الأحد 8 فبراير 2026
انتعشت صور الاستعراض الأمريكي العسكري في عملية القبض ونقل الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وعقيلته من كاراكاس إلى نيويورك لمحاكمته، حيث حظيت بمتابعة إعلامية واسعة، وتعليقات دونالد ترامب الكثيرة، وجاءت لتستكمل رؤيته لأمريكا عظيمة مرة أخرى وحدود قوتها العسكرية، وترجمة لإرادة غير مكترثة بأسئلة القانون والمعايير الدولية، والعابثة بفلسفة النظام العالمي الموروث عن الحرب العالمية الثانية، والذي رسم أسلافه معالمها.
وما لبث ببحث عن أضواء جديدة، حيث لم تكن الصواريخ الموجهة إلى الولاية النيجيرية في تقدم تلك المشهدية الاستعراضية، فلم تحظى بمتابعة حقيقية، وإن كانت ترجمة للإصرار على الافتخار الذي انطلق منذ عودته للبيت الأبيض، واستكمالا لمعالم علاقة ملتبسة مستمرة مع الأفارقة، قوامها استهداف بلدانهم وترحيل المهاجرين ذي الأصول الأفريقية، ثم استجداء ثرواتهم ومواردهم، كل ذلك دون أن يجلي أنظاره على هذه القارة.
شكل الهجوم الأمريكي في عملية ضربة مطرقة منتصف الليل باستهداف منشئات نووية إيرانية، في يونيو 2025، باستخدام القاذفات الشبحية الاستراتيجية الحاملة لقنابل خارقة للتحصينات "جي بو يو "57 لمنع حصول طهران على أسلحة نووية، ذروة الاستعراض الأمريكي، وكتب الرئيس الأمريكي دونالد تغريدة متفاخرا "لقد نفدنا هجومنا الناجح ... لا يوجد جيش آخر في العالم كان بإمكانه فعل هذا..". وغرد رئيس مجلس النواب في ذات السياق، "ينبغي أن تكون العمليات العسكرية في إيران بمثابة تذكير واضح لخصومنا وحلفائنا بأن الرئيس ترامب صادق في أقواله". وكل هذا تذكير دائم بالإصرار على رؤية أمريكا عظيمة مرة أخرى، ويزكيها بالقوة تاليا، وأخيرا الهيمنة الأمريكية على كل المحاور.
كانت بداية استعراض القوة حينما أشرف الرئيس الأمريكي أياما قليلة قبل قصفه للبرنامج النووي الايراني على عرض عسكري ضخم، في الذكرى 250 لتأسيس الجيش الأمريكي، وتجسدت حفلة الانتشاء بالقوة بعد أسابيع على هذه التحركات، بتوقيعه أمرا تنفيذيا بتغيير اسم وزارة الدفاع (البنتاغون) إلى "وزارة الحرب"، بدلالتها الرمزية كانت علامة على التغيير الاستراتيجي القادم، ومؤشرا على الانطلاقة نحو مزيد من التدخلات السرية العسكرية النوعية، ثم لا يلبث، بما يدعو للسخرية، أن يدبج تصريحاته بمزاعم أنه أنهى ثمانية حروب.
تختصر إجمالا كاستمرار لسياسته في الولاية الأولى، فخلف الخبط العشوائي تصريحا وتلميحا إرادة الأبيض المهيمن وعزيمة التاجر الباحث عن المصالح والمكاسب، وسلاحه كثافة التصريحات وخشونة منشوراته على منصة التواصل الاجتماعي تروث سوشيال
بالموازاة مع إعادة صياغة العقيدة العسكرية للجيش، يرسم نهج "السلام من خلال القوة"، فالاستعراض العسكري لم يكن من أجل التباهي والمرونة العسكرية للقوات وحسب، إنما كان مؤشرا على خطة لبرنامج من المهام المكفولة لوزير الحرب قصفا واغتيالا واستقرارا، ومن خلالهما انتظار الكشف عن قائمة المناطق التي ستسيطر عليها واشنطن، من غزة إلى غرينلاند، وقبلهما كل المحاور الاستراتيجية للتجارة البحرية.
لم يكن الأمر مجرد استعراض تقليدي، إنما تأكيد على إرادة القوة والانتصار على الأعداء والتحرك الحازم للهيمنة، ومن أجل تحديد تلك المعالم بدقة كانت الحاجة ماسة للعودة لعقيدة مونرو، بنسخة معدلة الاسم "مبدأ دونرو"، المحتفظة بجوهرها عبر الارتكاز على الاهتمام أكثر بالنصف الغربي من الكرة الأرضية، أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، تحت منطق استعادة السيطرة على الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، بالسيطرة على قناة بنما وغرينلاند، بما يتيح لها حماية مصالحها، ولو بالقوة واستبعاد النفوذ الروسي والصيني في جوارها الإقليمي.
وفي ذات السياق، كانت أفريقيا بدورها مجالا لهذا الاستعراض الأمريكي للقوة من خلال ضربات صاروخية في ليلة عيد الميلاد، حيث انطلقت صواريخ "توماهوك كروز" من عرض خليج غينيا نحو معسكرات تنظيم الدولة في ولاية سوكوتو شمالي غربي نيجيريا. بقدر ما كانت العملية العسكرية مفاجئة بقدر ما كانت ترجمة مباشرة لتهديدات ترامب، إذ جاءت بعد أسابيع عن تهديديه بتدخل عسكري، وتوجيه لقاداته قصد وضع خطة لهجوم محتمل على نيجيريا. سارع الرجل للانتشاء بهذه الصنيعة في منشور على منصته "تروث سوشال" معتبرا بأنها "ضربة قوية ضد داعش الإرهابيين الأوغاد"، مضيفا أنها "جاءت لأنهم يقتلون بوحشية المسيحيين الأبرياء"، وبعيدا عن النظرة الاختزالية للأزمة وضحاياها، تشير التقديرات الميدانية إلى أن تأثيراتها محدودة، وتثير تساؤلات عن جدواها، فأكثر من ثلثها لم ينفجر.
تطرح هذه العملية تساؤلات جدية عن التوقيت والجدوى، لكن متى كانت حسابات ترامب تستحضرها، فلا ينتشي إلا بجوهرها الاستعراضي. وقد أعقبها مباشرة بوعيد بالتصعيد ومزيد من الهجمات، لترسم سردية عن الدلالات السياسية والرمزية وحساباته الانتقائية وغروره الشخصي، إنها بالمحصلة ترجمة لمفارقاته الكثيرة لاسيما في القضايا الأفريقية.
جاءت لحظة الإعلان عن استراتيجية الأمن القومي في ديسمبر/كانون الأول 2025، أياما قليلة قبل الضربات الصاروخية على نيجيريا والعملية العسكرية "العزم المطلق" في فنزويلا، فكانت هذه الوثيقة حاسمة وكاشفة للانقلاب في الأولويات الاستراتيجية؛ إذ تؤكد التركيز جغرافيا على دول الكاريبي، وموضوعاتيا على التصدي للهجرة، وتعزيز ثنائيتي الشراكات الاقتصادية وبناء السلام من خلال القوة. لكن ألا تكشف تلك العمليات العسكرية السابقة وجها أخرا مستمرا للتوجهات الواقعية التي يصعب على قائدة العالم أن تتخلى عنها؟
لئن كانت النظرة الاستراتيجية لدونالد ترامب في هذه الولاية مركزة حصرا على تأكيد الهيمنة بالنصف الغربي من الكرة الأرضية، إلا أن باقي المحاور الأخرى غير مستبعدة في تقديرات إدارته؛ فيبشر بالسلام في الشرق الأوسط، ويهدد محور الشر الصيني والروسي تارة، ويلتفت إلى الإيراني واللبناني والأفغاني تارة أخرى، ويهدد غرينلاند وكندا، وبينهما يغازل الأوروبيين اقتصاديا ويقارعهم سياسيا وعسكريا، لكن قليلا ما تستحضر القضايا الأفريقية.
لقد تغيرت نظرة ترامب للعالم وأولويات إدارته، ورغم ذلك، يبدو بأن أفريقيا لم تسقط في حساباته، صحيح بأنه قلص وجوده العسكري بالمنطقة وهدد بمراجعه علاقاته الدبلوماسية والتجارية مع دول كثيرة، لكن المصالح الاستراتيجية سترغمه على العودة بشكل وبآخر
مبدئيا، لم تكن أفريقيا تحظى باهتمام ترامب، وإن كانت وللمفارقة كما في ولايته السابقة، تتربع على رأس انتقاداته وسياساته الانتقائية، فتختزل في ذهنه صورة نمطية عن بلدانها كمنبع للمهاجرين السريين، أو كمناطق مستفيدة من التجارة والفرص الأمريكية. ويحمل مسؤولية أزماتها البنيوية أشرار وإرهابيون... في المقابل تبقى أراضيها وثرواتها حكرا لبلاده وشركاتها.
لم تعد خفية توجهات وشخصية وعقيدة إدارته الأفريقية، فقد عهده قادتها في الولاية الأولى، لكن رغم ذلك، تغيرات كثيرة وحازمة يكشفها وجهه الثاني في هذه الولاية، دون أن يعيد ترتيب رؤيته عن القارة خارج تقديرات سابقيه، فلم يزرها كي يكتشفها، ولا يبدي نية في تقدير مكانتها الحضارية والجيوسياسية. وتختصر إجمالا كاستمرار لسياسته في الولاية الأولى، فخلف الخبط العشوائي تصريحا وتلميحا إرادة الأبيض المهيمن وعزيمة التاجر الباحث عن المصالح والمكاسب، وسلاحه كثافة التصريحات وخشونة منشوراته على منصة التواصل الاجتماعي تروث سوشيال. ويعقد هذه المفارقات تحركات مستشاره لشؤون المنطقة مسعد بولس أمام تضييق هوامش التحركات المؤسساتية، بتفكيك وكالة التعاون الامريكية للتنمية الدولية، وتقليص الهيئات الدبلوماسية العاملة بالمنطقة.
إن تخلي واشنطن عن القارة وقضاياها لن يكون ممكنا، ولا يعكس إلحاح إدارة ترامب على تكرار لازمة عدم الاهتمام بتحدياتها، إنما يؤكد بأن الحقيقة عكس ذلك، فهي المنبع الأساسي للموارد الطبيعية وساحة الاصطفاف الدولية، فهل سيضحي بما تحقق فيها من مكاسب وفتوحات؟ لربما كانت رسالة انطلاق الصواريخ من خليج غينيا إلى أعماق نيجيريا رسالة مشفرة لمن يهمهم الأمر. ذات الرسالة تتقاطع مع انتقاداته الكثيرة لجنوب أفريقيا يحركها الهاجس نفسه مع نيجيريا وغيرها، وهو تقدير المصالح وترتيب المكاسب، فإن اختلفت التفاصيل، فالمحدد واحد انتقاده لما يعتبره اضطهادا للأقليات الدينية في أبوجا والبيضاء في بريتوريا. تبقى الشراكة الاقتصادية في تقديره الحل الأمثل كي يتغاضى عن الأمر، وعلى ما يبدو فهذه البلدان التقطت الإشارة فسارعت إلى التعاون كي لا يزيد غضبا، وكي ينقل هجماته إلى مناطق أخرى.
لن يلغي إعادة التموضع الجديد لواشنطن تماما المحور الأفريقي، وهذا ما تؤكده مزاعم نجاحها في استهداف معسكرات التدريب والقضاء على عدد من عناصر التنظيمات الإرهابية في نيجيريا وقبلها في الصومال. كما أن الرجل يراهن على تدبير الأزمات المحلية في الكونغو الديمقراطية كما في غيرها، ونجاحه في التمدد إقليميا عبر صفقات المعادن الحرجة والمواد الطاقية الحيوية.
جاءت أفريقيا في ذيل الأولويات الاستراتيجية لواشنطن في العهدة الثانية للرئيس غير أنها لم تغادر دوائر التحرك الأمريكي، وإن كان ترامب في ترتيباته الجيوسياسية يحاول أن يغير مسار توجهاته بلا عودة، فالتركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يعد ضمن أولويات إدارته، كما لم تعد تغريه مسارات التنمية والتعاون، بقدر ما ينتشي بمثانة العلاقات، وتعزيز الشركات وتوقيع الصفقات، ويهلل بعدم انخراطه في نزاعات دولية، وإن كان واقع الحال يؤكد بأن عملياته العسكرية تثبت عكس ذلك. لقد تغيرت نظرة ترامب للعالم وأولويات إدارته، ورغم ذلك، يبدو بأن أفريقيا لم تسقط في حساباته، صحيح بأنه قلص وجوده العسكري بالمنطقة وهدد بمراجعه علاقاته الدبلوماسية والتجارية مع دول كثيرة، لكن المصالح الاستراتيجية سترغمه على العودة بشكل وبآخر.
لم تغادر أفريقيا محور أنظاره، وإن كانت تحضر في شكل الإهانات والتضييق والتجاهل لقضاياها، لكن هذا الانكفاء السياسي والاقتصادي لم يدوم طويلا، فما يلبث عائدا إلى ساحاتها بصفقات الاستحواذ على المعادن ومشروعه عن السلام العالمي المزعوم، وجاءت الضربات الجوية بالنجير لتستكمل محصلة هذه العودة والحضور.
تبقى الشراكة الاقتصادية في تقديره الحل الأمثل كي يتغاضى عن الأمر، وعلى ما يبدو فهذه البلدان التقطت الإشارة فسارعت إلى التعاون كي لا يزيد غضبا، وكي ينقل هجماته إلى مناطق أخرى
فالسؤال يتجاوز محددات المغادرة من دونها، فعلى العكس يبدو الأمر كعودة قوية للساحة الأفريقية بترتيبات جديدة؛ حسابات التكلفة هو الرهان على المكاسب الآنية، انسجاما مع سياسية واقعية واضحة المعالم، فقد استعاض عن التدخل والانخراط المباشر بعمليات عسكرية بعيدة مفتخرا بنجاحه في تقليص انخراط جنود بلاده من مناطق عديدة أبرزها الصومال والنيجر. وفي كشف سريع لحسابات المكاسب، حققت واشنطن وفق التقديرات الأخيرة ارتفاعا لحجم التدفقات التجارية، كما كسبت صفقات كثيرة للمعادن والمواد الطاقية.
تتغير المحددات والسياسات وتبقى المصلحة هي الأساس، فالمعادلة ثابتة ودائمة، تستوجب من الدول الأفريقية الانتباه للترافع على مصالحهم تفاوضا ودفاعا. فقد سارعت بعض البلدان مثل: النيجر وتشاد ومالي وبوركينافاسو، إلى الرد على المنع الأمريكي بمقتضى حق المعاملة بالمثل، ففرضت حظر التأشيرة على المسافرين الأمريكيين لبلدانها. كما رفعت جنوب أفريقيا مستوى الضغط على إدارة ترامب والتفاوض معها حماية لمصالحها. إلى جانبها، تستمر تقاطعات شركائها التقليديين كنيجيريا والصومال وغيرهم، رغم تصريحاته الاستفزازية التهديدية أحيانا كثيرة. كل ذلك إضافة لعوامل أخرى خارجية يشكل محددات للتفكير الأمريكي في إعادة العمل استثناء بقانون الفرص والنمو الأفريقي (أغوا).
من المؤكد أن نظرة دونالد ترامب إلى أفريقيا لن تتغير، غير أنها تتزحزح تحت إغراء رائحة المصالح والصفقات، وقد شكلت الاستدارة الاستراتيجية الأخيرة ابتعادا عنها من أجل إعادة التموضع دوليا. ولكنه يستطرد، كما في وثيقته بالنهاية، باستحضار القارة ومكانتها، وإن كانت تختزل في تأمين الموارد وتسوية النزاعات وتعزيز الاستثمارات كمحددات للشراكة المتبادلة، لكن قضاياها ما تلبت أن تجبره على تفكيك معادلات صعبة غير محسوبة في تقديراته.