تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

تشوهات المدينة وطغيان الشفاهة: في أسباب تعثر الرواية السودانية

23 يونيو, 2026
الصورة
تشوهات المدينة وطغيان الشفاهة: في أسباب تعثر الرواية السودانية
Share

بعد صدور قائمة صحيفة "الغارديان" البريطانية لأفضل مائة رواية في التاريخ، والتي خلت من أي رواية عربية، أجرت الصحفية اللبنانية بسمة الخطيب تحقيقاً استطلعت فيه عدداً من النقاد والمترجمين والأكاديميين العرب عن أسباب ذلك الغياب. ما يهمني في هذا التحقيق هو ما خلص إليه المستطلَعون، فيما يشبه الإجماع، على أحقية رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للسوداني الطيب صالح في تمثيل الأدب العربي ضمن تلك القائمة.

​لأول وهلة، قد يتبادر إلى ذهن قارئ نتائج ذلك التحقيق أن الرواية فنٌّ مزدهرٌ ضمن الأدب السوداني، وقد يغامر البعض ويقارن بينها وبين الحقبة التاريخية للأدب الروسي في القرن التاسع عشر التي لمعت فيها أسماء وتجارب أمثال: دوستويفسكي، وتولستوي، وتشيخوف.

أما الحقيقة فهي بخلاف ذلك؛ فتصدر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" لاختيارات من شملهم التحقيق يُحسب للطيب صالح ولموهبته، ولا يعبر عن رسوخ وحضورٍ للفن السردي الأشهر في بنية الثقافة السودانية. يعضد ذلك ما كتبه الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن في مقاله "إطلالة على رواية التسعينات بالسودان" حين قال: "إنه إلى الآن لم تتشكل ملامح واضحة للرواية في السودان، بالنسبة لكل أجيال الكتاب، حتى إنني أتردد كثيرا في استخدام مصطلح (الرواية السودانية)، وأفضل عليه (الرواية في السودان)، وذلك في كل المستويات".

​أما المفارقة الجديرة بالانتباه، فهي أن الرواية الأعظم والأشهر في الأدب السوداني "موسم الهجرة إلى الشمال" لم تقل شيئا مهما عن السودان، ولو استثنينا الجزء المتعلق بحياة مصطفى سعيد في لندن، لَأصبحت رواية عادية ولم تكن لتنال هذا الصيت. وحتى لا يكون ادعائي زائفاً، سأحاول في بقية هذه السطور تعليل ما ذهبت إليه من حكم، واستقصاء دلالات ذلك.

زمن الرواية

​في كتابه "زمن الرواية"، يصف الناقد المصري جابر عصفور زمننا العربي إبداعياً بأنه "زمن الرواية"، ويراهن على قدرتها أن تصبح "ديوان العرب المحدثين"، ومؤرِّخاً لتشكلها عبر ربط ظروف نشأتها بالمدينة: "هكذا كانت الرواية العربية، في نشأتها، تجسيدا للعقلانية التي انبنى عليها مشروع النهضة في محاولته تأصيل الوعي وإشاعته بين أبناء الأمة. وفي سعيه لاستبدال وعي المدينة الحديثة، متعددة الجنسيات والثقافات والاتجاهات، بوعي المدينة القديمة المنغلقة على نفسها في نفورها من الآخر".

تصدر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" لاختيارات من شملهم التحقيق يُحسب للطيب صالح ولموهبته، ولا يعبر عن رسوخ وحضور للفن السردي الأشهر في بنية الثقافة السودانية

لن تعجزك الدلائل والشواهد على رأيه، فالعديد من المشاريع الروائية ارتبطت بمدن كتابها ومبدعيها؛ فلا يُذكر دوستويفسكي إلا وتُذكر سان بطرسبرغ، ولا يُذكر جيمس جويس دون دبلن، ولا أورهان باموق دون إسطنبول، ولا نجيب محفوظ دون القاهرة، ولا محمد شكري دون طنجة. فما حال المدينة السودانية التي تروم الرواية أن تكون مرآة مجتمعها المدني الصاعد، وسلاحه الإبداعي في مواجهة نقائضه، كما يحدد دورها جابر عصفور في كتابه سابق الذكر؟

​كانت الحروب والصراعات المسلحة، وما تزال، تشكل العامل الأبرز في توسع المدينة في السودان. فمن حرب الجنوب إلى الصراعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فاضت المدينة بالسكان، وتفتقت أطرافها بضحايا تلك النزاعات، من دون استجابة جدية من قبل السلطة السياسية تعي طبيعة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية لتلك الزيادة، وتعاملت معها كفائضٍ بشري تُحل أزماته بالمقاربة الأمنية. فتناسلت العشوائيات التي واجهت الإهمال الرسمي والشعبي بفرض حضورها عنوةً، وفي أحيانٍ كثيرة بالعنف المكتنز في ذاكرة وروح من سلختهم الحروب من مركز قراهم، وألقت بهم في هامش المدينة.

​قبل الحرب الدائرة الآن، شهدت عدة مدن سودانية، مثل بورتسودان (وهي ثاني أهم مدينة والميناء الرئيسي)، وكسلا في الشرق، والجنينة في الغرب، والدمازين في الجنوب الشرقي، أحداثا دامية ذات طابع قبلي، تقدح في شرطها الاجتماعي المتمثل في التعدد والتنوع، والمفارق لهيمنة طرفٍ يريد إقصاء بقية الأطراف. تعود بعض أسبابها لحالة السيولة والميوعة الأمنية والسياسية التي اعترت البلاد بعد سقوط نظام عمر البشير في 11 أبريل/نيسان 2019، إلا أن ذلك لا ينفي الأسباب الفعلية والجوهرية الكامنة، والتشوهات الاجتماعية في بنية تلك المدن ومعظم مدن السودان.

​ أفضى تطاول عهود الاستبداد إلى عسكرة المجتمع، وتقليص المحتوى السياسي للمدينة أدى إلى إفراغ المجال العام من الفاعلين، ليتسيده ويملأه الزعيم القبلي بانحيازاته العرقية. فتاريخُ المدينة في السودان هو تاريخُ محاولة بقائها ضد سطوة وجبروت القبيلة، أكثر منه مراكمةً للمحاولات لتلافي الإخفاقات. فمدينة كالنهود، أكبر مدينة في ولاية غرب كردفان، والتي عُرفت تاريخياً بأقدم نادٍ ثقافي ("نادي السلام" الذي تأسس سنة 1917)، يستحوذ على فضائها الاجتماعي الزعيم القبلي عبد القادر منعم منصور قبل رحيله. وبورتسودان، الميناء الرئيسي الذي بناه الإنجليز إبان احتلالهم للسودان لتكون منارة حضارية، القول الفصل فيها يعود للناظر تِرِك. أما مدينة القضارف، أكبر سوق للمحصول الزراعي، فأسرة الناظر أبوسن لا تقل شهرة عن سمسمها.

المدينة السودانية

​حينما يلتفت الروائي السوداني لواقع مدينته لا يعثر إلا على سرديات متشظية لا تسعفه للتعبير عن ثرائها وزخمها؛ لذلك يلجأ الكثير من الروائيين السودانيين للتاريخ والأسطورة لعكس همومهم ورؤاهم، كما فعلت بثينة خضر مكي في "صهيل النهر"، والحسن بكري في "أحوال المحارب القديم"، وأمير تاج السر في "مهر الصياح" و"توترات القبطي"، وحمور زيادة في "شوق الدرويش"، وسميحة خريس في "فستق عبيد"، ومنصور الصويم في "آخر السلاطين".

​فيما تقعر البعض في عوالم المهمشين مكتفين بالعجائبي والغرائبي فيها دون اجتراح وعي جمالي ينفذ لغناها، يأتي على رأسهم عبد العزيز بركة ساكن في "الجنقو مسامير الأرض" و"مخيلة الخندريس"، ورانيا مأمون في "ابن الشمس"، ومنصور الصويم في "ذاكرة شرير". أما الطيب صالح، الروائي السوداني الأبرز والأشهر، فمعظم رواياته تدور في بيئة ريفية مثل: "عرس الزين" و"مريود" و"ضو البيت" ومجموعته القصصية الوحيدة "نخلة على الجدول". أما درة رواياته "موسم الهجرة إلى الشمال"، فالجزء المتعلق بالسودان تدور أحداثه ضمن القرية، وكأن بطله الخالد مصطفى سعيد، بعد أن عاش تجربته بصخبها وعنفها وقلقها وتوترها في لندن، عاد إلى القرية ليتطهر من رجس المدينة، في مفارقة تبرز الوعي الساذج للسوداني حينما يصطدم بشساعة العالم خارج إطاره.

السودانيون، ونتيجة لتحلل وتفسخ عقدهم الاجتماعي، عاجزون عن صياغة سردية مشتركة... فالسردية المشتركة هي الرهانات والتحديات التي تخوضها الشعوب، وتعزز بداخلها الانتماء لمصير واحد

​السودانيون، ونتيجة لتحلل وتفسخ عقدهم الاجتماعي، عاجزون عن صياغة سردية مشتركة، ويرجع ذلك لطبيعة تأسيسه التي يشرحها المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد في سفره ذائع الصيت "السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل"، مبيناً معضلة التكوين تلك، وكاتباً: "خلفية السودان الراهن -والتي ما زالت مؤثرة في تكوينه المعاصر- هي خلفية قبلية وإقليمية يطغى فيها الصراع والتمزق بأكثر من الوحدة".

​فالسردية المشتركة هي الرهانات والتحديات التي تخوضها الشعوب، وتعزز بداخلها الانتماء لمصير واحد؛ فأي رهانات خاضها السودانيون وخرجوا منها موحدين؟ يخبرنا التاريخ بأن الانقسام شكل السمة الأبرز في حياة السودانيين بدءا من أول كيان جمعهم "مملكة سنار"، والتي تأسست على حلف ثنائي بين العرب والفونج، وشملت تلك الثنائية كل تاريخهم؛ فمن صراع الأنصار والختمية في خمسينيات القرن العشرين، إلى صراع الإسلاميين والشيوعيين في ستينياته، وصولا إلى الحرب الحالية التي لم توحد السودانيين على كلمة سواء، فاستحالوا فسطاطين: أحدهما تمترس خلف "لا للحرب"، والآخر يستميت في "بل بس".

الرواية في السودان

​لا تزدهر الرواية بلا سردية مشتركة يتمثل فيها الكاتب خصائص أمته الشعورية والفكرية، كما يذهب إلى ذلك الناقد السوداني معاوية محمد نور؛ فثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي قامت بذلك الدور وأثرت الرواية الجزائرية، ومثلها فعلت القضية الفلسطينية في رفد الرواية الفلسطينية بأسئلة وإشكالات أضافت عناوين وأسماء حفرت مليا في ذاكرة الأدب العربي والعالمي.

​الثقافة السودانية ثقافة شفهية ولا تميل للتدوين، كما يحاجج عبد المجيد عابدين في كتابه "الثقافة العربية في السودان"، راصدا تلك السمة في الأدب الشعبي والأحاجي. الثقافة السودانية لم تعرف نصوصا مكتوبة كملحمة جلجامش في بلاد الرافدين أو حجر رشيد في الحضارة الفرعونية، وتسربت لها الشفاهة من الجذر الأفريقي بداخلها، والتي تسفر عن نفسها من خلال الأغاني وانتشارها وسط السودانيين؛ فأشهر الشعراء السودانيين ليسوا من تركوا دواوين، وانما من تغنى لهم الفنانون وحملت الموسيقى كلماتهم.

الثقافة السودانية ثقافة شفهية ولا تميل للتدوين... فلا يوجد روائي سوداني، ولا الطيب صالح عينه، يقارع جماهيرية أحد المغنين كمحمد الأمين، أو محمد وردي، أو محمود عبد العزيز

​يلفت لهذا الجانب المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي في مقاله "الثقافة السودانية والأزمة"، بأن القنوات الفضائية السودانية في رمضان تشرع مباشرة في بث الأغاني والتطريب، ويقصد البرنامج الشهير "أغاني وأغاني" الذي قدمه السر قدور. كما يؤكد على عدم قدرة الإخوة العرب والمسلمين غير السودانيين على استيعاب أن تبث القناة الرسمية المديح النبوي مصحوباً بالجيتار والكمان، ويشير كذلك لتغلغل الأغاني في الإعلانات، "فالدواليب أغاني وللكراسي أغاني وللطرابيز أغاني" كما يرى وينظر. فلا يوجد روائي سوداني، ولا الطيب صالح عينه، يقارع جماهيرية أحد المغنين كمحمد الأمين، أو محمد وردي، أو محمود عبد العزيز.

​وصف الناقد المصري رجاء النقاش الطيب صالح بأنه "عبقري الرواية العربية"، وإن صح ذلك في حق الطيب صالح وهو أهل له، إلا أنه لا ينسحب على مجمل الرواية السودانية التي حاولتُ رصد أسباب تعثرها من خلال هذه السطور، وأوجزتها في: إخفاق المدينة، وغياب سردية مشتركة، وطغيان الثقافة الشفهية.

​لا يعني ذلك أنْ لا مستقبل للرواية في السودان، فما خلفته الحرب الحالية الناشبة منذ 15 أبريل/نيسان 2023 في حياة السودانيين من موت ونزوح ولجوء وغربة، كفيل بأن يوفر مادة خصبة للروائيين السودانيين، خصوصاً وأن الحرب الحالية تختلف عن الحروب التي عاشها السودانيون سابقاً (كحرب الجنوب وحرب دارفور) والتي دارت بعيداً عن مدن عُرفت تاريخياً بتطورها ومركزيتها كالخرطوم ومدني، اللتين شهدتا أعنف وأشرس المعارك في هذه الحرب، وتعرض سكانها لأبشع التجارب، ويتميز إنسانها بجودة تعليمه وزخم معارفه، مما يمكنه من أدوات افتقر إليها ضحايا تلك الحروب السابقة.

المزيد من الكاتب