تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

ترحيل مهاجري الولايات المتحدة إلى رواندا.. السياقات والتداعيات

11 مايو, 2025
الصورة
رواندا والولايات المتحدة
Share

عملت رواندا خلال السنوات الأخيرة على ترسيخ مكانتها على الساحة الدولية كمقصد للمهاجرين الذين تسعى الدول الغربية إلى ترحيلهم من أراضيها. فقد وقّعت كيغالي اتفاقيات مع عدد من الدول الأوروبية لاستقبال هؤلاء المهاجرين مقابل دعم مالي واستثماري في البنية التحتية والخدمات.

رغم الانتقادات الواسعة التي وجهتها منظمات حقوق الإنسان، والتي عبّرت عن قلقها من سجل رواندا في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، ترى بعض العواصم الغربية أن كيغالي تمثل شريكاً عملياً، يمكن التعويل عليه في ظل تصاعد أزمات الهجرة ورفض استقبال المزيد من اللاجئين.

صفقة الترحيل بين واشنطن وكيغالي

أكد وزير الخارجية الرواندي، أوليفييه ندوهونجيريهي، الأحد الماضي (4 مايو/ آيار الجاري)، أن بلاده دخلت في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لاستقبال مهاجرين مُرحَّلين من الأراضي الأمريكية، وذلك بعد عرض تقدم به ترامب. يأتي هذا التحرك في إطار صفقة تتضمن تقديم حزمة مالية تُقدَّر بملايين الدولارات إلى الحكومة الرواندية، مقابل استقبالها لمهاجرين من ذوي السوابق الجنائية، ممن أنهوا فترة عقوبتهم في الولايات المتحدة. يهدف الاتفاق إلى إعادة دمج هؤلاء الأفراد في المجتمع الرواندي، ضمن خطة مشتركة لتخفيف الضغوط الناتجة عن قضايا الهجرة. ووفقًا لصحيفة الجارديان، فإن رواندا تسعى من خلال هذه الصفقة إلى تعزيز مكانتها الدولية، وكسب نفوذ على مستوى القارة الأفريقية، بالإضافة إلى الاستفادة من الدعم المالي المصاحب للاتفاق.

تعزيزًا لهذا التوجه، كشفت تقارير صحفية عن خطوات عملية تم اتخاذها بالفعل. ففي مارس/آذار الماضي، قامت الولايات المتحدة، بشكل سري، بترحيل لاجئ عراقي متهم بالانضمام إلى جماعات إرهابية إلى رواندا. ووفقًا للتقرير ذاته، دفعت واشنطن 100 ألف دولار للحكومة الرواندية مقابل دعم الخدمات الاجتماعية، وتوفير وثائق الإقامة للمُرحَّل. وقد أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعًا، باعتبارها تعكس سياسة ترحيل قاسية يرى كثيرون أنها تنتهك مبادئ حقوق الإنسان. وفي إطار الصفقة نفسها، وافقت رواندا كذلك على استقبال عشرة مواطنين من جنسيات مختلفة، فيما يُعرف بـصفقات الدول الثالثة.

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة ورواندا حالياً مفاوضات واسعة تتناول عدة ملفات أمنية وسياسية حساسة، في مقدمتها جهود الوساطة الأمريكية لإنهاء الدعم الذي تقدمه كيغالي لمتمردي حركة "23 مارس"، المتورطين في النزاع المسلح الدائر شرق الكونغو الديمقراطية. تأتي هذه التحركات في إطار تطلع واشنطن إلى تعزيز حضورها في منطقة البحيرات الكبرى، من خلال استثمارات تُقدَّر بمليارات الدولارات في كل من رواندا والكونغو الديمقراطية. وتُعد هذه الخطوة جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى موازنة النفوذ الصيني المتزايد في القارة الأفريقية.

في خضم هذه التحولات، تسعى كل من كينشاسا وكيغالي إلى تعزيز موقعيهما الإقليميين، وكسب النفوذ في المنطقة. تحاول الكونغو الديمقراطية استمالة الدعم الأمريكي عبر تقديم امتيازات تتعلق بالوصول إلى المعادن الاستراتيجية، في حين تراهن رواندا على أن اتفاقية الهجرة المرتقبة مع واشنطن قد تمنحها تفوقاً استراتيجياً في المعادلة الإقليمية. وفي هذا السياق، أشار مسعد بوليس، مستشار ترامب للشؤون الأفريقية، إلى أن الأشهر الثلاثة المقبلة قد تشهد توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية مع كل من كينشاسا وكيغالي، بما يعزز التعاون الثنائي، ويعيد رسم خارطة النفوذ الدولي في المنطقة.

تأتي هذه التحركات في إطار تطلع واشنطن إلى تعزيز حضورها في منطقة البحيرات الكبرى، من خلال استثمارات تُقدَّر بمليارات الدولارات في كل من رواندا والكونغو الديمقراطية

في هذا السياق، كشفت شبكة CBS News عن أن إدارة ترامب طلبت من دول أفريقية أخرى، من بينها أنغولا وغينيا الاستوائية وليبيا، الموافقة على استقبال مهاجرين غير شرعيين لا يحملون جنسية هذه الدول. وبحسب وثائق فيدرالية حصلت عليها الشبكة، حددت الولايات المتحدة قائمة بالدول التي قد تقبل استقبال مواطني دول ثالثة ممن يتم ترحيلهم من الولايات المتحدة، وشملت هذه القائمة كلًا من: أنغولا وبنين وغينيا الاستوائية وإسواتيني وليبيا ورواندا. ويؤكد إدراج رواندا ضمن هذه القائمة أنها ليست حالة استثنائية، بل جزء من نهج أوسع تتبناه واشنطن لإعادة توزيع المهاجرين المرحّلين على دول تقبل التعاون مقابل حوافز مالية أو سياسية.

رواندا وصفقات الترحيل مع الغرب

ليست هذه الاتفاقية الأولى التي تبرمها رواندا بشأن استقبال المهاجرين؛ ففي عام 2022، أعلن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، بوريس جونسون، عن خطة تهدف إلى إرسال عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين إلى رواندا، في محاولة لكسر شبكات تهريب البشر. غير أن هذه الخطة قوبلت بانتقادات واسعة من حزب العمال المعارض، وأثارت جدلًا كبيرًا في الأوساط السياسية والقضائية، حيث رفضتها المحكمة العليا البريطانية على أساس أن رواندا لا تُعد بلدًا آمنًا، بسبب سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان.

رغم إنفاق الحكومة البريطانية نحو 904 ملايين دولار على هذه السياسة، بالإضافة إلى ما يقرب من 350 مليون دولار دُفعت لرواندا التي أكدت بدورها أنها غير ملزمة بإعادة هذه الأموال، فإن الاتفاق لم يُنفذ فعليًا، إذ لم يتم ترحيل أي مهاجر بموجبه. وفي يوليو/تموز الماضي، أعلن رئيس الوزراء البريطاني الجديد، كير ستارمر، رسميًا إلغاء خطة رواندا، مؤكدًا أنها انتهت ودُفنت قبل أن تبدأ، موضحًا أنها لم تشكّل رادعًا فعّالًا للهجرة غير النظامية، بل ساهمت في زيادة التوتر حول هذه القضية.

قوبلت هذه الخطة بانتقادات واسعة من حزب العمال المعارض، وأثارت جدلًا كبيرًا في الأوساط السياسية والقضائية، حيث رفضتها المحكمة العليا البريطانية على أساس أن رواندا لا تُعد بلدًا آمنًا، بسبب سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان

لم يكن الاتفاق البريطاني هو الوحيد الذي واجه الفشل؛ إذ شهدت رواندا تجربة مماثلة مع الدنمارك. ففي عام 2022، وقّعت كوبنهاغن وكيغالي اتفاقية تقضي بنقل نحو 1000 طالب لجوء سنويًا من الدنمارك إلى رواندا، رغم أن الأخيرة كانت تستقبل بالفعل ما يقرب من 130 ألف لاجئ من دول عدة، منها الكونغو الديمقراطية وبوروندي وأفغانستان وليبيا. غير أن الحكومة الدنماركية قررت في يناير/كانون الثاني 2023 تعليق الاتفاق، وبدأت تبحث عن حلول بديلة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

حذّرت نيويورك تايمز من أن الولايات المتحدة قد تقع في فخ تكرار الأخطاء التي ارتكبتها بريطانيا في اتفاقها الفاشل مع رواندا. وأشارت إلى أن هذه الأخيرة، نظراً لمساحتها الجغرافية المحدودة التي تبلغ حوالي 10,000 ميل مربع، وكثافتها السكانية المرتفعة، قد لا تكون مؤهلة لاستيعاب أعداد كبيرة من المرحّلين. كما سلّطت نيويورك تايمز الضوء على تجربة سابقة بين رواندا وإسرائيل، جرت بين عامي 2015 و2018، حيث رحّلت إسرائيل نحو 1700 طالب لجوء من إريتريا والسودان إلى رواندا. لكن تلك التجربة انتهت بالفشل، إذ لم تُحترم خلالها حقوق المرحّلين، وقامت رواندا لاحقاً بترحيل معظمهم إلى أوغندا، في عملية اتّسمت بالغموض وغياب الشفافية.

جدل ترحيل المهاجرين في الداخل الأمريكي

أثارت حملات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة موجة واسعة من الجدل، إذ أظهر استطلاع للرأي تأييد 66٪ من الأمريكيين لترحيل هؤلاء المهاجرين، بينما انخفضت نسبة التأييد إلى 34٪ عندما يتعلق الأمر بترحيلهم إلى دول ثالثة غير بلدانهم الأصلية. يأتي هذا في ظل تصريحات وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، خلال مؤتمر صحفي عُقد مطلع مايو/أيار الجاري، حيث وجهت انتقادات لاذعة لسياسات الهجرة المتبعة في ولاية إلينوي، متهمة الولاية بعدم التعاون مع السلطات الفيدرالية، وتوفير ملاذ آمن للمهاجرين غير الشرعيين. في المقابل، ردّ حاكم ولاية إلينوي بالدعوة إلى مواجهة ما وصفه بسياسات الهجرة "العدائية" التي يتبناها ترامب، في حين أعرب عمدة مدينة ناشفيل عن قلقه إزاء التداعيات الإنسانية والأمنية لحملات الاعتقال التي تنفذها قوات الهجرة الفيدرالية.

تُظهر قضية الترحيل انقسامًا كبيرًا في الداخل الأمريكي. ففي حين يدعم ترامب ونسبة كبيرة من الجمهوريين هذه السياسة - إذ تصل نسبة المؤيدين لها بينهم إلى 54٪ - يعارضها الديمقراطيون بشدة، إذ لا تتجاوز نسبة المؤيدين بينهم 10٪، وفقًا لاستطلاعات الرأي. يرى المؤيدون، وفي مقدمتهم ترامب، أن هذه السياسة تمثل أداة ردع فعالة للهجرة غير النظامية، في حين يعتبرها المعارضون انتهاكًا صارخًا للقانون وحقوق الإنسان. وفي تطور لافت، رفض قاضٍ فيدرالي أمس عمليات الترحيل إلى دولة ثالثة، وذلك في ظل تقارير تؤكد اقتراب ترحيل مهاجرين غير شرعيين إلى ليبيا، في وقت بلغت فيه أعداد المرحّلين من الولايات المتحدة 156 ألف شخص حتى بداية الأسبوع الحالي.

يرى المؤيدون، وفي مقدمتهم ترامب، أن هذه السياسة تمثل أداة ردع فعالة للهجرة غير النظامية، في حين يعتبرها المعارضون انتهاكًا صارخًا للقانون وحقوق الإنسان

يُذكر أن محاولات ترامب لتطبيق سياسة الترحيل إلى دولة ثالثة بدأت خلال ولايته الأولى، من خلال توقيع اتفاقيات مع عدد من دول أمريكا الوسطى. غير أن هذه الاتفاقيات كانت تركز بالأساس على المهاجرين غير الشرعيين على الحدود الأمريكية-المكسيكية. وقد وصفت واشنطن بوست هذه الجهود آنذاك بأنها "مجرد مهزلة".

أدانت منظمة هيومن رايتس ووتش بشدة سياسات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة إلى دول ثالثة، معتبرة أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وخرقًا للقانون الأميركي والدولي. طالبت المنظمة بضرورة معالجة طلبات اللجوء داخل الأراضي الأميركية، مشددة على أن ترحيل الأفراد دون ضمانات قانونية كافية يقوّض حقوقهم الأساسية. كما سلطت الضوء على حالات ترحيل 299 شخصًا من دول أفريقية، مثل: إثيوبيا وإريتريا والصومال إلى بنما خلال فبراير/شباط الماضي، حيث تعرضوا لظروف احتجاز قاسية وسوء معاملة. وأعربت المنظمة عن قلقها إزاء ما سمّي بـ"العودة الطوعية" لـ180 من هؤلاء، مؤكدة أن الظروف المحيطة بهذه العمليات تثير شكوكًا بشأن مدى طوعيتها الحقيقية.