الأحد 18 يناير 2026
استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الخميس، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي ورئيس رواندا بول كاغامي في البيت الأبيض، في قمة وُصفت بأنها حاسمة لمسار السلام في شرق الكونغو، وتُتوَّج بتوقيع اتفاق جديد يعيد تأكيد التزامات «اتفاق واشنطن» الموقَّع بين البلدين في 27 يونيو/حزيران 2025.
وبالتوازي مع المسار السياسي، أعلن ترامب إبرام اتفاقات ثنائية مع كلٍّ من الكونغو ورواندا تمنح الشركات الأميركية أولوية الوصول إلى احتياطيات الكونغو الضخمة من الكوبالت والنحاس والليثيوم، في خطوة تعيد رسم خريطة التنافس الدولي على المعادن الإستراتيجية في قلب أفريقيا الغنية بالموارد.
وقال ترامب في مؤتمر صحافي مشترك إن «الولايات المتحدة توقع اليوم أيضاً اتفاقيات ثنائية مع الكونغو ورواندا، تهدف إلى فتح فرص جديدة للوصول إلى المعادن الحيوية وتحقيق فوائد اقتصادية لجميع الأطراف»، مضيفاً: «سنرسل بعضاً من أكبر شركاتنا وأكثرها خبرة إلى هذين البلدين لاستخراج المعادن الأرضية النادرة والأصول الإستراتيجية، مع ضمان المدفوعات وتحقيق أرباح للجميع».
الاتفاق السياسي المنتظر، بحسب مصادر أميركية ودولية، يعيد التأكيد على بنود «اتفاق واشنطن» الذي تم التوصل إليه الصيف الماضي بوساطة أميركية–قطرية، وينص على انسحاب القوات الرواندية من شرق الكونغو ضمن جدول زمني محدد، ووقف دعم الجماعات المسلحة، وإنشاء آلية مشتركة للأمن والتنسيق على الحدود، إلى جانب إطار للتكامل الاقتصادي يربط البلدين بشبكة من الشراكات مع الحكومة الأميركية والمستثمرين الأميركيين.
شرق الكونغو يُعد من أغنى مناطق العالم بالمعادن الحيوية المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة، مثل الكوبالت و«الكولتان» والليثيوم، ما يجعل أي اتفاق سلام هناك فرصة أيضاً لإعادة توزيع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وقوى أخرى على سلاسل إمداد هذه الموارد.
لكن على الأرض، لا تزال الصورة بعيدة عن الاستقرار. تقارير ميدانية تشير إلى استمرار الاشتباكات بين الجيش الكونغولي وحركة «M23» المتمرّدة المتحالفة مع رواندا في الفترة التي سبقت القمة، مع تبادل الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار. وتؤكد كينشاسا أن الحركة تستغل كل هدنة لإعادة التموضع وتعزيز قدراتها، فيما تنفي كيغالي تقديم أي دعم مباشر لها، وتقول إن وجود قواتها داخل الكونغو يهدف إلى «حماية أمنها القومي».
على منصات التواصل الاجتماعي في الكونغو، تصاعد جدل حاد فور الإعلان عن الصفقات الاقتصادية؛ إذ رأى كثير من الناشطين أن التركيز الأميركي المعلن ينصبّ على تأمين الوصول إلى الموارد أكثر من تركيزه على جذور الصراع، وأن الاتفاق هشّ في قدرته على إنتاج سلام حقيقي ومستدام في شرق البلاد، في ظل استمرار نفوذ الميليشيات المسلحة وتداخل الأجندات الإقليمية.
وينص الاتفاق، وفق ما تسرّب من بنوده، على «نزع سلاح المليشيات، تفكيكها أو إدماجها في الجيش بعد الفحص والتحقق»، غير أن منتقدين يشيرون إلى غياب آليات واضحة وفعّالة لمراقبة هذه العملية على الأرض، وإلى أن النص يتجاهل عملياً ملف محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، رغم اتهام جماعات مثل «M23» وفصائل أخرى بارتكاب «جرائم حرب» تشمل القتل الجماعي، والاختطاف، والترهيب، والعنف والابتزاز الجنسي.
كما يلفت محللون كونغوليون إلى أن الاتفاق لا يتضمن برامج مفصّلة لإعادة بناء المجتمعات المتضررة، ولا ضمانات أمنية واضحة للسكان، ولا خططاً متماسكة لإعادة توطين النازحين أو تقديم دعم اقتصادي وتعويضات للضحايا، فضلاً عن أنه لا يعالج بصورة صريحة وضع الجماعات المسلحة الأخرى التي لم توقّع على الاتفاق، ما يترك ثغرات يمكن أن تعرقل أي مسار حقيقي للسلام.
هذه الثغرات تغذّي شعوراً عميقاً بعدم الثقة في شرق الكونغو. فبعد ثلاثة عقود من الحروب المتكررة والتدخلات العابرة للحدود، يتساءل كثيرون عن شكل خريطة البلاد خلال السنوات العشر المقبلة، وعن مدى استعداد رواندا – التي يتهمها جزء من الرأي العام الكونغولي بأنها تقود حرباً بالوكالة منذ التسعينيات في مقاطعات كيفو الغنية بالمعادن – للتوقف عن «اللعب بورقة الميليشيات» إذا لم تتغير موازين المصالح الإقليمية.
في الداخل الأمريكي، يسعى ترامب إلى تقديم الاتفاق على أنه مثال جديد على دوره كـ«صانع صفقات» في السياسة الخارجية، إلى جانب تحركاته في ملفات غزة وأوكرانيا، غير أن معارضيه ينتقدون تركيزه على الملفات الدولية في وقت يواجه فيه الأميركيون ضغوطاً اقتصادية حادة وارتفاعاً في كلفة المعيشة، ويرون في الصفقات المعدنية جانباً من «براغماتية اقتصادية» تطغى على الحديث عن العدالة وحقوق الإنسان.