الأربعاء 20 مايو 2026
اتهام الخارج بالوقوف خلف مشكلات وحروب السودان ليس جديداً. أذكر أنني سمعت توصيف "مخلب قط" لأول مرة حينما كنت في مقتبل الشباب في برنامج "في ساحات الفداء" الشهير، الذي كان يقدم تغطية دعائية لحرب جنوب السودان قبل انفصاله. كان ذلك التوصيف يطلق على الجنرال المتمرد آنذاك جون قرنق من أجل تحقيره، وإظهاره بأنه مجرد أداة بيد القوى الإقليمية والدولية، التي تريد تخريب السودان.
استعراض الأمر بهذه الطريقة كان هدفه القفز على المشكلة، فإذا كان المتمردون هم مجرد "مخلب قط"، فهذا يعني أنهم أشبه بمرتزقة بلا مبدأ ولا قضية ولا مظالم. هذا يجعلهم مجرد فئة فوضوية عميلة مارقة، وهو ما يفسر أيضاً كلمة "الخوارج"، التي كانت تطلق حينها عليهم. كانت تلك الكلمة تجمع بين الإساءة السياسية والمرجعية الثقافية، التي تربط بين المعارضة المسلحة، والفئة الباغية وفق المصطلح الإسلامي.
بعد سنوات طويلة من استخدام كل الألفاظ لوصف جون قرنق وحركته، وبعد تأليف الكثير من الأعمال والأناشيد الناقدة والشاتمة، التي كان الشباب يرددونها في المدارس والتجمعات الطلابية ومعسكرات التدريب، فإن الذي حصل هو أن قرنق عاد مجدداً إلى الخرطوم بعد اتفاق السلام 2005 ليحصل على مميزات دستورية ومنصب نائب الرئيس. هكذا أتيحت له لأول مرة فرصة مخاطبة الجماهير من قلب العاصمة، التي كان يحاول إخضاعها ودخولها عنوة.
الأمر لم يتوقف هنا، بل إن الآليات الدعائية ذاتها، التي كانت تصفه بالعمالة والارتزاق عادت لتغير لغتها، ولترى فيه القائد الوطني الملهم الداعم لوحدة السودان، والرجل الذي يمكن أن يجمع حوله قلوب الجميع.
هناك هدفا من التركيز المكثف على الدور الخارجي، وعلى دور هذه الدولة أو تلك في خلق الأزمة، أو في التآمر لتفكيك البلاد والعبث بأمنها واستقرارها، وهو أن نغض الطرف عن أسباب الصراعات الحقيقية
الطريف هو أن هذه لم تكن المرة الوحيدة، التي حدث فيها هذا السلوك المتكرر في تاريخ السودان الحديث. يتمرد سياسي أو مجموعة مسلحة على الدولة، فيوصف بأشد الألفاظ، ويلاحق إعلامياً وقضائياً وعسكرياً، ثم تمهلك الأيام، فترى الشخص نفسه وقد عاد بعد اتفاق سياسي لتقاسم السلطة ليجلس جنباً إلى جنب مع من كان يحاربهم. بالمقابل يغيّر أعداء الأمس أقوالهم، ولا يجدون حرجاً في مدح الرجل ووصفه بالمناضل والزعيم القومي والوطني، وهو الذي كان ينظر إليه بالأمس فقط كمجرد مجرم. الأمر لا يتوقف هنا، بل سرعان ما يمنح المجرم والملاحق السابق سلطة ونفوذاً ومنصباً سيادياً مكافأة له على عودته.
كما هو متوقع، فإن هذا لن يلبث أن يحرض آخرين على تجربة رفع السلاح، التي تبدو مغامرة مجدية ومليئة بالفوائد والمكاسب. وفق نظرة كثيرين، فإن هذه المغامرة، على خطورتها، تستحق العناء، فهي إما أن تقود لإنجاح انقلاب والوصول المنفرد إلى السلطة، وإما أن تقود للضغط على الحكومة حتى تصل مرحلة الرغبة في التخلص من هذا الصداع بأي ثمن، بما يقنعها بالجلوس إلى التفاوض ومحاولة حل المشكلة بالشكل المعتاد: السلطة والتعويض المالي المرضي مقابل التوقف عن التحريض على العنف وحمل السلاح.
ما شهدناه فعلياً كان أعقد من ذلك، حيث لا يقتصر الأمر على تشجيع ساخطين جدد على التمرد العسكري، بل إن الذي يحدث هو أن تكتشف أن الحركة المسلحة الواحدة، التي كانت الدولة تقاتلها، قد انقسمت بعد السلام المزعوم إلى تنظيمات بعدة رؤوس، فبينما كانت الدولة تستقطب من كانت تعتبر أنه رأسها ورمزها الوحيد، كانت تلك الحركة تفرّخ مجموعات متمردة جديدة ومزيداً من أمراء الحرب، الذين سرعان ما سيعلنون انشقاقهم عن الجسم الأم ورفضهم لاتفاق السلام.
يغيّر أعداء الأمس أقوالهم، ولا يجدون حرجاً في مدح الرجل ووصفه بالمناضل والزعيم القومي والوطني، وهو الذي كان ينظر إليه بالأمس فقط كمجرد مجرم
هذا يعني أن الأمر لن ينتهي بمنح وزارة أو منصب مهم لأحد زعماء الحرب، بل إن القوس يجب أن يظل مفتوحاً لإيجاد مكان مناسب لزعيم آخر، وأن هيكل الدولة يجب أن يتوسع ليشمل مزيداً من المتمردين السابقين ويضمهم إلى نسيجه، حتى وإن كانت كل مؤهلات هؤلاء وخبرتهم في الحياة هي أنهم متمردون سابقون.
أصحاب الحاجة يقومون بخلط متعمد في مثل هذه النقاشات، حيث يعتبرون أن طرح الأمر بهذه الطريقة فيه نفي للتدخلات الدولية وللدور الخارجي، وهذا ما لم يقله أحد، وهو أمر غير ممكن واقعياً، لأن أي صراع في هذا العالم، وليس فقط في السودان، لا يقتصر على فاعليه الرئيسيين، بل سرعان ما تتداخل فيه عوامل وجهات ومصالح، تريد أن تستفيد من الفوضى التي يخلقها.
هذه هي طبيعة التفاعل الدولي، وهي ما يحدث في كل الحروب، ابتداءً من الحرب الأوكرانية، التي لم تعد مجرد حرب روسية أوكرانية، ونهاية بالحروب المحلية، أو الحروب ضد المعارضات المسلحة في العالم الثالث.
بل إن من الطبيعي أن تراقب الدول الصراعات والأزمات الجارية، وأن تقوم بتحليلها ومعرفة مواقف الأطراف المتنازعة وخلفياتها من أجل اتخاذ قرار وتشكيل موقف ورؤية حول من يجب دعمه منها. هذا يعني أنه إذا كانت هذه المصلحة واضحة وكبيرة مع إحدى الجهات، فإن الدعم يكون بمقدار ذلك واضحاً ومباشراً، كما يعني أن يتحول الطرف، الذي ينجح في ربط أجندته الخاصة بأجندة داعميه لما يشبه فرس الرهان، الذي يتم التعويل على انتصاره في مقابل أطراف أخرى لا يحقق تصدرها المصلحة المطلوبة.
هذا الخلط والتضليل المتعمد يعترض على التقليل من دور الخارج، ويجتهد لسوق الحجج والبراهين من أجل إثبات شيء لا يستحق إثباته عناءً كثيراً، وهو أن أي تمرد ما كان ليبقى، لولا حصوله على دعم من الدول ذات المصلحة. هذا أمر لا خلاف عليه، فمن المعروف أنه ما كان بإمكان أي خارج عن الدولة أن يصمد لولا حصوله من جهات خارجية على المعينات اللازمة.
يتمرد سياسي أو مجموعة مسلحة على الدولة، فيوصف بأشد الألفاظ، ويلاحق إعلامياً وقضائياً وعسكرياً، ثم تمهلك الأيام، فترى الشخص نفسه وقد عاد بعد اتفاق سياسي لتقاسم السلطة ليجلس جنباً إلى جنب مع من كان يحاربهم
لكن النظرة الموضوعية تخبرنا، في الوقت ذاته، بأن هناك هدفاً من التركيز المكثف على الدور الخارجي، وعلى دور هذه الدولة أو تلك في خلق الأزمة، أو في التآمر لتفكيك البلاد والعبث بأمنها واستقرارها، وهو أن نغض الطرف عن أسباب الصراعات الحقيقية. هذا التركيز على الدور الخارجي، أو افتراض أن دولة ما لو أوقفت دعمها أو تدخلها فسوف يعيش السودان في سلام، يريد منا أن نتجاهل سؤالاً مهماً هو: لماذا كانت هناك سلسلة من الحروب الأهلية في هذا البلد منذ الاستقلال؟ وإذا كانت هناك مؤامرة، فلماذا الاستهداف المركز لهذا البلد بالذات؟ ولماذا كان الأكثر قابلية للوقوع ضحية لهذه المؤامرة؟
عند طرح هذا السؤال البسيط تكون في مواجهة طريقين، فإما الاعتراف بأن المشكلة كامنة في تركيب هذا البلد، ما يتطلب التصريح بذلك ومواجهته، وإما الهروب من الإجابة بالقول أن هذا السؤال يريد حرف القضية عن مسارها، أو اتهام السائل بأنه إنما يريد الدفاع عن الدول المنخرطة في الصراع السوداني، والتي لم تتوقف عن مد يد العون السياسي والمادي للمتمردين.
الأسهل بطبيعة الحال هو الدخول في حالة إنكار تشبه الطريقة الهيستيرية، التي ينكر فيها بعض المرضى ما هم مصابون به من علل محاولين إقناع أنفسهم بأنهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي. هذا يجعل هذا النوع من المرضى، وبدلاً من أن يتجهوا لأخذ الدواء المناسب والمتابعة، يكتفون بإلقاء اللوم على الطبيب والقول أنهم في أحسن حال.