السبت 6 ديسمبر 2025
ألقى تقرير تقييمي داخلي لمجموعة العشرين، كُشف عنه عقب قمة جوهانسبرغ، بظلال من الشك على قدرة المنتدى على مواصلة لعب دور المنصة المركزية للحكم الاقتصادي العالمي، في وقت احتفلت فيه جنوب أفريقيا باستضافة أول قمة للمجموعة على أرض أفريقية بوصفها «انتصاراً للتعددية» رغم مقاطعة الولايات المتحدة.
وبحسب موقع «أفريكا إنتليجنس»، الذي حصل على أول تقرير تقييم داخلي لعمل المجموعة، فإن الوثيقة تشير إلى «أجندة مرتبكة»، وتوسّع مفرِط في عدد فرق العمل والدول المدعوّة، ومشكلات في التنسيق بين مسارات التفاوض المختلفة، ما يثير تساؤلات حول فعالية النموذج الحالي لمجموعة العشرين وقدرته على الاستجابة للأزمات المتفاقمة.
عُقدت قمة مجموعة العشرين في مركز المعارض بجوهانسبرغ يومي 22 و23 نوفمبر/تشرين الثاني، تحت شعار «التضامن، المساواة، الاستدامة»، وبحضور قادة وممثلين عن الدول الأعضاء ومعظم الشركاء المدعوين، في حين غاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالكامل بعد قراره مقاطعة القمة، ما جعلها الأولى في تاريخ المجموعة التي لا يشارك فيها أي ممثل رفيع المستوى عن واشنطن.
ورغم المقاطعة الأميركية، أعلن الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا أن القمة «نجاح للتعددية»، بعدما تمكّنت الدول المشاركة من اعتماد إعلان ختامي مشترك ركّز على تغيّر المناخ، وتخفيف أعباء الديون عن الدول النامية، وإصلاح النظام المالي الدولي، بدعم من قوى رئيسية مثل الصين والاتحاد الأوروبي، فيما امتنعت الأرجنتين عن تأييد الإعلان.
لكن التقرير الداخلي الذي اطّلعت عليه «أفريكا إنتليجنس» يعكس انطباعاً أقل احتفالية؛ إذ ينتقد توسّع جدول الأعمال ليشمل طيفاً واسعاً من الملفات، من إصلاح الديون إلى الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية، وتكاثر مجموعات العمل والمسارات الموازية، إلى جانب تضخم قائمة الدول والمنظمات المدعوّة، ما أدى – وفق التقييم – إلى تداخل الاختصاصات وصعوبة صياغة أولويات واضحة وقابلة للتنفيذ.
ويستمد المنتدى شرعيته من كونه يضم أكبر اقتصادات العالم؛ إذ تمثل دول مجموعة العشرين نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 75% من التجارة الدولية، وما يقارب ثلثي سكان العالم، بحسب البيانات الرسمية للمجموعة. إلا أن هذا الحجم لم يعد كافياً، بحسب منتقدين، لتبرير نموذج يعاني من استقطاب جيوسياسي حاد، وعجز متكرر عن تقديم حلول حاسمة لأزمات مثل الحرب في أوكرانيا، والانهيار المناخي، وأزمات الديون في دول الجنوب.
إعلان جوهانسبرغ، المؤلف من 122 بنداً، حاول إبراز «بصمة الجنوب العالمي» عبر لغة أكثر وضوحاً حول العدالة المناخية، وإعادة هيكلة الديون، وإصلاح مؤسسات بريتون وودز، وتوسيع تمويل التحول الطاقي في أفريقيا، فضلاً عن الدعوة إلى تطوير سلاسل قيمة للمعادن الحرجة داخل القارّة بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. غير أن التقرير التقييمي يحذّر من فجوة متزايدة بين الطموحات المعلَنة وقدرة آليات المجموعة على المتابعة والتنفيذ، في ظل ضعف التنسيق بين مسار «الشيربا» (المسار السياسي) والمسار المالي، وتعدد المنصات الموازية من قمم أعمال ومجتمع مدني وشباب ونساء.
وتتزامن هذه المراجعة الداخلية مع نقاش أوسع حول «أفول نموذج مجموعة العشرين» بصفته المنتدى الأوحد للحكم الاقتصادي العالمي، في وقت تصعد فيه أطر موازية مثل «بريكس» وتحالفات الجنوب العالمي، وتطالب الدول النامية بحصة أكبر في صنع القرار داخل المؤسسات المالية الدولية. تقارير بحثية حديثة تشير إلى أن رئاسة جنوب أفريقيا قد تشكّل نهاية دورة بدأت منذ قمة لندن 2009، حين نجحت المجموعة في حشد استجابة منسّقة للأزمة المالية، لكنها أخفقت لاحقاً في معالجة جذور عدم المساواة والاختلال المناخي.
ومع استعداد الولايات المتحدة لتسلّم رئاسة المجموعة واستضافة قمة 2026، يرى مراقبون أن نتائج قمة جوهانسبرغ، والتقرير التقييمي الذي كشفت عنه التسريبات، سيضعان ضغوطاً إضافية على الأعضاء لإعادة ترتيب أولوياتهم، وترشيد عدد مسارات العمل والدول المدعوّة، إذا أرادوا إقناع الرأي العام العالمي بأن مجموعة العشرين قادرة على التكيّف مع عالم أكثر تعددية وأشدّ هشاشة في آن واحد.