الأحد 18 يناير 2026
حذّر تقرير تحليلي صادر عن أكاديمية الاستخبارات الوطنية في تركيا من أن الصومال يدخل مرحلة «هشاشة متزايدة»، رغم توسّع الشراكة الإستراتيجية بين البلدين وارتفاع مستوى الانخراط التركي عسكرياً واقتصادياً في هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي.
التقرير، الذي يستعرض ما يصفه بـ«نموذج شراكة متعددة الأبعاد» بين أنقرة ومقديشو، يشير إلى أن التعاون القائم اليوم يشمل مجالات الدفاع والأمن، والاستثمار والبنية التحتية، والمساعدات الإنسانية، لكنه ينبه في الوقت ذاته إلى أن البيئة التي تعمل ضمنها هذه الشراكة «محفوفة بمخاطر قاسية» قد تهدد استدامتها.
في مقدمة عوامل الهشاشة، يضع التقرير استمرار خطر حركة «الشباب» المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي ما زالت قادرة على تنفيذ تفجيرات واغتيالات وإدارة مناطق نفوذ في الأرياف، رغم الحملات العسكرية التي أُطلقت ضدها في السنوات الأخيرة. كما يشير إلى أن فرع تنظيم «داعش» في إقليم بونتلاند، وإن كان أصغر حجماً، يضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار في الشمال الشرقي للبلاد.
ويقدّر التقييم أن الجيش الصومالي لم يتمكن من الحفاظ على الزخم الذي حققه في بعض العمليات خلال 2022، وأن جزءاً من المناطق التي استعادها عادت لاحقاً لسيطرة الجماعات المسلحة، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على الإمساك بالأرض وتأمينها على المدى الطويل.
التقرير يتوقف أيضاً عند تعثّر استكمال مشروع النظام الفيدرالي. فالدستور الصومالي لا يزال انتقالياً، وحدود الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء – مثل بونتلاند وجوبالاند – تبقى محل خلاف متكرر، خصوصاً في ملفات الانتخابات وتقاسم الإيرادات الطبيعية والجمركية. ويعتبر أن هذه التوترات تُبطئ القرارات السيادية وتؤثر مباشرة في المشاريع الاستثمارية والتنموية التي تحتاج إلى تنسيق وثيق بين المركز والولايات.
إلى جانب ذلك، يتحدث التقييم عن «أزمة حوكمة» مزمنة، تتمثل في ضعف القدرات الإدارية والرقابية للمؤسسات الحكومية، واعتماد كبير على المانحين الخارجيين لتوفير الخدمات الأساسية. ورغم التقدم المحرز في مسار إعفاء الديون وبرامج الإصلاح مع صندوق النقد والبنك الدولي، يرى التقرير أن الصومال ما زال بعيداً عن امتلاك استقلالية مالية وإدارية كافية لبناء دولة قادرة على الصمود.
ويحذّر التقرير من أن موجات الجفاف المتكررة وتداعيات تغير المناخ دمّرت مصادر دخل واسعة في الأرياف، ورفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يخلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب في صفوف الجماعات المسلحة أو دفعهم إلى الهجرة غير النظامية. كما يتوقع أن تؤدي هذه الضغوط إلى موجات نزوح داخلي أكبر، قد تُربك قدرات الدولة المحدودة أصلاً.
أما على المستوى الإقليمي، فيرى التقييم أن موقع الصومال على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن يجعله ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية. ويستشهد بالأزمة التي أثارتها مذكرة التفاهم الموقّعة بين إثيوبيا وصوماليلاند في 2024، بوصفها مثالاً على كيف يمكن لخطوة أحادية أن تشعل توترات سريعة وتفرض على مقديشو أعباء سياسية وأمنية إضافية. كما يلفت إلى أن حملات التضليل وحروب المعلومات التي تستهدف الشراكات الخارجية – ومن بينها التعاون مع تركيا – تجد أرضاً خصبة في سياق إعلامي محلي هش، ما يقوّض الثقة ويعقّد إدارة الملفات الحساسة.
في المقابل، يرصد التقرير توسّع الدور التركي في الصومال منذ زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان لمقديشو عام 2011، إبان واحدة من أسوأ موجات الجفاف والمجاعة في تاريخ البلاد الحديث. ويشير إلى أن أنقرة باتت اليوم أحد أبرز الشركاء الدوليين لمقديشو في مجالات عدة.
ففي الجانب العسكري والأمني، يشكّل معسكر «توركسوم» في مقديشو أكبر قاعدة تدريب عسكرية لتركيا خارج حدودها، حيث تخرّج منه حتى الآن أكثر من 15 ألف جندي وضابط صومالي. كما تدعم أنقرة جهود إعادة بناء القوات البحرية وحرس السواحل، في ظل الاهتمام المتزايد بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.
اقتصادياً وتنموياً، يقدّر التقرير حجم المساعدات والاستثمارات التركية في الصومال خلال السنوات الماضية بما يفوق مليار دولار، تشمل مشاريع في البنية التحتية والصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية. وتتولى شركات تركية تشغيل مطار آدم عدي الدولي وميناء مقديشو بموجب عقود طويلة الأجل، فيما تسعى شركات أخرى للاستثمار في قطاعات الطاقة والإنشاءات.
كما يتوقف التقييم عند اتفاقية واسعة النطاق وقّعت في 2025 للتنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية، تمنح أنقرة حقوقاً تشغيلية ومالية مهمة، وتربط بين التعاون في مجال الطاقة والتعاون الدفاعي والأمني.
مع ذلك، يشدد التقرير على أن كل هذه المكاسب تبقى «هشّة» ما دامت عوامل الخطر الداخلية في الصومال بلا معالجة بنيوية. ويخلص إلى أن مستقبل الشراكة التركية – الصومالية سيتحدد بقدرة مقديشو على تقليص نفوذ الجماعات المتشددة، واستكمال بناء النظام الفيدرالي ومؤسساته، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وإدارة الضغوط الإقليمية والدولية بكفاءة أكبر.
ويحذّر من أن أي انتكاسة كبيرة في هذه الملفات قد تُبقي البيئة التي تعمل فيها تركيا في الصومال «قابلة للاشتعال» ومعرّضة لأزمات متكررة، بما يفرض على أنقرة – وفق التقييم – الموازنة بعناية بين توسيع أدوارها في هذا البلد، وبين إدراك حجم المخاطر التي تحيط باستقرار واحد من أكثر الأقاليم حساسية في القرن الأفريقي.