تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

طقوس الإذلال في قمة ترامب الأفريقية

12 يوليو, 2025
الصورة
طقوس الإذلال في قمة ترامب الأفريقية
Share

افتتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب قمة مصغّرة في البيت الأبيض، في التاسع من يوليو/تموز 2025، امتدت لثلاثة أيام، جمعت رؤساء الغابون وغينيا بيساو وليبيريا وموريتانيا والسنغال. غير أن ما كان يُفترض أن يكون منصة دبلوماسية متكافئة، سرعان ما تحوّل إلى عرض استعراضي مُحكم، أُرغم فيه القادة الأفارقة على أداء مشهد إذلال علني أمام عدسات الكاميرات.

لم يكن هذا ما وُعِد به الرأي العام، أو على الأقل لم يكن ما يُفترض أن يُعرض للعيان. ففي الثالث من يوليو/تموز، صرّح مسؤول في البيت الأبيض بأن "الرئيس ترامب يؤمن بأن الدول الأفريقية توفّر فرصًا تجارية مذهلة تصبّ في مصلحة الشعب الأميركي وشركائنا الأفارقة على حد سواء". لكن، سواء أكان ذلك من قبيل المصادفة أو نتيجة تخطيط مقصود، فقد تزامن انعقاد القمة مع تصعيد إدارة ترامب لحربها التجارية، عبر فرض تعريفات جمركية جديدة على ثماني دول، من بينها ليبيا والجزائر في شمال أفريقيا.

وقد بدت المفارقة صارخة، ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يتحدث عن "تعزيز العلاقات مع أفريقيا"، كانت إدارته تفرض عقوبات فعلية على دول أفريقية. هذا التناقض الفجّ لم يكشف فقط عن اضطراب في السياسة الأميركية تجاه القارة، بل ربما عن قدر من الصراحة غير المقصودة؛ فالشراكة، في منطق ترامب، تُمنح بشروط، وغالبًا ما يصعب تمييزها عن أدوات الضغط والعقاب.

استهلّ ترامب القمة بخطاب افتتاحي مقتضب لم يتجاوز أربع دقائق، ادّعى فيه أن القادة الخمسة المدعوين يمثّلون القارة الأفريقية بأكملها. لم يكن يهمّ أن بلدانهم بالكاد تُذكر في مؤشرات التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا؛ ما كان يعنيه حقًا هو ما تختزنه أراضيهم من ذهب ونفط ومعادن نادرة. شكرهم بعبارات إنشائية على أنهم "قادة عظام... جاؤوا من أماكن نابضة بالحياة، بأراضٍ ثمينة، ومعادن عظيمة، واحتياطيات نفطية هائلة، وشعوب رائعة". ثم أعلن عن تحوّل في السياسة الأميركية من "المعونة إلى التجارة"، معتبرًا أن هذا النهج "أكثر فعالية واستدامة وفائدة من أي خيار آخر يمكننا المضي فيه معًا".

بدت المفارقة صارخة، ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يتحدث عن "تعزيز العلاقات مع أفريقيا"، كانت إدارته تفرض عقوبات فعلية على دول أفريقية

في تلك اللحظة، انهارت واجهة الدبلوماسية، وكُشف جوهر الاجتماع على حقيقته. لم يعد ترامب يتقمص دور رجل الدولة، بل تحوّل إلى نجم استعراضي يفرض هيمنته الكاملة على المشهد. وسرعان ما انزلقت القمة إلى عرض محرج، ظهرت فيه أفريقيا لا كقارة من الدول ذات السيادة، بل كأرض ثروات مستباحة، يتقدّمها قادة مطيعون يؤدّون أدوارهم أمام الكاميرات. لم يكن ما جرى حوارًا، بل استعراضًا للهيمنة: إنتاج مسرحي محسوب بعناية، كتب ترامب نصّه وأسند للقادة الأفارقة أدوارًا ثانوية.

كان ترامب في ذروة ثقته الاستعراضية، يدير اللقاء كما لو كان محرّك دمى، يوجّه كل زعيم أفريقي ليقول ما يرضيه، ويؤدي الدور المرسوم له. "دعاهم"، أو بالأحرى أملا عليهم، أن يدلوا "بتصريحات قصيرة للصحافة"، في عرض مُعدّ سلفًا اتخذ هيئة طقوس خضوع مدروسة. تقدّم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الواجهة، ليُشيد علنًا بـ"التزام ترامب تجاه أفريقيا". إلا أن هذا التصريح بدا منفصلًا عن الواقع، بل أقرب إلى مفارقة سريالية، في ظل تقليص واشنطن لمساعداتها، وفرضها تعريفات عقابية، وتشديدها لقيود التأشيرات على عدد من دول القارة.

في لحظة بالغة الإحراج، وصف الغزواني ترامب بأنه "أعظم صانع سلام في العالم"، منوهًا، ضمنيًا، بدوره في "وقف الحرب بين إيران وإسرائيل". وجاء هذا المديح من دون أي إشارة لاستمرار الدعم العسكري والدبلوماسي الأميركي للحرب الإسرائيلية على غزة، وهي الحرب التي أدانها الاتحاد الأفريقي بوضوح. فالصمت هنا لم يكن بريئًا، بل تواطؤًا محسوبًا، وتغاضٍ عن معاناة الفلسطينيين في سبيل كسب رضا الأميركيين.

لم يكن يهمّ أن بلدانهم بالكاد تُذكر في مؤشرات التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا؛ ما كان يعنيه حقًا هو ما تختزنه أراضيهم من ذهب ونفط ومعادن نادرة

يبدو أن الغزواني، الذي ترأس الاتحاد الأفريقي في عام 2024، كان مدركًا للتهديد بفرض تعريفات على بلده، فانزلق بسهولة إلى دور المتوسّل المطيع. دعى ترامب ضمنيًا لاستغلال معادن موريتانيا النادرة، وامتدحه باعتباره "صانع سلام"، متجاهلًا المجازر التي تُرتكب في غزة بأسلحة توفرها الولايات المتحدة نفسها. وهكذا، فرضت هذه النبرة نفسها على القمة بأكملها. تباعًا، انبرى القادة الأفارقة لإغداق المديح على ترامب، وفتح أبواب موارد بلدانهم أمامه. مشهد صادم يكشف إلى أي حدّ يمكن أن تنصاع السلطة حين تملي القوة شروط اللعبة.

حتى رئيس السنغال، باسيرو ديومي فاي، لم يتردد في استجداء اهتمام ترامب، حين طلب منه بناء ملعب غولف في بلاده. رفض ترامب الطلب، مفضّلًا أن يعلّق على مظهر فاي الشاب. أما رئيس الغابون، بريس كلوتير أوليغي نغيما، فتحدّث عن "شراكات رابحة للطرفين" مع الولايات المتحدة، لكنه لم يلقَ من ترامب إلا ردًا فاترًا.

ما لفت انتباه ترامب فعلًا لم يكن السياسات أو المبادرات، بل الطلاقة الإنجليزية لرئيس ليبيريا، جوزيف بواكاي. إذ تجاهل مضمون كلمته، وانبهر فقط بجمال لغته، وسأله بدهشة: "أين تعلمت التحدث بهذه الروعة؟ أين تلقيت تعليمك؟ في ليبيريا؟" أن يُفاجأ ترامب بأن اللغة الرسمية في ليبيريا هي الإنجليزية منذ تأسيسها عام 1822 كمستوطنة للعبيد المحررين من الولايات المتحدة، لم يكن بحد ذاته الصدمة، بل الطريقة التي عبّر بها عن دهشته، نبرة استعمارية تحمل استعلاءً عرقيًا دفينًا. استغرابه من طلاقة رئيس أفريقي في الإنجليزية لم يكن مجرد جهل، بل تجلٍ لرؤية مشبعة بالعنصرية والإمبريالية، لا ترى في الأفارقة سوى استثناءات حين يتقنون لغة "المركز".

ظهرت فيه أفريقيا لا كقارة من الدول ذات السيادة، بل كأرض ثروات مستباحة، يتقدّمها قادة مطيعون يؤدّون أدوارهم أمام الكاميرات. لم يكن ما جرى حوارًا، بل استعراضًا للهيمنة

ولم تكن هذه الزلة فريدة من نوعها. ففي 29 يونيو/حزيران، وخلال حفل أُقيم في البيت الأبيض على هامش توقيع اتفاق سلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وجّه ترامب تعليقًا علنيًا إلى الصحافية الأنغولية ومراسلة البيت الأبيض، هاريانا فيراس، قال فيه: "أنتِ جميلة - وجميلة من الداخل أيضًا". بغض النظر عن مظهر فيراس، فإن تعليق ترامب كان مهينًا وغير لائق، إذ اختزل صحافية محترفة إلى مظهرها، في لحظة دبلوماسية مفصلية. هذا التشيء الجنسي للنساء السود، والنظر إليهن كأدوات لإشباع الرغبة البيضاء بدلًا من الاعتراف بهن كفاعلات فكريًا ومهنيًا، هو امتداد مباشر لإرث الرق والاستعمار الأوروبي. ولم يكن تعليق ترامب سوى استمرار حيّ لهذا الإرث في قلب المؤسسة السياسية الأميركية.

كما أن اندهاش ترامب من طلاقة بواكاي في اللغة الإنجليزية لم يكن حادثة معزولة، بل جزءا من نمط إمبريالي طويل الجذور. إذ لطالما نُظر إلى الأفارقة الذين يتقنون لغة المستعمر لا باعتبارهم مثقفين أو متعددي اللغات، بل كأفراد تشكّلت فيهم الثقافة المهيمنة. ويتم غالبًا مكافأتهم ليس على استقلالهم أو كفاءتهم الفكرية، بل على مدى قربهم الرمزي من "النموذج الأبيض". لقد انسجم اندهاش ترامب مع هذا النمط التاريخي الراسخ، حيث تُعامل الطلاقة اللغوية، حين تصدر عن أفريقي، كظاهرة نادرة تستحق الانبهار. وبهذا، تحوّلت الطلاقة إلى مديح مشروط، يُفرّغ الشخص من فاعليته، ويُقاس فيه الإنجاز بمعايير الآخر.

أفصحت تعليقات ترامب قناعة متجذّرة لديه بأن الأفارقة المتحدثين بفصاحة أو ذوي الحضور الجسدي الجذّاب هم استثناءات عابرة تثير الإعجاب اللحظي. ومن خلال اختزال كل من بواكاي وفيراس إلى مجرد فضوليات جمالية، جرّدهم من فاعليتهم، وقلّل من شأن إنجازاتهم، وأرضى في المقابل غروره الاستعماري. لكن الأخطر من ذلك، أن تصريحات ترامب بشأن بواكاي فضحت استخفافًا أعمق بالقارة كلها. فقد أزالت القناع عن طبيعة القمة، وبدّدت أي وهم بأن هذه القمة كانت تهدف لشراكة حقيقية.

وللمقارنة، استضاف الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن، في ديسمبر/كانون الأول 2022، قمة جمعت أكثر من 40 رئيس دولة أفريقية، إلى جانب قادة من الاتحاد الأفريقي والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وقد أُعطيت الأولوية في تلك القمة لحوار بين الأنداد، وإيلاء أهمية واضحة لأجندة الاتحاد الأفريقي 2063، مشهد مناقض تمامًا للاستعراض الذي أداره ترامب.

ومن المستغرب حقًا أن تخلص إدارة ترامب إلى أن خمسة رجال يمكنهم تمثيل قارة بأكملها. إلا إذا كانت المسألة لا تتعلق بالتمثيل أصلًا، بل بالهيمنة. فلم يكن ترامب يسعى إلى شراكة متكافئة، بل إلى عرض استعراضي يُظهر فيه السيطرة. وللأسف، لبّى ضيوفه هذا الدور بامتثال كامل. وعلى النقيض من لقائه المرتّب بعناية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الثامن من يوليو/تموز، بدت مأدبة الغداء مع القادة الأفارقة مشهدًا مرتجلًا، فوضويًا، وكاشفًا لما تريده واشنطن فعلًا من أفريقيا: الطاعة، لا الحوار؛ الامتثال، لا الندية.

من المستغرب حقًا أن تخلص إدارة ترامب إلى أن خمسة رجال يمكنهم تمثيل قارة بأكملها. إلا إذا كانت المسألة لا تتعلق بالتمثيل أصلًا، بل بالهيمنة

وكان الرئيس السنغالي، باسيرو ديومي فاي، محبطًا بشكل خاص. إذ جاء إلى السلطة محمولًا على موجة مناهضة للإمبريالية، متعهدًا بقطع التبعية واستعادة كرامة القارة. لكنه وقف في البيت الأبيض خاضعًا أمام أكثر الشخصيات تجسيدًا للهيمنة الإمبريالية. وكغيره من القادة الحاضرين، لم يتجرأ على مساءلة ترامب، ولا على الحديث بنديّة، ولا حتى على التذكير بالسيادة التي طالما تغنّى بها أمام جمهوره المحلي.

في لحظة كانت تستدعي من القادة الأفارقة مواجهة ذهنية استعمارية آخذة في التجدد، اختاروا الانحناء، ومنحوا ترامب فرصة نادرة لإحياء خيال السيطرة الغربية الذي ساد في القرن السادس عشر. وفي مختتم اللقاء، منحهم ترامب مكافأة خضوعهم: أعلن أنه قد لا يفرض تعريفات جمركية جديدة على بلدانهم، "لأنهم باتوا أصدقائي الآن". هكذا انتصر "السيد"، وكل ما تطلّبه الأمر كان انحناءة جماعية.

المزيد من الكاتب