تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

تشاد والسودان: الإرث العدائي والتحالفات الهشة بين الدولتين

5 أبريل, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

تربط علاقة وثيقة بين تشاد والسودان، كونهما يتقاسمان حدودا مباشرا تمتد على طول 1400 كلم، وبينهما تداخل قبلي ولغوي كبير وأعراف وتقاليد مجتمعية مشتركة، لكن الحكومات المتعاقبة لم تستغل هذا الإرث الحضاري لتوطيد العلاقات البينية، من أجل برادايم فريد للتعاون الإقليمي المتعدد الأوجه والاتجاهات. يعزز التقارب في الرؤى والتسوية السلمية لكافة الخلافات السياسية، بعيدا عن استغلال المكونات المشتركة وتوظيفها في الصراع، وهي المعضلة التي مثلت جوهر الأزمة، لكونها أتاحت التدخل المباشر في الشؤون الداخلية من الجانبين، ما نتج عنه تأرجح واضح بين العداء العلني والتحالفات الهشة، التي ظلت تحكم الأطر العامة لهذه العلاقة الأفريقية الأفريقية.

ديناميات الصراع

شهدت العلاقات الثنائية تطورات معقدة منذ بداية مرحلة الاستقلال في تشاد، حيث كان لتأثير السودان دور محوري في تطور الأحداث السياسية التشادية منذ الستينيات، لا سيما مع بداية صراع القوى السياسية التشادية، وظهور الحركة المسلحة التي طالبت بإسقاط نظام الرئيس أنقارتا تمبلباي. في مواجهة القمع، لجأ 26 من هؤلاء التشاديين المناهضين للنظام إلى السودان، حيث شكلوا جبهة التحرير الوطني "فرولينا" في 22 يونيو/حزيران 1966 بمدينة نيالا السودانية، للإطاحة بالحكومة التشادية عن طريق الكفاح العسكري.

من جانبها، تبنت الحكومة السودانية برئاسة الصادق المهدي موقفا داعما للثوار التشاديين، مما دفعها لتقديم الدعم السياسي والعسكري، تضمَّن تسهيل حركة الثوار التشاديين، وتقديم التدريب العسكري على أيدي بعض العسكريين السودانيين المتقاعدين. كما أن هذا التحالف العسكري بين الخرطوم والثوار التشاديين كان بمثابة محفز جديد للحركة المسلحة في تشاد، وشكل نقطة توتر بين حكومتي أنجمينا والخرطوم، خاصة في ظل محاولات النظام التشادي تعزيز قوته الداخلية، وصد أي محاولات تهدد استقراره من ناحية، ومن ناحية أخرى تنامى القلق السوداني من توسع نفوذ المعارضة التشادية المسلحة على أراضيه.

على مدى سنوات، استمرت الحكومات السودانية المتعاقبة في دعم الحركات المسلحة التشادية، تمثل في دعم حكومة الصادق المهدي الذي انتهى بتعليق المساعدات السرية من قبل الرئيس جعفر النميري، عبر وساطة الرئيس النيجري هاماني جيوري، الذي عمِل على نزع فتيل الأزمة، عن طريق تشكيل لجنة مشتركة بين الدولتين، لإزالة أسباب الأزمة في قمة كنشاسا بزائير، في نوفمبر/تشرين الأول عام 1968، والتي بدورها نجحت في تسوية الأزمة بين الدولتين.

على مدى سنوات، استمرت الحكومات السودانية المتعاقبة في دعم الحركات المسلحة التشادية، تمثل في دعم حكومة الصادق المهدي الذي انتهى بتعليق المساعدات السرية من قبل الرئيس جعفر النميري عبر وساطة الرئيس النيجري هاماني جيوري، الذي عمل على نزع فتيل الأزمة

تجدد دعم الخرطوم للمعارضة المسلحة التشادية مرة أخرى، حيث دعمت حسين هبري الذي نجح في إسقاط حكومة قوكوني التي حكمت منذ (1979-1982)، وبعد مرور ثماني سنوات، نجحت أيضا في الإطاحة بالرئيس حسين هبري الذي حكم من (1982-1990)، عن طريق تمكين إدريس ديبي الذي حكم من (1990-2021)، وهو ما أكده مستشار الأمن القومي السوداني الفريق الفاتح عروة، بوضوح في لقائه مع الإعلامي السوداني سعد الكابلي، حيث قال: "إن السودان مفتاح لتغيير النظام في تشاد، كما أن تشاد مفتاح للاستقرار في السودان، وأن الدعم السوداني جاء نتيجة الطموحات التوسعية للرئيس الليبي معمر القذافي".

دعم كل من الرئيس السوداني السابق عمر البشير والرئيس التشادي السابق إدريس ديبي الحركات المسلحة في البلدين، كجزء من استراتيجياتهما السياسية والعسكرية خلال فترات متوترة من الصراع، حيث عمدت الحكومة السودانية تحت قيادة البشير إلى دعم الحركات المسلحة التشادية، لا سيما في سياق الصراع الدائر بين الحكومة التشادية والجماعات المعارضة، وكان هذا الدعم يشمل تقديم المساعدات العسكرية واللوجستية. نتج عنه هجوم الجبهة المتحدة للتغيير الديمقراطي بقيادة محمد نور عبد الكريم على العاصمة أنجمينا في 13 أبريل/ نيسان 2006، وبعد فشلها في الإطاحة بالحكومة التشادية، دعمت الائتلاف الوطني الثلاثي الذي شن هجوما على القصر الرئاسي في 2 فبراير/شباط 2008.

استغل الرئيس التشادي إدريس ديبي من جهة أخرى، التوترات الداخلية في السودان، خاصة خلال حرب دارفور، ودعم الحركات المسلحة السودانية، بما في ذلك حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم، الذي ينتمي لإثنيته الزغاوة. هذا الدعم، شمل المساعدات العسكرية والتدريب، وجاء كرد على دعم الخرطوم المستمر للمعارضة التشادية.

في عام 2008، كادت حركة العدل والمساواة أن تسيطر على العاصمة الخرطوم، وهو ما جعل العلاقات تتسم بالتوترات الحادة، التي بدورها باتت مصدر تهديد للمصالح السياسية والأمنية والعسكرية، حيث وجد كل طرف نفسه مدفوعا لتقديم الدعم لقوى المعارضة في الطرف الآخر، كما أن التنافس على النفوذ في المنطقة كان سببا رئيسيا في اندلاع الصراع المستمر، وهو ما جعل العلاقات عرضة لتقلبات دائمة بين التصعيد والتهدئة.

استغل الرئيس التشادي إدريس ديبي التوترات الداخلية في السودان، خاصة خلال حرب دارفور ودعم الحركات المسلحة السودانية، بما في ذلك حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم، الذي ينتمي لإثنيته الزغاوة، هذا الدعم، شمل المساعدات العسكرية والتدريب، وجاء كرد على دعم الخرطوم المستمر للمعارضة التشادية

توظيف التوترات التاريخية لصالح الراهن السياسي

شهدت العلاقات البينية تطورات جديدة، على خلفية الصراع المستمر في السودان وتأثيراته الإقليمية، على إثرها اتهمت السلطات السودانية تشاد بدعم الجناح العسكري لقوات الدعم السريع، من خلال تسهيل مرور الإمدادات عبر مطار أم جرس، ورغم نفي تشاد لهذه الاتهامات، أكدت استعدادها للدفاع عن سيادتها، معتبرة التهديدات السودانية بمثابة إعلان حرب. بيد أنها حافظت على سياسة الباب المفتوح لاستضافة اللاجئين السودانيين الفارين من الصراع، حيث تستضيف أكثر من مليون لاجئ سوداني، منهم 700 ألف فروا منذ بداية الحرب في أبريل/ نيسان 2024. يزيد هذا التدفق الكبير للاجئين من الضغوط على الموارد التشادية، ويثير المخاوف من امتداد الصراع إلى داخل الأراضي التشادية.

على صعيد أخر، أعربت تشاد عن قلقها من احتمال انخراط مجموعات تشادية في الصراع السوداني، مما قد يؤدي إلى هجمات جديدة على الأراضي التشادية، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي. كما أشارت إلى أن استمرار الصراع قد يفتح أبوابا لصراعات جديدة تمتد إليها، حيث تتشابك المصالح والروابط الاجتماعية بين البلدين.

قدمت السودان بدورها عبر مبعوثها الدائم لدى الأمم المتحدة تقريرا لإدانة تشاد، تضمن العديد من الأخطاء الواضحة، من أبرزها ما ورد في الصفحة 7 من التقرير، حيث ذكر المبعوث أن الإمارات العربية المتحدة قامت ببناء مطار أم جرس بعد زيارة محمد ديبي لها في يونيو/ حزيران 2023، بينما في الواقع تم بناء المطار في أبريل 2022. كما ورد في الصفحة 29 من التقرير الإشارة إلى أن المدرعات التي قدمتها الإمارات لدولة تشاد قد استخدمت في الحرب السودانية، هذا الادعاء يمكن تفنيده، لأن المدرعات استلمها وزير الدفاع التشادي، الفريق داوود يحيى، ولا تزال موجودة حتى اليوم في مقر القوات العسكرية التشادية البرية.

ردا على ذلك، عبّرت تشاد عن موفقها الحيادي في حرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، على الرغم من التهم المستمرة ضدها من قبل الحكومة السودانية، استقبل الرئيس محمد ديبي اللاجئين السودانيين الفارين من ويلات القتال في معسكر مدينة أدري الحدودية، وثمّن في خطابه على الوحدة بين تشاد والسودان، وضرورة تقوية الروابط التاريخية المشتركة، مؤكدا أن تشاد بذلت جهودها لعدم اندلاع هذه الحرب. كما كثفت الحكومة التشادية جهودها لإيجاد تسوية سلمية للأزمة السودانية، وهو ما تضمنه خطاب الرئيس التشادي خلال قمة دول جوار السودان المنعقدة في القاهرة في 13 يوليو/ تموز 2023.

في سياق التهدئة عبّر رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان عن العلاقات الوثيقة بين البلدين، وأن الروابط بين البلدين تمثل أكثر من أخوة، وثمن في خطابه على عمق العلاقات والتداخل الإثني، مؤكدا على دعم تشاد للاستقرار في السودان طوال السنوات الماضية، آخرها كانت في جوبا.

من جهته، أضاف الطاهر حجر، رئيس تجمع قوى تحرير السودان، أن "الخطاب الرسمي مسؤولية وطنية"، مشيرا إلى أن التصريحات التي تثير الانقسام أو تضعف العلاقات مع دول الجوار غير مقبولة. وأكد أن السودان تسعى إلى شراكات تعزز الاستقرار وتراعي علاقاته الإقليمية والدولية، مشيدا بالدعم الذي تقدمه الدول الجارة للسودانيين في محنتهم من تشرد ولجوء ومجاعة، وأضاف أن "إرادة السودانيين جسر للتضامن، لا للانقسام".

على الرغم من تبادل خطابات التهدئة بين الحكومتين في الفترات السابقة، إلا أن التهديدات تأتي في صدارة المشهد هذه الأيام، وبدورها عكست تصعيدا واضحا في العلاقات بين البلدين، حيث شهدت العلاقات التشادية السودانية توترا شديدا، بعد التصريحات العدائية التي أدلى بها مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية وعضو مجلس السيادة، الفريق ياسر عبد الرحمن العطا في خطاب ألقاه مؤخرا، اتهم فيه النظام التشادي بدعم الحرب في السودان، مشيرا إلى استهداف مطاري حسن جاموس في أنجمينا وأم جرس في شمال تشاد، باعتبارهما أهدافا مشروعة للجيش السوداني. هذه التصريحات قوبلت بتنديد شديد من الحكومة التشادية، التي اعتبرتها إعلانا بالحرب، مما دفع الأمور إلى حافة المواجهة العسكرية بين البلدين.

على الرغم من تبادل خطابات التهدئة بين الحكومتين في الفترات السابقة، إلا أن التهديدات تأتي في صدارة المشهد هذه الأيام، وبدورها عكست تصعيدا واضحا في العلاقات بين البلدين

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة السودانية استندت إلى ما اعتبرته تورطا للنظام التشادي في دعم قوات الدعم السريع، حيث أُفيد أن تشاد سمحت بمرور العتاد العسكري والمقاتلين عبر أراضيها إلى داخل السودان. في المقابل، نفت تشاد هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لم تقدم أي دعم عسكري أو لوجستي لقوات الدعم السريع، وبدورها اتهمت السودان بزعزعة استقرار تشاد عبر دعم حركات التمرد والجماعات المتطرفة، مثل جماعة بوكو حرام النيجيرية.

تباينت المواقف الداخلية في الدولتين، حيث أبدى وزير الخارجية التشادي عبد الله صابر دعوته لوقف العدائيات، بينما وصف محمد صالح النضيف، وزير الخارجية الأسبق، الحكومة السودانية بأنها فاقدة للشرعية. من جانب آخر، أعلن الفريق أول شمس الدين كباشي، نائب القائد العام للجيش السوداني، أن التصريحات كانت رأيا شخصيا، مما يعكس تباينا في الرؤى داخل القيادة السودانية.

بالإضافة إلى التصريحات الرسمية، شهدت الفترة الأخيرة تحركات عسكرية من قبل تشاد على حدودها مع السودان، في خطوة اعتبرت ردا على التهديدات السودانية، مما يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي. ومع هذه التطورات، أصبحت العلاقة بين البلدين متوترة للغاية، واستمرار التوترات قد يؤدي إلى مزيد من الصراعات في منطقة البحر الأحمر، والساحل الأفريقي، إذا لم يتم إيجاد حلول مستدامة.