عام 1989 بدعم من الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. خلال تلك المرحلة تمكنت الجماعة من التغلغل في مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية، وهو ما جعلها لاحقاً محور جدل واسع حول تأثيرها في بنية السلطة السودانية.
أدرجت الولايات المتحدة السودان عام 1993 على قائمة الدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي دفع الحكومة التي يقودها البشير إلى بناء تحالف واسع ضم العديد من المجموعات الإسلامية المتشدّدة التي تكن عداءاً صريحاً للولايات المتحدة.
عقب تلك السنوات، بلغ التقارب بين الخرطوم وطهران أقصى درجاته على المستويين السياسي والعسكري، والذي توّج عبر بناء الحرس الثوري الإيراني لمجمع "اليرموك" للتصنيع الحربي الذي قصفته إسرائيل عام 2012 بذريعة إمداد حركة "حماس" بالأسلحة والعتاد.
النظر بجدية في تصنيف قوات الدعم السريع التي اتهمها بالمتورطة في الإبادة الجماعية، وتنفيذ حملات إرهابية في السودان لوضعها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية
لكن بعد انضمام الخرطوم لتحالف "عاصفة الحزم" الذي قادته الرياض لدعم "الحكومة الشرعية" في اليمن عام 2015، توترت العلاقة بين الخرطوم وطهران حتى وصلت حد إعلان القطيعة الدبلوماسية من جانب الأولى في 2016، مبرّرة ذلك برفضها اقتحام محتجين للسفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مشهد.
عقب اندلاع الحرب الحالية في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منتصف أبريل/ نيسان 2023، استأنفت الخرطوم تمثيلها الدبلوماسي مع طهران في أكتوبر/ تشرين الأول من ذات العام، وذلك بعد أن أعادت الرياض علاقاتها مع طهران بواساطة صينية منهية بذلك 7 سنوات من القطيعة.
عاد التعاون العسكري بين السودان وإيران، بحسب تقارير، بعد أشهر من استئناف العلاقات بينهما بصورة رسمية، متمثلاً في تلقى السودان شحنات من طائرة مهاجر 6 المسيرة، تم تصنيعها في إيران، بواسطة شركة القدس للصناعات الجوية، وحقّق الجيش السوداني من خلالها تفوقاً عسكرياً، مكنه من هزيمة قوات الدعم السريع في عدة مواقع استراتيجية.
عقب اندلاع الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، أعلن القيادي بجماعة الإخوان المسلمين الناجي عبدالله، خلال فعالية لكتيبة البراء بين مالك التي تقاتل بجانب الجيش السوداني، تضامنهم القوي مع طهران في مواجهة الضربات الأميركية الإسرائيلية. وقال عبد الله أمام حشد يرتدون زي الجيش أنهم على استعداد لإرسال مقاتلين إلى إيران حال اندلاع مواجهات برية.
حديث القيادي الإخواني دفع قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، للرد عليه محذراً بأنهم لن يسمحوا لأي جهة بالتحدث باسم القوات المسلحة أو استغلال اسمها لتحقيق أهداف سياسية أو آيديولوجية. ولوح إلى إمكانية اتخاذ إجراءات صارمة تجاه تلك المجموعة إذا لم تتراجع عن موقفها.
تصنيف الولايات المتحدة لجماعة ما على أنها منظمة إرهابية تنطوى عليه العديد من الآثار القانونية والمالية والسياسية، وفق القوانين الأمريكية الخاصة بمكافحة الإرهاب، ويشمل ذلك تجميد الحكومة الأمريكية للأصول أو الأموال التي تعود للجماعة داخل الولايات المتحدة أو تمر عبر النظام المالي الأمريكي، بجانب منع البنوك والمؤسسات المالية من التعامل مع هذه الأموال أو تحويلها.
بهذا يصبح تقديم أي دعم مادي أو مالي أو لوجستي للجماعة جريمة جنائية في الولايات المتحدة، ويتضمن ذلك التبرعات المالية وتقديم خدمات أو تدريب أو توفير معدات أو تسهيلات.
كذلك يُمنع قادة وأعضاء الجماعة من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، كما يمكن ترحيل أي شخص يثبت ارتباطه بالتنظيم. كما أن لوزارة الخزانة الأمريكية صلاحية إدراج أفراد أو شركات مرتبطة بالجماعة على قوائم العقوبات، ما يؤدي إلى تجميد حساباتهم، ومنعهم من استخدام النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار.
أيضاً يسهل التصنيف على الولايات المتحدة ملاحقة الشبكات المرتبطة بالجماعة دولياً بالتعاون مع دول أخرى، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وفرض عقوبات مشتركة وملاحقة مصادر التمويل. غالباً ما يحمل قرار التصنيف كذلك رسالة سياسية للدول أو القوى التي قد تتعامل مع تلك الجماعة، وقد يدفع بعض الدول إلى تقليص علاقاتها مع التنظيم أو اتخاذ إجراءات مشابهة.
أعربت قوى سياسية وعسكرية سودانية عن ترحيبها بالقرار الأمريكي، منها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود"، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، حيث وصف القرار بأنه "انعكاس لإرادة غالب الشعب السوداني"، واستجابة لعمل دؤوب قامت به قطاعات واسعة من القوى المدنية والسياسية السودانية، فيما دعا التحالف بقية الدول والمنظمات الإقليمية والعالمية لاتخاذ خطوات مماثلة لهذه الخطوة الأمريكية.
بينما رأى تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" الذي يرأسه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أن القرار خطوة مهمة تلامس تطلعات الشعوب السودانية، واتهم التحالف جماعة الإخوان المسلمين بإشعال الحرب الحالية مع قوات الدعم السريع.
يسهل التصنيف على الولايات المتحدة ملاحقة الشبكات المرتبطة بالجماعة دولياً بالتعاون مع دول أخرى، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وفرض عقوبات مشتركة وملاحقة مصادر التمويل
وفي ظل تطورات المشهد المحيط بالحرب الإمريكية الإسرائيلية ضد إيران لابد من الأخذ بعين الاعتبار تأثر السياسة الأمريكية تجاه المجموعات الإسلامية بمواقف عدد من الحلفاء الإقليميين في الشرق الأوسطـ، لاسيما أن بعض الدول العربية تبنت، خلال السنوات الأخيرة، مواقف أكثر تشدداً تجاه جماعة الإخوان المسلمين، ما أسهم في خلق بيئة سياسية إقليمية أكثر تقبلاً لخطوات مشابهة على المستوى الدولي.
على ذات الصعيد، ترى واشنطن أن استمرار الحرب في السودان قد يفتح المجال أمام تصاعد نشاط جماعات متطرفة أو شبكات مسلحة عابرة للحدود، وفي هذا السياق، تحاول توجيه رسائل سياسية إلى القوى الفاعلة في السودان بشأن ضرورة الحد من نفوذ الجماعات التي تعتبرها تهديداً للاستقرار.
لكن بلا شك قد يؤدي هذا التصنيف إلى تضييق المجال السياسي أمام الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين، كما قد يؤثر على قدرتها في العمل التنظيمي أو الحصول على دعم مالي خارجي. في المقابل، قد يدفع القرار بعض القوى السياسية إلى إعادة ترتيب تحالفاتها في ظل المتغيرات الجديدة.