السبت 13 يونيو 2026
مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية على قوات الدعم السريع، بدأت ظاهرة تبديل الولاءات والانشقاقات تتسع داخل صفوفها، في مؤشر يعكس اهتزاز التحالفات التي تشكلت منذ اندلاع الحرب في السودان. فبعد الانشقاق البارز للقائد أبو عاقلة كيكل، أواخر 2024، والذي مثّل ضربة مؤثرة للدعم السريع في ولاية الجزيرة وسط البلاد، برزت خلال الفترة الأخيرة أسماء جديدة في قائمة القادة المنشقين عن الدعم السريع، من بينهم القائد علي رزق الله "السافنا"، إلى جانب القائد الميداني النور قبة في دارفور، واللذان أعلنا رسميا انضمامها للقتال بجانب الجيش.
فتحت الانشقاقات التي طالت قادة ميدانيين وشخصيات ذات نفوذ قبلي وعسكري مؤخرا، الباب أمام تساؤلات حول مدى تماسك البنية الداخلية للدعم السريع، وإلى أي حد يمكن لهذه التحولات أن تؤثر على مسار الحرب الدائرة في السودان.
وكشفت هذه التحولات كذلك عن تصاعد الخلافات الداخلية وصراعات النفوذ داخل الدعم السريع، في وقت تتغير فيه خريطة التحالفات العسكرية والقبلية بصورة متسارعة مع استمرار الحرب.
تبدو الانشقاقات في إقليم دارفور أكثر تعقيدا، بسبب تشابك البعد القبلي مع العسكري، فبعد اقتحام قوات الدعم السريع لمنطقة مستريحة بشمال دارفور في فبراير/شباط الماضي، وهي المعقل التقليدي لرئيس مجلس الصحوة الثوري موسى هلال، برز اسم القائد الميداني النور قبة، الذي ينتمي لمجموعة المحاميد التي يتزعمها هلال، ضمن القيادات التي انشقت عن القوات وسط حديث عن خلافات متصاعدة مع بعض مراكز النفوذ داخل الدعم السريع.
أدت التطورات في مستريحة لسقوط العديد من القتلى وسط المحاميد، وأعادت إحياء الصراع القديم بين قيادة الدعم السريع المحسوبة على مجموعة الماهرية وزعامات قبلية وعسكرية في شمال دارفور، خاصة أن المنطقة ترتبط تاريخيا بنفوذ هلال، الذي سبق أن دخل في مواجهة حادة مع قيادة الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم دقلو، رُغم أنهم ينتمون جميعا لقبيلة الرزيقات واسعة الإنتشار في إقليم دارفور.
تكشف الانشقاقات الأخيرة أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة مباشرة بين الجيش والدعم السريع، بل تحولت أيضاً إلى صراع داخلي على التحالفات والولاءات داخل المعسكرات المسلحة نفسها
يعد النور القبة، الذي أعلن انضمامه للجيش أواخر أبريل/نيسان الماضي، أحد أبرز قيادات الدعم السريع، التي لعبت دورا محوريا إلى جانب حميدتي في معاركه ضد الجيش خلال الفترة الماضية. كما كانت له أدوار بارزة في التجنيد لصالح الدعم السريع والانتشار العسكري في شمال دارفور، مستفيدا من شبكاته القبلية الواسعة.
بعد أقل من شهر على انشقاق القبة، أعلن قائد آخر وهو علي رزق الله الشهير بـ "السافنا" انشقاقه هو الآخر عن قوات الدعم السريع، خلال تسجيل مصور، ثم عقد مؤتمراً صحفياً في الخرطوم يوم 16 مايو/آيار الحالي، كشف خلاله عن أسباب انشقاقه، وأعلن انضمامه رسميا للقتال إلى جانب الجيش.
كان السافنا قد تحدث في تسجيل صوتي سابق، عن وجود تفاوت في المعاملة داخل قوات الدعم السريع، مشيرا إلى أن النفوذ والحصول على الموارد يرتبطان بدرجة القرب من القيادة العليا، وقال إن المقاتلين التابعين له واجهوا صعوبات في توفير العلاج لجرحاهم خارج السودان، إلى جانب معاناتهم من نقص في المركبات والإمدادات والوقود. وكانت القوة التابعة له، والمعروفة بالوحدة 296، قد انتشرت في ولاية غرب كردفان بعد سحبها من جبهة الفاشر، التي كانت تُعد من أعنف ساحات القتال في الحرب الحالية.
في أعقاب هذه التطورات، سعت قوات الدعم السريع إلى احتواء أي مؤشرات على حدوث انقسامات داخلية، عبر نشر تسجيلات مصورة وصوتية لقادة آخرين من الوحدة نفسها، أكدوا خلالها تمسكهم بالولاء للدعم السريع، واستمرارهم في القتال، مع التشديد على حجم التضحيات التي قدموها خلال الحرب.
يمتلك السافنا علاقة معقدة وطويلة مع قوات الدعم السريع؛ إذ سبق اعتقاله عام 2017 إلى جانب موسى هلال، بواسطة قوات الدعم السريع، وظل محتجزا حتى اندلاع الحرب الحالية، قبل أن يُطلق سراحه، وينضم لاحقا إلى مجموعات تقاتل إلى جانب الدعم السريع.
يعد السافنا أحد القادة الميدانيين البارزين الذين ارتبط اسمهم بقوات الدعم السريع خلال الحرب الحالية، خاصة في إقليم دارفور والمناطق الغربية من السودان، ويُنظر إليه باعتباره من القيادات ذات النفوذ الميداني، خصوصاً داخل المجموعات القتالية ذات الامتداد القبلي في الإقليم.
كان انشقاق قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل، عن قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول 2024، من أبرز التحولات التي شهدتها الحرب، نظرا لثقل الرجل الميداني والاجتماعي في ولاية الجزيرة وسط البلاد.
فبعد أن ارتبط اسمه بالتحالف مع قوات الدعم السريع خلال مراحل متقدمة من الحرب، أعلن لاحقا انحيازه إلى الجيش السوداني، في خطوة اعتُبرت - حينها - ضربة سياسية وعسكرية للدعم السريع خارج إقليم دارفور، اكتسبت أهميتها من نفوذه داخل مجموعات مسلحة محلية، إضافة إلى رمزيته في المناطق التي شهدت مواجهات عنيفة بين الجيش والدعم السريع، خصوصا في الجزيرة.
لا يعتمد الدعم السريع على البنية العسكرية التقليدية وحدها، وإنما يرتكز بدرجة كبيرة على شبكة من التحالفات القبلية والولاءات الشخصية والمصالح الاقتصادية، ما يجعل أي تصدع داخلي أكثر خطورة وتأثيرا
قللّت قوات الدعم السريع، في ردها على هذه التطورات، من انشقاق "السافنا" واعتبرته "خائنا"، بحسب فيديو مصور يُظهر جنودا قالت إنهم رفضوا الانشقاق معه، وهو ذات الموقف الذي اتخذته عقب انشقاق كيكل وانضمامه للجيش، والذي أعقبته حملات "انتقامية" طالت الحواضن الإجتماعية التي ينتمي لها كيكل شرق ولاية الجزيرة.
فيما أصدر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، قرارا بتجريد النور قبة من رتبة اللواء وإحالته إلى التقاعد، بعد اتهامه بالفرار من الخدمة، والتنسيق مع الجيش السوداني، وبحسب ما أوردت منصات إعلامية فقد صادق "حميدتي" على قرار صادر عن محكمة ميدان قضى بخفض رتبة "قبة" من لواء إلى جندي، وإنهاء خدمته العسكرية إلى جانب إصدار حكم غيابي بالإعدام في حقه.
رحب الجيش السوداني من جانبه بانشقاق النور قبة، وقال قائد الجيش رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، خلال مراسم استقبال رسمية أقامه له، إن الأبواب مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح، والانضمام لمسيرة البناء الوطني.
على ذات الصعيد اعتبر حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، أن بناء الدولة يتطلب قدرا كبيرا من الحكمة، وتقديم التنازلات وتغليب المصلحة الوطنية، من أجل المضي نحو مستقبل يليق بتضحيات السودانيين. ورحب مناوي بالنور قبة، وكل من اختار التخلي عن السلاح والانحياز لخيار السلام والعودة إلى "حضن الوطن"، على حد تعبيره.
رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم مجموعة المحاميد موسى هلال، كذلك أشاد بما وصفها بـ "الخطوة الشجاعة" التي أقدم عليها النور قبة، وانضمامه للجيش مدافعا عن الوطن.
لا تبدو الانشقاقات الحالية مجرد تحولات فردية معزولة، بل تعكس أزمة أعمق داخل هيكل الدعم السريع، ترتبط بصراع النفوذ بين القيادات الميدانية والقيادة المركزية، إضافة إلى الخلافات القبلية والمناطقية التي برزت مع طول أمد الحرب، لا سيما الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في منطقة مستريحة معقل موسى هلال.
كان السافنا قد تحدث في تسجيل صوتي سابق، عن وجود تفاوت في المعاملة داخل قوات الدعم السريع، مشيرا إلى أن النفوذ والحصول على الموارد يرتبطان بدرجة القرب من القيادة العليا
كما تمثل تلك الانشقاقات تطورا بالغ الحساسية بالنسبة لمستقبل القوة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً على مستوى التماسك السياسي والقبلي الذي قامت عليه منذ نشأتها، فالدعم السريع لا يعتمد على البنية العسكرية التقليدية وحدها، وإنما يرتكز بدرجة كبيرة على شبكة من التحالفات القبلية والولاءات الشخصية والمصالح الاقتصادية، ما يجعل أي تصدع داخلي أكثر خطورة وتأثيرا.
انشقاق شخصيات مثل علي رزق الله السافنا، والنور قبة، تحمل دلالات تتجاوز خروج أفراد أو قادة ميدانيين، لأنها تكشف عن تصاعد التوترات داخل مراكز النفوذ المرتبطة بالحرب، خصوصا مع تراجع السيطرة في بعض الجبهات، وتزايد الضغوط العسكرية. كما أن عودة التوترات القديمة، خصوصا المرتبطة بمعسكر موسى هلال، تفتح الباب أمام احتمالات تفكك تحالفات تشكلت خلال سنوات الحرب.
تشير تقديرات إلى أن تراجع سيطرة الدعم السريع في بعض المناطق، إلى جانب أن الضربات العسكرية التي تعرض لها، ساهمت في دفع بعض القادة المحليين لإعادة حساباتهم، سواء عبر الانضمام إلى الجيش أو اتخاذ مواقف أكثر استقلالية.
كما لعبت الحسابات القبلية مثل ما حدث للنور قبة، دورا مهما في هذه التحولات، خاصة في دارفور، حيث ترتبط الولاءات المسلحة غالبا بشبكات النفوذ الاجتماعي والقبلي أكثر من ارتباطها بالبنية العسكرية التقليدية.
تكشف الانشقاقات الأخيرة أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة مباشرة بين الجيش والدعم السريع، بل تحولت أيضاً إلى صراع داخلي على التحالفات والولاءات داخل المعسكرات المسلحة نفسها.
مع استمرار العمليات العسكرية، وتغير موازين السيطرة على الأرض، يتوقع أن تتصدّر المشهد المزيد من الانشقاقات وإعادة الاصطفاف، خاصة إذا استمرت الضغوط العسكرية والسياسية على الدعم السريع. في ظل هذا الواقع، تبدو خريطة الولاءات داخل تلك القوات أكثر هشاشة من أي وقت مضى، مع تزايد المؤشرات على دخول الحرب مرحلة جديدة عنوانها "إعادة تشكيل التحالفات المسلحة".